آخر الأخبار

spot_img

كيف فقدنا الشعور بالزمن؟

صحيفة الثوري – كتابات

بليغ السامعي

سنة وراء سنة.. لا شيء أسرع من أعمارنا. تمضي الحياة بلا اكتراث دون أن تمنحنا فسحة لجدولة مآسينا وكتابة مخاوفنا. ما نحن عليه الآن هو ما كنا عليه قبل عام وخمسة وعشرة أعوام. لا نزال نرواح في نفس المكان، في نفس الوضع والتعقيد والبرنامج المشوش، كأننا إذ نتقدم بالعمر إنما نتوغل نحو فخ، نحو مزيد من البؤس، كأن الحياة في الأصل معاناة دائمة وحادث غير مريح.

أفكر بصوت مرتفع. أتحدث عن نفسي دون محاذير، عن حياتي الشخصية التي ليس فيها شيء مميز، وعندما أفعل ذلك تطوف في البال عشرات الأسماء من أبناء جيلي وتجاربهم واحباطاتهم، وإذا قررنا توسيع الدائرة سنجد أن نحو 70% تقريباً من أفراد هذا الجيل على درجة كبيرة من التشابه، وبات الشعور بالاحباط هو السائد، الاحباط من عدم إنجاز شيء مهم يستحق الذكر، والشعور بالانفصال وتداعي الذات وأننا غير مرغوب بهم. حيوات تبحث عن خلاص.

أتحدث عن جيل التسعينات. هذا الجيل الذي أنتمي إليه مهدور ومتضرر، وملاحق بشبح الإحساس بالضياع. إنهم حالمون ولديهم طموح مفرط، يعملون فوق طاقتهم وينهب العمل حياتهم دون تحقيق قيمة أو فائدة مرجوة. عاطلون بدوام كامل، لكنهم لا يحصلون على فسحة للراحة. ذلك النوع من الاحتدام الشرس في حياة تتطلب عراك يومي كي تقف على قدميك.

بالتأكيد ليس جميع أفراد هذ الجيل على مسافة واحدة، إذ تختلف تجاربهم وتفاعلاتهم بناء على الموقع السياسي والثقافي والاجتماعي، لكننا نتحدث عن الفقراء، عن أبناء الطبقات الشعبية والذين يشكلون الغالبية من سكان البلدان الفقيرة كما هو الحال في اليمن. هؤلاء يظلون محكومون بظروفهم الاقتصادية البائسة، يكابدون دون توقف لأجل البحث عن معنى لحياتهم ولفت الانتباه والخروج من الهامش، لكن كمن يحرث في بحر، ويمكن ملاحظتهم في معدلات البطالة والعزوف عن التعليم وقوائم التجنيد في جبهات القتال، وفيما سينكفئ البعض على أنفسهم لجأ آخرون ممن حالفهم الحظ أو الصدفة للنزوح والسفر بحثاً عن حياة لائقة، ومن لم يستطيع التصالح مع الحياة التي فرضت عليه أنتهى به المطاف إلى الجنون أو إلى وضع حدا لحياته.

أحاول أن أجيب عن سؤال يردد على نطاق واسع: لماذا نحن جيل تائه وعلى قدر كبير من الشتات والاحباط؟ ولماذا توجب علينا العيش وسط هذا الخراب والأذى بدون مبرر؟ ولماذا تظل تعصف بنا الأزمات ولا يهتم لأمرنا أحد؟ وهل أفسدنا العالم أم نحن من أفسدناه؟

من أفسد الآخر: نحن أم العالم؟

إحدى الاطراءات الشائعة، تعتبر جيل التسعينات والألفية، مميزين كونهم ولدوا ورافقوا نقطة انطلاق التحول الكبير المتمثل بالانفجار التكنولوجي والتقني الهائل. هذا صحيح، لكن بمقدار أقل مما رافقه وعايشه من الانتكاسات والفوضى والهزائم. كواحد من أفراد هذا الجيل، فإن الأمر يبعث على الأسى والاستفزاز.

مهاراتي الرقمية متواضعة، وأمتلك هاتفاً أقل من المتوسط، ليس لدي لابتوب، وأجد صعوبة في الوصول الى الانترنت، ويبدو أن كل شيء يقودنا لمشكلة أساسية تسمى الظروف المادية، لكن كيف عمل العالم على إفسادنا؟

في زمن مضى، قبل أن يصبح العالم قرية صغيرة، كانت الحياة رائعة، واقعية وطبيعية. ومثل أي قرية بعيدة في بلد تصل إليه إبهارات العالم متأخرة دائماً، وصلت التكنولوجيا وعناصرها بطيئة وتدريجية لقريتنا. كانت حكايات الجدات وألعاب الطفولة هي الوسيلة الوحيدة للتسلية، وكان العالم في أبعد مداه هو الأفق حيث تلتقي السماء بالأرض، وما تخبرنا به خرائط كتب المدرسة عن بلدان وشعوب وعالم لا نعرفه ولسنا مهتمين بمعرفته. عندما كان الحب عبارة عن حروف تكتب على ورق الدفاتر وأصوات تسجل على أشرطة “الكاسيت”، وكان الراديو والصحف والمجلات المصدر الوحيد لقراءة وسماع نشرة الأخبار والمباريات والأغاني، جاء التلفزيون كعلامة متقدمة للسحر فاعتقدنا أن العالم وصل إلى نهايته وسينتهي قريباً، وكنا نقطع المسافات سيراً على الأقدام لمشاهدة قصص ومسلسلات طفولتنا ونعيش مع أبطالنا ونحاكي أصواتهم وحركاتهم. أما اليوم فقد سُلبنا كل شيء.

فُرضت التكنولوجيا على حياتنا وسنوليها اهتماماً كبيراً، ثم وقد أصبح الواقع الفعلي متعذراً يوماً بعد يوم، وجدنا في التكنولوجيا وأدواتها الذكية ملاذاً آمناً وعزاء لا يوفره الواقع المرير، وحيث أصبحنا نقضي معظم أوقاتنا وتتسرب حياتنا دون أن نعرف ماذا نريد بالضبط.

شهد هذا الجيل سلسلة من الأحداث والتغييرات ألقت بظلالها على حياته وأفقدته الشعور بالزمن. كانت البداية بالانفجار التكنولوجي وما رافقه من هزات نفسية إثر الانتقال المفاجئ بين عالمين واقعي ومفترض. وما تلا هذا من من تحولات سياسية وأحداث وحروب وصراعات هنا وهناك على مستوى العالم أجمع دون توقف. أوبئة وأمراض وكوارث وأزمات اقتصادية وحركات ارهابية عابرة للقارات، وثورات وغير ذلك من الأحداث التي أدت إلى انهيار بلدان وشعوب مع الأخذ بالاعتبار التفاوت من بلد وآخر. كل هذا قلب حياة هذا الجيل رأساً على عقب.

يمنياً، ثمة أسباب وجيهة للحديث عن جيل التسعينات. نشأ هذا الجيل في فترات انحطاط وأزمات وحُمِّل عادات وتقاليد وظروف قاسية، فإلى جانب المشكلة الدائمة في النظام الاجتماعي والاقتصادي، وغياب الفرص وعدم توفير أدنى متطلبات العيش الكريم، وبالإضافة إلى الأحداث والتغيرات على الصعيدين العالمي والإقليمي، شهد هذا الجيل أحداثاً خاصة به، وساهم هذا التضافر في توجيه ضربات قاسية في صميم حياتنا.

جرد سريع لهذه الأحداث. بدأ العقد بحدث تاريخي وتحول كبير تمثل بتحقيق الوحدة بين الشطر الشمالي والشطر الجنوبي (1990)، وبعد أربع سنوات انشطرت البلاد من جديد واستعرت حرب بين الشطرين انتهت بعودة نظام الشطر الواحد غير أن الحرب لم تنته تماماً إذ تركت سجلا ثقيلا من الدم والنهب والمظالم والضغينة وجرج لا يندمل وستظل عقدة أمام كل تطلع لمستقبل مشرق. فالذاكرة لا تنسى والمظالم لا تنتهي بالتقادم. وخلال العقد الأول من الألفية وإن كان هناك هامش من الاستقرار، لكن ظلت تتكرر مفردات ومصطلحات مثل الإرهاب والقاعدة، وحروب صعدة الست ضد الحوثيين (2004 – 2009)، تلى ذلك اندلاع ثورة فبراير 2011، ثم جاءت الضربة القاتلة مع تفاقم الصراع في سبتمبر 2014 وسقوط الدولة بيد جماعة الحوثيين ثم إندلاع الحرب على نحو شامل في مارس 2015.

شهدنا اقتحام المدن مدينة تلو أخرى، شهدنا الطائرات وجحيمها، شهدنا كل الفظائع من قتل وتدمير وخوف وترويع وهدر الحياة وكرامة الإنسان. شهدنا قصف المدارس وفراغها من الأطفال، وهدم كل ما ناضل الناس من أجله لسنوات طويلة وسالت دمائهم كأنهار لأجل التحرر والحياة الكريمة. شهدنا لحظة الانهيار العظيم لضياعنا وضياع بلدنا ومستقبلنا.

نتجت عن هذه الأحداث صدمة جيلية انعكست بشكل لافت على طريقة التفكير والسلوك والتوجهات والنظر للحياة والعالم، وأصبح أفراد هذا الجيل يعبرون عن أنفسهم بطرق متشابهة، ويتشاركون بوعي جيلي حول إدراكهم للمخاطر والحاجة إلى الاستقرار والتعايش والعدالة الاجتماعية. الأمر الأهم والضرر الأهم هو أن هذه الأحداث عصفت بجيل التسعينات منذ الطفولة، وكانت أشدها ضراوة حين بلغ مرحلة” “التكوين الذاتي” و”البحث عن الهوية”، مما تسبب بكسرهم وتحطيمهم.

أصبح هذا الجيل في مهب الأذى، وعرضة للعزلة والاكتئاب وكل المشاعر السلبية، وهذه لم تعد مجرد نغمات أو تقليعات تصدر يومياً عن أذهان مولعة بالخراب بل واقع يعاش كل يوم. يحدث هذا أمام أنظار العالم الذي كان متورطاً ومتواطئًا بحدوثه. هكذا أفسدنا العالم، وسلبنا حياتنا، بالتكنولوجيا أولاً، ثم بالحروب والأزمات.

جيل متعب وضائع

أبحث عن معايير أكثر قابلية ترسم حدود جيل التسعينات. يقول كارلسون، عالم الاجتماع في جامعة ولاية فلوريدا: “إن تحديد الفوارق المهمة لفصل الأجيال هو فن أكثر من كونه علماً”. في اليمن، نطلق على أولئك الذين فجروا ثورة سبتمبر 1962 وأسسوا النظام الجمهوري “جيل الأباء المؤسسون”، ويطلق مواليد الثمانينات على أنفسهم “الجيل الذهبي” كونهم حصدوا ثمرة هذا النظام، أما نحن جيل التسعينات فإننا “الجيل المتعب”.

في أوروبا، أطلق على جيل ما بعد الحرب العالمية الأولى “الجيل الضائع”، وهو الأسم الذي يعكس التجربة النفسية الجماعية لذلك الجيل. شهد هذا الجيل فظائع وأهوال الحرب وتداعياتها المأساوية وفقد الإيمان بالقيم والأمل وشعروا بالضياع.

كان الروائي الأمريكي إرنست همنجواي أديباً مهماً في حياة الجيل الضائع، تدور أحداث روايته “الشمس تشرق” عن مجموعة من الأمريكيين والبريطانيين الذين يعيشون بين فرنسا واسبانيا بلا معنى وبلا هدف وهم يمثلون أفراد الجيل الضائع.

نشرت رواية “الشمس تشرق أيضا” بعد خمسة أعوام من الحرب العالمية الأولى (1918 – 1914)، الحرب التي أصبح همنجواي ورفاقه كتّاب الجيل الضائع يتذكرونها كأحداث هزت البيوت والطرقات، وأصبحوا يكتبون عن تداعياتها، أي عن الحرب التي “كانت”.

وخلافاً لهمنجواي ورفاقه، نحن لا نتذكر الحرب، نحن ما نزال نعيش الحرب. فقدنا الثقة بأنفسنا والمجتمع والتعليم والمستقبل، فقدنا الأمل والإيمان بكل شيء كان يعني لنا شيئاً، وفي مجتمع كان فيه الإيمان بالله ذات يوم حجر الزاوية، أصبح التجديف والهرطقات أمراً شائعاً بل ومقبولاً، وأصبحنا نعرف على نطاق واسع أن “الله مات”.

هذا المزيج من اليأس وفقدان الثقة، وكما في كل الأوقات العصيبة عندما يسود الجنون والغباء، والقهر واليأس، حمل الكثير من أفراد هذا الجيل على التصرف على الضد من مصالحهم، وإطلاق شرارات غضبهم في كل اتجاه، بما في ذلك نحو السماء مدينين إياها على التخلي عنهم.

ففي خلال سنوات الحرب اهتزت القيم والمسلمات، وظهر أشخاصاً يدعون النبوءة بلا وحي أو علامات لكنهم حضوا بأتباع افتراضيين تصفق لهم من متتبعي الفكاهة والمزاح الفسبوكي وهم في الأصل يغافلون المآسي والمصائب التي تحيط بهم من كل صوب، كما ستظل تدور النقاشات وتقام المناظرات حول الدين والله والوجود والإيمان والإلحاد، ولا غرابة أن تجذب هذه القضايا الآلاف من الشباب، في حين أن الحقيقة هي أننا فقط نريد أن نعيش.

فشل الحماية

كانت ثورة فبراير ٢٠١١، الضامن والوعد بحياة ومستقبل أفضل، وتزامن اندلاعها في وقت يفترض أن يكون هذا الجيل يتلمس طريقه نحو المستقبل وتكوين ذاته المستقلة. كأن الثورة كانت بالأصل لأجلهم. وكان أول من تحمس وتظاهر هم شباب خرجوا من جامعة صنعاء حالمين وملامحهم تنضح بالأمل. لقد أعادت لهم الثورة الثقة بأنفسهم وأن حياتهم بات لها معنى ولم تعد ضرباً من العبث.

فشلت الثورة، تضافرت عوامل عدة على إفشالها قبل أن تشتعل حرباً بلا نهاية التهمت الأحلام العزيزة وكل ما هو جميل، يبدأ اليأس بالتسرب وتقديم أسبابه المحبطة.

صحيح أن الحرب أثرت على جميع الأجيال والناس، ودخلت إلى كل بيت على شكل خراب وفقدانات وقهر وجوع وخذلان وشتات. لكني أفكر ماذا لو كنت من جيل الثمانينات مثلا لا التسعينات؟ هل كنت لأحظى بحياة أفضل؟ حياة على قدر من الاستقرار والرضا وتقدير الذات؟ ربما، لكن ليس تماماً.

ولكي لا يكون اللوم هنا مجرد انفعال عاطفي أو هروب من المسؤولية دون تقديم تبرير منطقي فقد اندلعت ثورة فبراير في وقت يفترض كان فيه الجيل السابق، الثمانينات تحديداً، يمتلكون من أدوات وعناصر القوة والقدرة على الاستقرار الذاتي وتجاوزهم مرحلة التكوين وأسئلة قلق المستقبل في مرحلة مبكرة إضافة إلى الخبرة المتراكمة، كان كافياً لضبط البوصلة وإحداث الفارق لصالح الثورة، فمن يمتلك الأدوات والقدرة يقع على عاتقه حماية الوعود التي أطلقتها اللحظة التاريخية. لذلك منبع الفشل هنا هو خذلان وإخلال بواجب الحماية تجاه جيل كان لا يزال في طور التكوين وغير مسلح بالخبرة الكافية لمواجهة تحالفات معقدة ونتائج لم يمتلك شروط تغييرها.

لهذا فإن اللوم هو الطريقة الوحيدة التي نمتلكها لمحاكمة الخيارات الخاطئة التي اتخذت نيابة عنا نحن الجيل اللاحق وأدت إلى حرق أحلامنا وأعمارنا وضياع مستقبلنا. هكذا أفهم ماسأة جيلنا، ليس كفشل شخصي بل فشل في الحماية. يجب على كل جيل أن يسلم الجيل الذي يليه وضعاً أفضل.

نمتلك اليوم حق اللوم والادانة للأجيال السابقة والنخب والأحزاب كونهم لم يقوموا بدورهم كما يجب وفشلوا في حمايتنا عندما سنحت لهم الفرصة في اللحظة التاريخية العظيمة، فهؤلاء لو كانوا قاموا بواجبهم كما ينبغي لما كان علينا أن نتساءل اليوم: لماذا توجب علينا أن نعيش في ظل هذا الخراب؟

الظروف الاقتصادية

لا أؤمن بالتنجيم، ولا يمكنني التسليم لذلك التخدير القدري كوننا نعيش نمطاً محدداً من الحياة مكتوب سلفاً، شقي أو سعيد. ما أعرفه واختبرته فعلاً هو أن الحياة الاجتماعية مليئة بالتناقضات الصارخة، وأن الظروف تتكفل بصناعة مصائر مختلفة لكل من يعانون.

الإنسان ابن ظروفه، كما يقول ماركس، لكن عندما تصبح هذه الظروف لا تطاق وأكبر من قدرته على قهرها وتجاوزها، وعندما يقف أعزلا وبلا عزاء في مواجهة كل أنواع التوحش، تتحطم لديه الإرادة والرغبة والأحلام. يختبر أحدنا أنماطا من المعاناة، ويعافر ضروب الحياة وبعد أن يكون قد قطع شوطاً طويلاً وحان الوقت لتحويل تلك الجهود إلى واقع يصطدم بواقع بائس لا تسمح له ظروفه على تجاوزه. إذ لا يمكن فصل الواقع والوضع العام عن ظروفنا الشخصية.

إذن، ليست المشكلة بالتكنولوجيا، المشكلة في النظام الاجتماعي والاقتصادي البائس، في غياب الفرص، والظروف الصعبة التي تجعل من كل تقدم عائقاً ومربكاً، ومن كل محاولة ابهار وخروج من هامش الحياة وثبة نحو القاع، الظروف التي جعلت الناس خلال سنوات الحرب يجوبون أطلال القرى والمدن القديمة بحثاً عن الكنوز المدفونة، ومن تخيلات كانت فيما مضى تصاحب أذهان الأطفال في أن السماء تمطر نقوداً، تصير أمنيات تصاحب الكبار.

تصعد الأسماء الملهمة واللامعة عادة من القاع، من الهامش، أسماء انارت بافكارها الكون وقدمت خدمات جليلة للإنسانية، وكما في الفن والأدب والإعلام والرياضة وكل الحقول. وإذا تتبعنا بعض هذه القصص التي تقف وراء صعود هذه الأسماء سنجد أنها وجدت العزاء الذي ساعدها على تخطي ظروفها حتى أصبحت على ما هي عليه من نجاح ومكانة. هذا العزاء قد يكون الأسرة أو المجتمع أو الحظ أو أشخاص يوفرون الدعم الإقتصادي والمعنوي.

في السيرة الذاتية لكارل ماركس كتبها فلاديمير لينين ندرك، وبحسب لينين، أن ماركس نفسه لم يكن ليستطيع تغيير مجرى التاريخ البشري لولا وجود شخص مثل إنجلز في حياته. عاش ماركس وعائلته تحت وطأة الفقر المدقع “ولولا المساعدة المالية الدائمة المخلصة التي كان يقدمها له إنجلز لاستحال عليه إنجاز كتاب “رأس المال”. بل لكان هلك حتماً من البؤس”. ربما لهذا طمح ماركس إلى تحرير البشر من شروط الحياة.

لكن لا يحصل الجميع على عزاء لظروفهم. نحن نشعر بالتعب، التعب النفسي والذهني والجسدي، التعب من مجاراة الحياة والعيش لمجرد العيش. عندما لا يحمل الحاضر سوى الفجيعة والأسى، يصبح المستقبل بلا قيمة، ولا يمكن تخيله.