آخر الأخبار

spot_img

عبدالرحمن وروايته مدن الملح: الأخدود (2-3)

“صحيفة الثوري” – (ثقافة):

عبدالباري طاهر

ويتعلق السَّرد بانتقال حَمَّاد إلى دار الإمارة، وسفره إلى أمريكا، والرسائل التي كان يبعثها للحكيم ولمطيع، ومدى إعجابه بأمريكا، وَالحَفَاوة التي لَقَوهَا، وعلاجه أثناء مرضه.

صَاحَبَ عَودةَ حَمَّاد من أمريكا الكثير من الاحتفالات، واستقبله الملك، وَسَألهُ عِدَّة أسئلة.

وَاستاءَ المَلِك من سُؤَال الأمريكان عن إخوته، وترتيبهم، مَعَ خَوفٍ مِنْ دعوتهم.

وَفَهِمَ حَمَّاد أنَّ الرسائلَ التي بعثها للحكيم ولمطيع قد اطلع عليها الملك. كَانَ لزيارة أمريكا تأثير كبير عليه؛ فقد تغيرت مواعيد العمل، وَأصبحَ الليل مُهِمًّا لعمله. وَعَرفَ أنَّ الأمريكان يعرفون عَنهُ كُلَّ شَيء، كَمَا يَعرفُونَ أيضا عن «مُورَان».

يتحدث الحكيم عن العلاقة بين مطيع وحَمَّاد؛ مُشِيدًا، وَمُعجَبًا بها.

في غِيَاب حَمَّاد غَرِقَ الحكيم في التفكير بِالشَّبكَة. ويقارن بين حُورَان وَمُورَان، ومزايا كُلٍّ مِنهُمَا، ورأى أن يَشتغِلَ بالجوكر: الإعلام، والأمن. وَتَقرَّرَ إصدار صحيفة.

سَافرَ مُطِيع مَرَّتين إلى القاهرة، وثلاث مرات إلى بيروت. وَبَعدَ أن قَضَى شُهُورًا من الاستعداد، اتفقَ في بيروت مَع عَددٍ مِنْ المُحَرِّرين الصحفيين والفنيين.

صَدَرَتْ الجريدة اليومية «البادية»، ثُمَّ تَلتهَا المجلة الأسبوعية «الوَاحَة».

تَأَّكَّدَ الحكيم أنَّ سلاح الإعلام لا يَقِلُّ أهميةً وَتَأثيرًا عن الأسلحة الفعلية التي تقتل وتدمر وتحقق أخيرًا النَّصر.

يَرَى الحكيم نَفسَهُ منذورًا لأمرٍ عَظيم: بناء دولة. ويتناول طريقة تعامله مع حَمَّاد. ويقرأ التبدلات التي شهدتها مُورَان منذ طلوع السلطان خزعل، وحتى الأمراء المعارضون غرقوا في التجارة، والأراضي، وتكديس الأموال.

ورأى أنَّ بناء الدولة يحتاج إلى فلسفة، وأنَّ دولة من غير فلسفة كسفينة من غير رُبَّان.

والفلسفة وَاضِحَة في رأسه. وبعد تَأملٍ وتفكير تَوَصَّلَ إلى «فلسفة المراكز الأربعة»، أو «نَظَريَّة المُربَّع»: العقل المجرد أو الحواس المجردة. المركز الثاني في القلب. المركز الثالث: المِعدَة، أمَّا المركز الرابع فَالطَّاقَة الجنسية.

ويفلسف الحكيم هذه المراكز بِقدرٍ من التفصيل، وضرب الأمثلة.

أَوكَلَ إليه السلطان تَرأس جماعات جهاز الأمن والسلامة. بَدأ السلطان يضيق من الاجتماعات الأسبوعية، ثُمَّ الشهرية؛ وحتى التقارير تُرفَع إليه يؤشر عليها ولا يقرأها.

ورغم الحالة غير الطيبة في التعامل مع مسئول المال: مالك الفريح الذي يعتمد الإعاقة، إلا أنَّ الحكيم لَجَأ إلى السلطان، وَحَصلَ على ما يريد: تمويل الصحف، أو جهاز الأمن، أو من أجل الهدايا، والإكراميات، ومصاريف خاصة.. وهكذا.

موران التي كانت تَغرَقُ في الرخاوة والتأمل والانتظار بدأت تنتفض، وتتغير، والأبنية تتواصل وتتسع، والأجانب يَصِلُون ويتكاثرون.

مدينة لا ترحم نفسها، ولا ترحم ساكنيها.. مجموعة من الأنقاض تتزايد كُلَّ يوم، والناس يتطلعون حولهم بحيرةٍ أو تَشَفٍّ، لكن برغبة وَحِيدة أيضًا أن يخلصوا من هذا الذي يجري.

وَلأنَّ الحكيم يرى موران أيضًا على مُصَوَّرَات المهندسين المليئة بالعذوبة والشفافية، والمليئة بالأشجار أيضًا= فإنَّهُ لا يرى الشقاء والعذاب الذي ينزل بالناس حوله؛ وَلذلكَ وَجَّهَ اهتمامًا مُتزايِدًا إلى شيئين اثنين: الأراضي، والفكر.

النَّهَار كُلُّهُ مشغول بشراء الأراضي، أمَّا المساء فمهجوس بفلسفة المُربَّع. وحقيقة الأمر بَدَأ الانتقاد والغضب يتزايد في صفوف الأهالي.

وَنَقلَ إليه أبو مصباح أنَّ السُّلطَان عَيَّنَ إلى جانبه سِكرتيرًا لا يتوافق معه. وبدأ الهجوم عليه من داخل القصر. فالسلطان بدأ يفتح عينيه، ولا يمنح ثِقته لأحدٍ خارج الأسرة.

مطيع (أبو مصباح) أضمَرَ في سِرِّهِ إن صلحت الأمور، وإلا ترك البلاد.

بدأ الحكيم يوقف عمله في النظرية، وبدأ يشعر بخيبة الأمل، ويشعر بخطورة أكثر بعد تعيين السلطان سِكرتيرًا جَديدًا له دون استشارته، وتعيين مؤيد الدَّقَّاق طَبيبًا للقصر، ولكنه قرر ألا يعتبره خَصمًا، وَصَمَّمَ بِعِنَاد الأطفال على اعتبارهِ صَديقًا.

في لقاء لرجل الدين ابن شاهين العدو اللدود للعجرمي- عدو الحكيم- مَعَ السلطان؛ طلب الحكيم من السلطان فتح كلية شريعة يديرها ابن شاهين، وَأعطاهُ مُقويًا كَانَ طلبه منه قَبلًا.

وَلَم يَنتَهِ الخال وابن اخته من مناقشات عقيمة أو خلافات كلامية، وانصرفا إلى تخطيط صور، وَاعَتمدا خِطةً متشعبة كأنها شبكة عنكبوت. فإذا أفلتَ العيساوي من خيط؛ فَلا بُدَّ أن يشتبك بِخَيطٍ آخر، وَلا بُدَّ أن يقع.

لامَ الحكيم نفسه أنه لا يعرف النَّاس بالقدر الكافي؛ مُدركًا أنَّ موران ينتظرها مستقبل كبير.

صَرفَ تفكيره إلى المزيد من تمجيد السُّلطَان. فكلية الشرعية تحولت إلى «كلية السُّلطَان خزعل للشريعة»، والشارع الرئيس الذي يربط المدينة بالمطار أصبح «شارع السُّلطان خزعل». وَبِناءً على اقتراح الحكيم أطلِقَ اسم السلطان على أماكنَ لا حَصرَ لها.

وَيُنَسِّق النَّشَاط مع ابن أخته مطيع؛ وبالأخص في الإعلام. جرى اختيار مكان جديد للجريدة والمجلة، وَسعَى «رَاتبْ» لِشِراءِ مطابع من ألمانيا، وَتَجاوزَ عمل المطابع إلى العمل التجاري.

والأمراء: إخوان السلطان وأقرباؤه، انصرفوا لتملك الأراضي، والاستيلاء على المؤسسات والشركات.

رَكَّزَ مطيع على إبراز صُورَة السلطان كُلَّ يوم، مع إبراز الأعمال الخيرية، والرياضية التي يقوم بها الأمراء.

وبدأت علاقات جديدة بين الحكيم والأمراء، وَاهتمَّ الحكيم بالهدايا للأمراء؛ وزوجته تهتم بهدايا نساء القصر بحسب توصية الحكيم.

سمير قصير أو «الأستاذ قياصر»؛ كما يُطلِق عليه الحكيم في بعض الأحايين على وجه الدُّعَابة= وَصَلَ إلى موران ضِمنَ مجموعة من الصحفيين الذين تعاقد معهم مطيع أثناء زيارته إلى القاهرة، أمَّا الذي رشحه واقترحه فهو «راتب».

قَدِمَتْ مُذكِّرَة من السفارة الأمريكية بعد عِدَّةِ شهور من صدور جريدة «البادية»؛ تضمنت الإشارة إلى ثلاث مقالات: اثنان موقعان بالاسم؛ سمير، والثالث بالأحرف الأولى، وأشير بخطوط حمراء إلى الفقرات التي اعتبرت خطرة.

وَقَدَّمَت السفارة معلومات إلى أنَّ سمير قَضَى عِدَّة سنوات في السجون المصرية لأسباب سياسية.

لم تكن الملاحظات كافية لترحيل سمير، وَوَقَفَ مطيع ضد الترحيل، وَأكَّدَ راتب أنَّ سمير طَلَّقَ ماضيه كله.

وَلاحِقًا أشادت السفارة بدور الصحافة في موران، وَغَدا سمير يكتب باليمين بَدلًا من اليسار.

وَصَلت إلى موران «أمُّ حُسنِي»، ومعها كِنَّتَاهَا، وخمسة أطفال. كَانَ وُصُولُهَا مُفاجِئًا لكثيرين.

بَعدَ حَفاوةَ الاستقبال من ابنيها: حُسني، وسعيد= عرفت أنَّ حسني يريد الاستقلال في بيتٍ خَاصّ؛ فَرَفَضَت، وَفَرضَت عَليهِمَا السكنَ مَعًا.

حَمَلتْ معها كميات كبيرة من التجارة التي كانت تتعاطاها في عَمَّان: اللبان، والحنة، وقمر الدين، والباميا اليابسة المشكوكة بخيوط، والملوخية المُجَفَّفَة، وعدد كبير من المكانس الناعمة والخشنة، وأغراض أخرى بسيطة اعتادت المتاجرة بها.

لَمَّحَت لابنها سعيد برغبتها في بيع بضاعتها. صَرَخَ: «أبوس رجلك يا حاجة».
استغربت رَدَّةَ الفعل.

قال لها: الناس ينظرون إليهم كتجار كِبَار، والحاجات الصغيرة لا تعنيهم.

لم تقتنع. وافقت، ولم تستسلم. واستطاعت أن تعرف طريقها.

حكاية زيارة أم حُسنِي للقصر، ووصفها القصر، ولنساء القصر قطعة فنية وأدبية رفيعة، وتختلف من الألف إلى الياء عن حكاية زوجة الحكيم.

تروي أمُّ حُسنِي أنها لم تكن رَاغِبةً في الزيارة؛ وذلك بعد دعوتها مِنْ قِبَل زوجة الحكيم. وكانت قلقة طوال الليل، وكان نومها كوابيس. وقد صَلَّتْ وَدَعَتْ، وقرأت الفنجان: هل تزور أم لا؟

وَلَكنَّ مجيء زوجة الحكيم التي تذكرت اسمها بعد النسيان، وإحراجها، وَأنَّ نساء القصر في انتظارهم، وأنهم قد تأخروا عن الموعد= جعلها تذهب مُحرَجَة؛ تُقدِّم رِجلًا، وتؤخر أخرى.

في حين أنَّ زوجة الحكيم تسرد مدى إلحاح أمُّ حُسنِي عليها؛ لزيارة القصر.

وكانت الخاتمة نسج علاقة حب بين أمِّ حُسني، والشيخة «أمّ زَهْوَة».

عَرَفَ سعيد بزيارة أمه إلى القصر، وَبَدأ استدراجها في الحديث عن البضاعة؛ فأخرجتها وَوَضَعتهَا أمامه؛ فَعَرضَ عليها دَفعَ الثَّمَن مُضَاعَفًا بشرط أن تقدمها كهدية لنساء القصر، ولكنها لم تَرضَ.

سَرَدَتْ وضعها بعد فراق والدهم، وسهرها على تربيتهم، والمعاناة التي مَرَّت بها لتوفير لقمة الخبز لهم، ومكابدتها في الأعياد لشراء الملابس والأحذية، وسهر الليل والنهار لتأمين حياتهم.

طَمأنَها ابنها سعيد بِأنَّ كُلَّ ما يعمله هو لتوفير كُلِّ ما تحتاجه؛ حتى شَربَة الماء لا بدَّ أن تَصلَ إليها.

واجهت أمُّ حُسْنِي بعض الصعوبات في العلاقة مع أمي زهوة: اللهجة، صُعُوبَة التفاهم، وَالتَّسمِيَة المناسبة للتخاطب معها. وَكانت زوجة الحكيم تقوم بدور المترجم في البداية، وَتَلجأ للإشارات.

فَكَّرَت في فنجان القهوة، ودعوة نِسَاء القصر، كما فَكَّرَت في أن تعرض عليهم أشياءَ ليست للبيع.

فكرت بأن تُعِدَّ القهرة بِقدرٍ من المهارة، مع ضبط البهارات، وَكَانَت تَودُّ أن تدعو نساء القصر لبيتها، لكن الدعوة كانت سابقة لأوانها، كَمَا تَردَّدَتْ كَثيرًا في أخذ أشياء إلى القصر لبيعها..

«أمي زهوة عندي طَلَب، وأريدك ما تردي طلبي.. رَاحْ أعَمَلْ قَهوَة، وأريدك تشربي منها».

هَروَلَت مِثلَ قِطَّة إلى الحَوشْ؛ حيث النَّار، وَدِلال القهوة. وهل يمكن لهذه القهوة أن تكون جِسرًا كَمَا كانت في أماكن أخرى؟
تَسَاءَلَت: «الفِنجَان الصغير كَافٍ لاصطياد أيِّ امرأة».

أول الفناجين للشيخة.. لَوَّحَت لِلنِّسَاء بأسرار قِرَاءة الكَفِّ، وَرَغِبَتْ كُلُّ وَاحدةٍ منهن أن تَقرأَ كَفَّهَا بَعيدًا عن الأخريات؛ حتى الشَّيخَة كانت ترغب في القراءة، لكن دون سماع الأخريات.

فَرِحَ سَعيد بزيارتها للقصر؛ مُؤكِّدًا على طلبه بتقديم ما لديها كهدية للشيخة.

في وَقتٍ مُتأخِّر، ومع فناجين القهوة، بدأت أمُّ حُسنِي تَحمِل إلى القصر البخور، وَمَاء الزَّهر، وَالحِنَّا، وَحَملت عَدَدًا من الأطواق والسبحات، وثلاث قطع من الحرير الأسود، وخمس زجاجات من الكالونيا، وثلاثين خطة بوال أصلي.

كانت أولى الهدايا التي حَمَلتهَا إلى القصر- إلى الشيخة بالذات- سُجَّادَة صلاة؛ في مقدمتها بوصلة تُحدِّد اتجاه القبلة؛ أثارت في القصر الشَّيءَ الكَثير.

أدرَكَتْ أمُّ حُسْنِي خُبثَ طَويةَ الشيخة وجبروتها، وَحَدَّدَت أسلوب التعامل معها، وَأثَّرَت عليها..

قَالَتْ عديلة: «جَاء مَنْ سَحَرهَا، وَأبطَلَ سِحرَهَا».

وَاستَطَاعَت قَارِئَة الفِنجَان، وصاحبة الأدوية الشَّعبيَّة أن تحتل مكانةً عند نِسَاء القصر؛ بحيث أنهم لا يستطيعون الاستغناء عنها.

زَارَتْ الشيخة أم زهوة مع عبدتها تهاني مَنزِلَ أمِّ حُسْنِي، وَرَافقَ الزيارة تَجمُّعَ أطفال الحارة.

لَمْ تَكُنْ الزيارة هادئة كما أرادتها الشيخة، حتى تتمكن من قراءة الفنجان على انفراد؛ كَمَا كَانت ترغب.

وَخَلَقَتْ الزيارة المرتبكة أجواءً غَيرَ طَيبة في منزل أمِّ حُسْنِي. مَرِضَت أمَّ حسني، وَتَوتَّرت علاقتها بِكنَّتِهَا.

اختلفَ حُسنِي وسعيد. فَحُسنِي ضد العلاقة مع القصر، ويرى فِيهَا شَرًّا مُستطيرًا، بَينمَا يقرأ فيها سعيد بوابة للاغتناء وَفَتح أبواب الرزق، ووقفت العجوز حَائرةً تدعو أبناءها: «طولوا بالكم».

دُونَ تَردُّد، وبلا انتظار، قَرَّرَتْ أمُّ حسني أن تهجر موران. يجب أن تفعل.. إلى أين؟ وإلى متى؟

المهم أن تغادر.. سَتبقى بَعيدةً إلى أن تشفى، وَعندَمَا تعود مَرةً أخرى سَوفَ تعرف كيف تكون مختلفة عن السَّابِق.

الشيخة زهوة لم تعد تعني لَهَا شَيئًا.. وتتساءل: «أيُّ نوع هُنَّ نساء القصر؟ لا تُحرِكُهُنَّ سِوَى الأحقاد، والرغبات الصغيرة.. وَكُلّ واحدة لا تريد غيرها أن يعرف ما يقول الفنجان».

هَاجَرَتْ إلى المدينة.. زَارت قَبرَ الرسول، واستعادت صحتها، وَبَدَأتْ تُفَكِّر في حياتها وتجارتها، وتلوم نفسها في المساواة بين الفقراء والأغنياء.

تَذَكَّرَت أمي زَهوَة.. ماذا تريد هذه العجوز؟ أو كيف تفكر؟ ولماذا هي حازمة قاسية مع الآخرين، ومعها هادئة مُقْبِلَة؛ وَكَأنَّها طفلة؟

ولماذا تتحول إلى أذن كبيرة شديدةِ التحفز لالتقاط كُلِّ كلمة تقولها لها؟.

اصطحبها ابنها سعيد إلى الحَجِّ، وَعَادَ بها إلى موران. وعندما سألته عن القصر: قال لها: «القصر لا يتذكر إلا الناس اللي بوجهه يَا حَجَّة».

وبعد قليل، وَهُوَ يَهُزُّ رأسه: «بعد سفرك بأسبوع.. أسبوعين، سألوا، لكن بعدها نَسُوا كُلَّ شيء».

وَعَادَتْ إلى موران، فَوَجَدتْ كُلَّ شيء قد تَغيَّرَ. فحسني وسعيد مختلفان، والكنتان كُلُّ وَاحِدةٍ لحالها. الصغار متباعدون بالفرض.

زَادَ ندمُهَا. فشلت كُلَّ محاولاتها لِجَمع الشَّمل، أو حتى جمع الأطفال. بَدَأتْ أمُّ حُسْنِي تُفكِّر مُجدَّدًا في السفر، وتعوض عنه بالخروج يَومًا للسير في الحارات، بينما ابنها حسني يُقْسِم عليها باليمين أنَّهَا لو ذهبت إلى القصر؛ فلن ترى وَجهَهُ مَرةً ثَانية. وتتابع زوجته باهتمام لمعرفة أيَّةَ زيارة للقصر؛ لِتَفرضَ على حُسْنِي الخروج من السَّكن المشترك.

الحصار المفروض على أمِّ حُسنِي في المنزل دَفَعهَا إلى قبول زيارة الشيخة.

بعد وصول سيارة الشيخة ماتت تهاني العبدة وسرور في ظروف غامضة؛ بعد أن أعطاه الحكيم إبرة ودواء، وَزَارَهُ الملك ليموت في نفس اليوم.

وَيُقَال: إنَّ سرور أصابته حُمَّى وَهَذَى. وهَذِهِ هِيَ المشكلة. وقد تَغيَّرَ حال الشيخة، وتبدلت النظرة إليها. فكانت محتاجة لزيارة أمُّ حُسنِيْ.

كانت زيارتها للقصر قَصيرة، وَتَواعَدت مع الشيخة لزيارة أخرى. أرسلت إليها الشيخة عباءتين، وغزالًا، وَبَلحًا.

غَضِبَ حُسْنِيْ، وَعَاتبَ أمَّه، وَغَادرَ المنزل؛ رُغم محاولات سعيد إثناءه.

مَرِضَت أم حُسنِي من جَديد. بعد مغادرة حسني المنزل، رفضت التداوي، وَأصرَّت على السَّفَر.

حاول سعيد إقناعها بِأنَّ الحالة بسيطة، ولكنها أصرت: «لا أريد أن أموت هنا».

كان كُلُّ هَمِّهَا السفر إلى الشام، ومغادرة المدينة المعلونة -مدينة الفجيعة، والسحرة والعاطلين؛ كَمَا تَصِفُهَا.

زَارَهَا حُسنِيْ طاَلبًا رِضَاهَا وَمُسَامَحتِهَا. كانت تشعر أنها وحيدة. ولم يفهمها أحد.

اعتَذَرَ الحكيم عن معالجتها؛ لأنه لم يعد يعالج، وَانتَدبَ طَبيبًا لمعالجتها.

قالت أديبة لسائق القصر: قُل للشيخة: «أعطتك عمرها ماتت.. نعم ماتت.. الله يرحمها».

قال سعيد لزوجته بعد أسبوعين من الوفاة: دَائمًا عيني كانت على البقجة.. كنت خائف من كبرها.. كنت متصورها من جملة التجارة، وَأبدًا ما تصورت أنها كفن.

قبل أن يقف جويبر الضويحي مُنادِي موران تلك الجمعة عند باب المسجد، ويبلغ الخارجين من الصلاة أنَّ «سُوق الحلال» سينقل إلى العوالي، وعلى الحاضر أن يبلغ الغائب.

قبل هذا وَقَعتْ أمور عديدة. فالحكيم الذي غَابَ عن ذاكرة الكثيرين، وَكَادَ يُنسَى؛ حتى شمران كاد ينساه، أو بالأحرى لا يتذكره، إلا كَمَا يتذكر مَرضًا قَديمًا.

قامَ الحكيم بزيارة إلى سوق الحلال؛ جاء قبل ثلاثة أسابيع من قرار نقل السوق. ترك سَيارته بًعيدًا، وَنَزلَ مع ثلاثة من رجال القصر، وَتَوجَّهَ إلى المسجد، وبقي فَترةً غير قصيرة.

قَطعَ السُّوق من أوله إلى آخره.. وقال شمران الذي ظَلَّ يراقبه: «ماهي كُل صلاة صلاة يا جماعة الخير.. هذه الصلاة ماهي لله».

بعد بضعة أيام زَارَ السُّوق الأمير ميزر، وَجَاءَ مَرةً أخرى مع الأميرين: فواز، وملجم.

يذكر صالح وشمران زيارات خريبط، وما كان يَعِدُ به أهل السُّوق، ويصفهم بأهل الوفاء والنشامة. وكيف تغير الحال بعد استلام السُّلطَة.

نَقل السُّوق شَكَّلَ صَدمةً، وبالأخص على شمران وصالح.

شمران مُحِبٌّ للخيل، ويرى أنَّ السلطان ظالم حتى لو عدل. فهو يُحُبُّ المُلكَ أكثر من حُبِّهِ للرعية، وَيُحُبَّ نفسه أكثرَ مِمَّا يُحبُّ ربه.

لم يورث شمران لأبنائه الخيل بعد أن صدمت سيارة ابن مهيد فرسيه؛ بتحريض من السلطان.

وَعَوَّضَ بن مهيد بَدَلَ سَيارتهِ المحترقة ثلاث سيارات. وَقَال: إنَّ صَدمَةَ الفَرسين كَانَت قَضَاءً وَقَدرًا.

وَرَّثَ لأبنائه الأربعة غير الخيل: نَمِرَ العلم. فقد تعلم القراءة والكتابة، وأتقن كتابة فن الرسائل، وَكَانَ مُهتمًّا بالسياسة.

أمَّا بندر، فلم يُمسِك قَلمًا، ولكنه مَهَرَ في إصلاح الآلات والكهرباء.

كَمَا أنَّ نجم -الابن الثالث، افتتح «مكتبة أبي ذر». زار القاهرة وبيروت، واستغرقت الزيارة ثلاثة أشهر.. اشترى خلالها كميات كبيرة من الكتب.

تَوقَّعَ كثير الخسارة، وَأنَّ المكتبة لن تستمر أكثر من عام. فموران لا تعرف غير الأكل والشرب والبناء والذهب؛ غير مُدركِينَ أنَّ موران بدأت تتكون دون أن يحسَّ بها أحد؛ مَا جَعَل المكتبة تستمر وتتسع، وافتتحت مكتبة جديدة هي «الإنصاف».

وانضمَّ نمر إلى المكتبة، وَكَانَ يطمح أن يحل مَحَلَّ مطيع في الصحيفة. أمَّا صالح أصغر إخوانه، فقد تربى مع أبيه في سوق الحلال، وَأصبحَ فَارِسًا وَسَائسًا أول الأمر.

لو تركوا لشمران خيوله وأرضه؛ لعرفوا كيف يتفاهمون معه، أو على الأقل يَتَجنبونَ كلامه.