“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أ.د/ محمد علي قحطان
تُعدّ التجربة الماليزية نموذجاً رائداً في تحويل دولة متخلفة، متعددة الأعراق، إلى دولة متطورة ذات قوة اقتصادية متميزة.
ويعود الفضل في ذلك إلى تبنّيها سياسات تستند إلى العديد من المرتكزات، أهمها:
أولاً: التنمية البشرية
من خلال اعتبار التعليم الركيزة الأساسية لمسيرتها التنموية، إذ أحدثت ثورة في قطاع التعليم بكل مراحله. فقد عملت على نشر مدارس التعليم الأساسي في كل حي من أحياء تجمعاتها السكانية، وتوفير متطلبات العملية التعليمية من المباني والأثاث والوسائل التعليمية المتطورة، إلى جانب إعداد المعلم بتأهيل وتدريب عالٍ في جميع المدارس، وكذلك في مؤسسات التعليم العالي والمهني.
بينما في اليمن، قبل الحرب الدائرة حالياً، كانت المباني المدرسية محدودة وغير كافية، والوسائل التعليمية تكاد تكون معدومة، مع نقص كبير في أعداد المدرسين وسوء في تأهيلهم وتدريبهم، وعدم العناية بهم من مختلف الجوانب. فقد كانت مهنة التعليم تُصنَّف من المهن المتدنية في الدخل، ويعيش المعلمون ظروفاً معيشية سيئة مقارنة بمهن المجالات الأخرى.
وأثناء الحرب، تم احتلال عدد من مباني المدارس والمعاهد التعليمية من قبل المكونات العسكرية المتحاربة، وتعرّضت الكثير منها للتدمير الكلي أو الجزئي، كما خسرت ما هو متاح من المعلمين كنازحين أو مهاجرين أو منتقلين إلى مهن أخرى، فيما تحوّل عدد منهم إلى السلك العسكري. الأمر الذي أدى إلى انهيار مؤسسات التعليم الأساسي والثانوي، وكذلك التعليم العالي والمهني، وتركها تعاني ويلات الحرب وآثارها التدميرية من الخسائر المادية والبشرية.
وبالتالي، فإن نسبة عالية من الطلاب والطالبات في مختلف المراحل تسربوا من التعليم، وهبطت مستويات جودة التعليم بصورة حادة. وكل ذلك ظل ولا يزال بعيداً عن الاهتمام الكافي من سلطات الأمر الواقع المتناحرة، الأمر الذي يحتم على سلطات الدولة إعطاء التعليم اهتماماً كبيراً، من خلال الاستفادة من التجربة الماليزية.
ثانياً: التنوع الثقافي والديني
لقد كان هذا الجانب في ماليزيا أحد عوامل الصراع والتخلف الاقتصادي والاجتماعي، وتم تحويله إلى مرتكز من مرتكزات التنمية والنهوض، من خلال جعله قوة دافعة للنمو الاقتصادي والابتكار والإبداع.
بينما ظل هذا المرتكز في اليمن أحد عوامل الصراع والهدم والتخلف، ولم يحظَ بالاهتمام الكافي، فاستمرت عوامل الصراع الثقافي والديني، بل جرى تعزيزها لتتحول إلى معاول هدم للأمن والسلام الاجتماعي، حيث يتم توظيفها في الصراع السياسي والعسكري بهدف الاستيلاء على السلطة والثروة. وبالتالي، ظلت اليمن تعاني من التخلف الاقتصادي والاجتماعي، في الوقت الذي تشهد فيه ماليزيا تطوراً متسارعاً في بنيتها الاقتصادية والاجتماعية.
ثالثاً: سياسات التنمية الاقتصادية والاجتماعية
عملت القيادات الماليزية على الاستقلال عن التبعية للخارج، وتبنت سياسات تنموية تعتمد كلياً على القدرات الذاتية للدولة، الأمر الذي مكّنها من حشد مواردها وتوجيهها نحو التنمية المستدامة بعيداً عن التدخلات الخارجية.
بينما ارتمت القيادات السياسية اليمنية للخارج بتبعية مفرطة في تمويل خطط التنمية، ما سلبها عنصر السيادة الوطنية، إذ رهنت مقومات النجاح لإرادات وأجندات خارجية. ونتيجة لذلك، أصبحت مكونات الدولة المختلفة تُدار من الخارج بأجندات إقليمية ودولية متضاربة، ما أدى إلى فقدان بوصلة التنمية، وبقاء البلاد مرهونة بالمساعدات والقروض، مع إهمال قدراتها الذاتية.
رابعاً: الاستقرار السياسي
عملت ماليزيا منذ استقلالها على توفير بيئة سياسية مستقرة، من خلال تجنب الصراعات الداخلية، ما جعلها دولة جاذبة للاستثمارات.
في المقابل، شهدت اليمن تغذية مستمرة للصراعات منذ نشأة الدولة، ما أدى إلى اندلاع الحروب وعدم الاستقرار السياسي والأمني، وبالتالي خلق بيئة طاردة للاستثمارات، الأمر الذي يحتم على القوى السياسية الاستفادة من التجربة الماليزية في هذا المجال.
خامساً: الرؤية التنموية
تبنت ماليزيا رؤية طموحة تُرجمت إلى أهداف زمنية واضحة للتغيير والتحديث، ونُفذت بإرادة سياسية صلبة، ما أدى إلى تحقيق نهضة شاملة.
بينما اتبعت اليمن أسلوباً تخطيطياً غير واقعي، حيث استُخدمت خطط التنمية كوسيلة لجلب المساعدات، وتم تبديدها في مجالات استهلاكية وترفيهية، بعيداً عن متطلبات التنمية الحقيقية.
وبالتالي، لا خيار أمام الحكومة اليمنية سوى اعتماد تخطيط واقعي قائم على أهداف محددة، تُنفذ بالموارد الذاتية، مع ضبط الإنفاق ووقف العشوائية.
سادساً: النزاهة والكفاءة الإدارية
التزمت ماليزيا بتعزيز مبادئ النزاهة والكفاءة، وتطبيق أساليب إدارية حديثة، ما مكّنها من إدارة مواردها بكفاءة عالية.
بينما غابت هذه القيم في اليمن، ما أدى إلى هدر الموارد وتراجع الأداء المؤسسي، وتراكم الفشل في مختلف المجالات، الأمر الذي جعلها عرضة لفقدان السيادة وضعف القدرة على إدارة الدولة.
سابعاً: التوزيع الجغرافي لسلطات الدولة
من أبرز ملامح التجربة الماليزية توزيع السلطات المركزية، حيث تم:
• اعتبار كوالالمبور عاصمة سياسية ومقراً للملك والبرلمان.
• إنشاء مدينة حديثة (بوتراجايا) كمقر للحكومة والوزارات.
• وقد أسهم ذلك في تحقيق تكامل مؤسسي وتنظيم إداري متطور.
وبالنظر إلى المقارنة بين التجربتين، يتضح أن نهوض ماليزيا لم يكن صدفة، بل نتاج العمل وفق مرتكزات واضحة، بينما تحولت هذه المرتكزات في اليمن إلى عوامل صراع.
مقترحات لإعادة بناء الدولة في اليمن:
في ضوء ما سبق، وفي ظل الظروف الراهنة، يمكن أن تبدأ خطوات الإصلاح المؤسسي عبر إعادة توزيع السلطات على النحو الآتي:
1. اعتبار العاصمة السياسية (صنعاء) مقراً لرئاسة الجمهورية والبرلمان، مع بقائهما مؤقتاً في عدن حتى انتهاء الحرب.
2. اعتبار العاصمة المؤقتة عدن عاصمة إدارية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة فيها، لتدار منها الأنشطة الحكومية حتى انتهاء الحرب.
3. اعتبار مدينة تعز عاصمة ثقافية، وتأهيلها بالبنية التحتية اللازمة لإدارة الأنشطة الثقافية.
4. اعتبار مدينة المكلا في حضرموت عاصمة اقتصادية، تُدار منها الأنشطة المالية والاقتصادية، مع تأهيلها بالبنى الأساسية اللازمة.

