“صحيفة الثوري” – (كتابات):
م. عبدالملك نصيب المعمري
في ظاهر المشهد، تبدو طهران وكأنها تمسك بطاولة التفاوض من منتصفها: عرضٌ بوقفٍ دائمٍ للحرب مع ضماناتٍ صارمة، ووضعُ مضيق هرمز في قلب المعادلة، وتأجيلُ الملفات النووية والإقليمية إلى ما بعد تثبيت قواعد جديدة للعبة. غير أن هذه الصورة، على تماسكها، لا تكشف كل شيء؛ فخلفها تعمل ذاكرةٌ ثقيلة، ذاكرةٌ تعرف أن ما بعد الحروب قد يكون أقسى من الحروب نفسها.
هذه الذاكرة تستحضر تجربة صدام حسين بعد حربٍ طويلة خرج منها العراق منهكًا اقتصاديًا، رغم أنه لم يُهزم عسكريًا. يومها، لم تكن المشكلة في الجبهات، بل في السوق. احتاجت بغداد إلى أسعار نفطٍ مستقرة كي تستعيد توازنها، لكن إغراق السوق من قبل بعض دول الخليج رفع الإمدادات وخفّض الأسعار، فاختنق الهامش وضاقت الخيارات. هناك، تحوّل النفط من موردٍ إلى سلاح، ومن رقمٍ في الأسواق إلى عامل ضغطٍ استراتيجي. وفي نهاية المطاف، وتحت هذا الضغط المركّب، اندفع النظام العراقي نحو غزو الكويت… والباقي تعرفونه.
إيران تقرأ هذا الدرس جيدًا، بل يمكن القول إنها تبني سلوكها التفاوضي على أساسه. فهي لا تريد أن تنهي الحرب ثم تستيقظ على حربٍ من نوعٍ آخر: حرب أسعار. ولهذا تُصرّ على أن تكون البداية وقفًا دائمًا للقتال، لا هدنةً مؤقتة؛ لأن “اللي اتلسع من الحريق، يخاف حتى من الدخان”. المسألة ليست مبالغة، بل حسابٌ دقيق لمخاطر مرحلة ما بعد الهدوء.
ومن هنا، يصبح تمسّكها بهرمز مفهومًا في سياقٍ أعمق. فالمضيق ليس مجرد ممرٍ بحري، بل أداة تأثير في تدفقات الطاقة، وبالتالي في الأسعار. وإيران، التي تواجه اقتصادًا متعبًا وعملةً ضعيفة، لا تملك ترف تجاهل هذه الورقة. هي تدرك أن أي هبوطٍ حاد في أسعار النفط قد يضعها في زاويةٍ ضيقة جدًا… “والزَّنقة ذي، ما حد يطلع منها بسهولة”.
في المقابل، تتحرك حسابات الإنتاج لدى دولٍ خليجية وازنة، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة، ضمن معادلاتٍ معقدة. زيادة الإنتاج قد تبدو قرارًا اقتصاديًا بحتًا، لكنها في نظر طهران تحمل أثرًا مباشرًا على أمنها الاقتصادي. فكل برميلٍ إضافي في السوق قد يعني ضغطًا على السعر، وكل ضغطٍ على السعر يعني تضييق الخناق على دولةٍ خارجة من حرب.
هنا يتقاطع الحاضر مع الماضي. فكما حدث في مطلع التسعينيات، حين أدى اختلال السوق إلى دفع المنطقة نحو مساراتٍ أكثر توترًا، يبرز اليوم هاجس التكرار، ولو بصيغةٍ مختلفة. “مش معقوله نعيد نفس الغلط”، هكذا يمكن تلخيص العقل الإيراني في هذه المرحلة. لذلك، لا تتعامل طهران مع النفط كسوقٍ فقط، بل كساحة صراعٍ لا تقل حساسية عن الميدان العسكري.
كما أن التغيرات المحتملة في بنية التنسيق النفطي، سواء داخل أوبك أو ضمن صيغ التعاون الأوسع مثل أوبك بلس، تزيد من منسوب القلق. فكلما تراجع الانضباط الجماعي، ارتفعت احتمالات التقلب، وكلما ارتفعت التقلبات، زادت المخاطر على اقتصادٍ هش. وهنا يصبح الاستقرار السعري ليس رفاهية، بل ضرورة بقاء.
لهذا، لا يمكن قراءة العرض الإيراني بمعزل عن هذا السياق. إيران لا تفاوض فقط لإنهاء الحرب، بل لتأمين شروط ما بعدها. هرمز، في هذا الإطار، ليس ورقة ضغط بقدر ما هو محاولة لامتلاك حدٍ أدنى من التحكم في مستقبلها الاقتصادي. “يعني باختصار… مش موضوع قوة وبس، موضوع خوف محسوب”.
الولايات المتحدة تجد نفسها أمام معادلةٍ معقدة: قبول صيغة تمنح طهران وزنًا أكبر في معادلة الطاقة، أو رفضها، مع ما يحمله ذلك من احتمالات تصعيد وارتفاع في كلفة الاقتصاد العالمي. كلا الخيارين مكلف، وكلاهما يمر عبر هرمز.
في النهاية، ما يجري اليوم ليس مجرد تفاوض حول ممرٍ مائي، بل محاولة لتجنب تكرار تاريخٍ مكلف. إيران تفاوض بذاكرة صدام، وتحاول ألا تقع في الفخ ذاته، حيث تتحول نهاية الحرب إلى بداية أزمةٍ أعمق. وبين جغرافيا تُستخدم كأداة، واقتصادٍ يضغط كقيد، يتشكل مشهدٌ معقد قد يحدد شكل المرحلة القادمة بأكملها.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع إيران أن تحوّل هرمز إلى ضمانةٍ حقيقية… أم أن السوق، كعادته، سيفرض كلمته في النهاية؟

