“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أ.د/ محمد علي قحطان
في موضوع سابق حول التضخم في اليمن، تحدثنا باختصار حول آفة التضخم، وحددنا مرتكزين لمواجهتها (تعافي سعر صرف العملة الوطنية، ومواجهة الجبايات بأشكالها وأنواعها المختلفة التي تنتهجها حالياً السلطات المركزية والمحلية في المحافظات اليمنية)، الأمر الذي أثار العديد من التساؤلات، أبرزها:
1. ما هو التضخم وما هو الكساد؟
2. ما أسباب التضخم وما أسباب الكساد؟
3. ما آثار التضخم وما آثار الكساد؟
4. ما السياسات الممكن الأخذ بها لمواجهة التضخم أو الكساد؟
كما يُعد مؤشرا التضخم والكساد أبرز مؤشرات الانهيار الاقتصادي والإنساني، وبمواجهتهما سوف يستعيد الوضع الاقتصادي والإنساني عافيته من حالة الانهيار، ويتحسن الوضع المعيشي للمواطنين.
وبهذه المقالة نوضح الإجابة على التساؤلات الأربعة السابقة، بهدف نشر الوعي بجوانب هامة من الأوضاع الاقتصادية التي تعيشها البلاد، وبنفس الوقت لفت انتباه مواقع اتخاذ القرار لأهم عناصر الإصلاح الاقتصادي والسياسات الواقعية المناسبة للمواجهة، وذلك على النحو الآتي:
أولاً: التضخم والكساد:
المقصود بالتضخم: ارتفاع المستوى العام لأسعار السلع والخدمات، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية للعملة الوطنية، ويضعف القدرة الشرائية للمواطنين، ويُقاس بمؤشر الرقم القياسي للأسعار.
والمقصود بالكساد: التدهور الحاد طويل المدى الزمني في النشاط الاقتصادي. إذ تسبق حالة الكساد حالة الركود الاقتصادي، فالتحول نحو حالة الكساد يبدأ بالركود لعدد من أشهر أو سنوات، وعندما تطول حالة الركود لتصل لسنة وتتجاوزها فإن الركود يصبح حالة كساد. ويعني ذلك انخفاضاً حاداً في الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاعاً كبيراً في مؤشر البطالة بسبب ما تؤدي إليه حالة الركود والكساد من انهيار للأنشطة الاستثمارية والحركة التجارية.
وبناءً على ذلك، يُعد ارتفاع مؤشر التضخم والكساد الحاد من أسوأ الحالات التي يمر بها أي اقتصاد، والاقتصاد اليمني حالياً يعاني من كلا الحالتين: حالة التضخم الكبير، وكذا حالة الكساد طويل المدى، الأمر الذي يعقّد عملية المواجهة.
ثانياً: أسباب التضخم والكساد:
التضخم الاقتصادي ينتج للأسباب التالية:
• زيادة في الطلب على السلع والخدمات، لأي سبب من الأسباب المؤدية لذلك، منها: زيادة حجم السكان، زيادة الدخل والإنفاق، ارتفاع القوة الشرائية لدخل المستهلكين… وغيرها، الأمر الذي يحتم على السلطات المختصة كالبنك المركزي ووزارة المالية تحريك أدوات السياسة النقدية والمالية بالاتجاه الذي يواجه من خلاله التغيرات الطارئة، والحفاظ على التوازن الاقتصادي.
• الارتفاع في تكاليف الإنتاج والنقل والتسويق، إذ كلما ارتفعت تكلفة أي عامل من هذه العوامل تؤدي إلى ارتفاع أسعار هذه المنتجات، وبالتالي ارتفاع الرقم القياسي للأسعار (التضخم).
• زيادة المعروض النقدي، فكل زيادة في الإصدارات النقدية تعني انخفاضاً في القيمة الشرائية للعملة الوطنية، وبالتالي انخفاض مستويات الدخل وانخفاض القوة الشرائية للمواطنين إذا لم يقابلها زيادة في الناتج المحلي الإجمالي للدولة. ولذلك يتحتم على السلطات النقدية في الدولة عند إصدار أي كميات من النقود الأخذ بعين الاعتبار مستوى الناتج المحلي الإجمالي باعتباره مؤشراً للقوة الاقتصادية، كما ينبغي على السلطات النقدية مراعاة مضاعف النقود؛ أي أن حجم الإصدارات النقدية لا يساوي كمية العرض النقدي بصورته الموسعة المعبرة عن سرعة دوران النقود، فكلما ارتفعت سرعة دوران النقود ارتفع مستوى عرض النقود المتداولة، الأمر الذي يستدعي كفاءة عالية لدى منتسبي السلطات النقدية ليكونوا قادرين على إدارة السياسة النقدية بصورة تحقق حالة التوازن الاقتصادي بين العرض النقدي والطلب عليه والقوة الاقتصادية.
بينما حالة الكساد الاقتصادي تنتج للأسباب التالية:
• انخفاض حاد في الطلب على السلع والخدمات، التي قد تحدث لانخفاض حجم السكان أو الانخفاض في دخولهم أو لانخفاض القوة الشرائية لدخلهم.
• انهيار الجهاز المصرفي، وبالأخص البنوك والأسواق المالية، إذ يعني ذلك جفافاً في الائتمان المصرفي (صعوبة الحصول على القروض والتسهيلات المالية)، وكل ذلك يؤثر على حركة الاستثمار، وبالتالي تراجع حجم الناتج المحلي الإجمالي وحدوث اختلالات بين الطلب على السلع والخدمات والقدرة الإنتاجية للمنشآت، الأمر الذي يحتم على السلطات النقدية تحريك أدوات السياسة النقدية بالاتجاه الذي يعيد للحالة الاقتصادية توازنها. وعند غياب دور الدولة بسلطاتها النقدية، يحصل الركود الاقتصادي، ومع طول فترته يصبح الاقتصاد الوطني مصاباً بحالة الكساد، كما هو حاصل في اليمن حالياً.
• تراكم البضائع دون وجود مشترين، وبالتالي تتكدس أحجام كبيرة من المنتجات في مخازن المنشآت الإنتاجية، الأمر الذي يعني حالة ركود أو كساد اقتصادي.
• اتخاذ سياسات نقدية أو مالية خاطئة، مثل رفع سعر الفائدة بصورة مبالغ بها أو فرض قيود تجارية شديدة في وقت يكون الاقتصاد بحاجة للتحفيز، وبالتالي حدوث الركود ثم الكساد.
ثالثاً: آثار التضخم والكساد:
في حالة التضخم، يحدث ما يلي:
• انخفاض القدرة الشرائية للمواطنين، مما يؤدي إلى احتياجهم للمزيد من الأموال لشراء نفس الكميات من السلع والخدمات التي كانوا يحصلون عليها.
• تآكل قيم المدخرات، أي نقص القيمة الحقيقية للمدخرات، الأمر الذي يدفع بالمودعين لسحب مدخراتهم من البنوك وتخزينها في البيوت، وبالتالي تراجع القدرة الائتمانية للبنوك، وتراجع حركة الاستثمار، وانخفاض القيمة الحقيقية للناتج المحلي الإجمالي، بما يعني تدهور الوضع الاقتصادي والإنساني، كما قد يؤدي ذلك إلى أزمة في السيولة النقدية بسبب خروج الودائع والمدخرات من الجهاز المصرفي وتكديسها في البيوت ومحلات العمل، مثال أزمة السيولة النقدية القائمة حالياً في اليمن.
• تراجع في الاستثمارات طويلة المدى، إذ إن حالة التضخم تؤدي إلى حالة عدم اليقين الاقتصادي بالمستقبل، وبالتالي تدهور الأوضاع الاقتصادية، وقد تصل لحالة الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي تعيشها اليمن حالياً.
بينما تؤدي حالة الكساد إلى الآثار التالية:
• إفلاس الشركات نظراً لتراجع الإنتاج وانعدام السيولة.
• ارتفاع معدلات البطالة بسبب فقدان العاملين لوظائفهم وتراجع فرص العمل الجديدة لجمود حالة الاستثمار، وبالتالي حدوث الأزمات الاجتماعية.
• فقدان الثقة بالعملة الوطنية والنظام المصرفي، كما يحصل في اليمن في وقتنا الحاضر.
رابعاً: السياسات النقدية والمالية الممكن الأخذ بها لمواجهة حالتي التضخم والكساد، يمكن إيجازها بالآتي:
• لمواجهة التضخم: يمكن العمل بالسياسات التالية:
تنفيذ حزمة من السياسات النقدية والمالية المقيدة، من أبرزها: رفع سعر الفائدة، تقليل الإنفاق الحكومي، زيادة الضرائب، وزيادة عرض السلع والخدمات (زيادة معدلات الإنتاج).
بالنسبة لليمن، فإن رفع سعر الفائدة غير مجدٍ نظراً لانهيار الجهازين المالي والمصرفي، كما أنه غير ممكن زيادة الضرائب لانتشار الفساد ووجود حالة الانهيار الاقتصادي والإنساني، ويمكن فقط العمل على: تقليل الإنفاق الحكومي وزيادة عرض السلع والخدمات.
وفي حالة اليمن أيضاً نؤكد على ضرورة العمل بالآتي: استمرار سياسات التعافي لسعر صرف العملة الوطنية من خلال التخفيض التدريجي لسعر صرف الريال السعودي مقابل الريال اليمني، ومواجهة الجبايات بكل أشكالها وأنواعها، الأمر الذي سوف يسرّع بتراجع التضخم الاقتصادي.
• لمواجهة الكساد: يمكن العمل بالسياسات التالية:
تنفيذ حزمة من السياسات النقدية والمالية التحفيزية، من أبرزها: زيادة الإنفاق الحكومي، خفض الضرائب، وخفض أسعار الفائدة.
إلا أنه في حالة اليمن غير ممكن العمل بهذه السياسات نظراً لانفلات مؤسسات الدولة ووجود إنفاق ترفي ليس له نظير في أي دولة في العالم، كما أن خفض الضرائب غير ممكن، فنسبة ما يُحصّل من الطاقة الضريبية لخزينة الدولة يُقدّر بحوالي 15% فقط من إجمالي الطاقة الضريبية، وبالتالي فإن ما ينبغي عمله في هذا الجانب هو إصلاح الأوعية الإيرادية للدولة ومواجهة الفساد فيها ورفع نسبة التحصيل والتوريد لخزينة الدولة بطاقتها الضريبية المبينة بالقانون المالي.
وبالنسبة لسعر الفائدة، فغير مجدٍ تحريكها نظراً لحالة انهيار الجهاز المصرفي، كما أشرنا سابقاً، حتى يتم تعافي العملة الوطنية وإنهاء انقسامها واستعادة الجهاز المصرفي اليمني لعافيته.

