آخر الأخبار

spot_img

حين يصبح القلم شهادة على البقاء

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

نبيل غالب

في الوقت الذي احتشد فيه صحفيو العالم أمام بلدية باريس رافعين لافتات “الحق في المعرفة” و”واجب الإعلام في نقل الحقيقة”، كانت نقابة الصحفيين اليمنيين تُحيي اليوم العالمي لحرية الصحافة ببيان لا يحمل تهنئة بقدر ما يحمل توثيقاً لـ”واقع بالغ التعقيد” تعيشه المهنة في اليمن.

البيان النقابي رسم صورة لبيئة عمل “مقيدة وغير آمنة”، تتداخل فيها الملاحقات الأمنية مع التدخلات في العمل الإعلامي والضغوط الاقتصادية. واقع جعل الصحفي اليمني يواجه خطراً مزدوجاً: سجن قد يأتي من أي جهة، وراتب قد لا يأتي أبداً.

“أزمة مرتبات الصحفيين” خصوصاً في الإعلام الرسمي، وصفتها النقابة بأنها “من أخطر التحديات” وانتهاك صريح للحقوق الأساسية. تدني الأجور وغياب الحماية الاجتماعية وعدم الاستقرار الوظيفي أدت إلى “تراجع كبير في مستوى الأمان المهني”، في ظل “هشاشة البنية المؤسسية” و”استمرار الانقسام”.

ولم تكن الصحفيات بمنأى عن هذا الواقع. عبّرت النقابة عن “بالغ القلق” إزاء ما يتعرضن له من “حملات تحريض ممنهجة وتهديدات مباشرة ومضايقات متكررة” في أماكن العمل وعبر الفضاء الرقمي. ممارسات تستهدف “إقصاءهن من المجال الإعلامي وتقويض دورهن المهني”، وتشكل انتهاكاً “مضاعفاً قائماً على النوع الاجتماعي”.

كل هذا كان حاضراً في باريس، حيث افتتح الاتحاد الدولي للصحفيين مؤتمره العام بالتزامن مع الذكرى المئوية لتأسيسه. أكبر تجمع نقابي إعلامي في العالم يمثل 600 ألف صحفي من 162 دولة، وضع اليمن وفلسطين في صدارة نقاشاته حول “مناطق النزاعات”.

النقابة اليمنية المشاركة في المؤتمر هنأت الاتحاد بمئويته، وأشادت بـ”دعمه المستمر للصحفيين اليمنيين”. والاتحاد رد بوقفة تضامنية أمام بلدية باريس، أكد فيها أن “التضامن الدولي أصبح ضرورة ملحة”، وأن “حق الجمهور في المعرفة حق أساسي يجب حمايته”، وأن استهداف الصحفيين “انتهاك مباشر لحق المجتمعات في الوصول إلى المعلومات”.

مطالب النقابة في هذا اليوم لم تكن ترفاً نقابياً، بل الحد الأدنى للبقاء: الإفراج الفوري عن جميع الصحفيين المحتجزين وضمان الرعاية الصحية لهم، صرف المرتبات المتأخرة ووضع حلول مستدامة لانتظامها، استعادة مقر النقابة، وقف المحاكمات ذات الطابع السياسي، وتعزيز استقلال القضاء، وبناء بيئة إعلامية قائمة على التعددية والاستقلال.

ودعت النقابة المجتمع الدولي إلى “الضغط لحماية الصحفيين”، مؤكدة أن “إنقاذ الصحافة في اليمن يتطلب رؤية شاملة” تضع “كرامة الصحفي وسلامته في صدارة الأولويات”.

للتأمل:
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، يبدو الصحفي اليمني وكأنه يكتب بيد ويدافع عن قلمه باليد الأخرى. لكنه يكتب. لأن الصمت في زمن الحرب خيانة مزدوجة: للحقيقة، وللضحايا الذين لا صوت لهم سواه.

فحين يصبح القلم تهمة، والخبر زنزانة، لا يبقى للحرية سوى أن تكتبها الأصوات التي ترفض أن تصمت. هنا، الصحافة ليست مهنة من يكتب. هي شهادة من قرر ألا يرى الظلم ويمر. هي ذاكرة الشعوب. ومن يعتقل صحفياً، يحاول أن يمحو جزءاً من ذاكرتك.