“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أ.د/ عبدالله غالب المعمري
إن العمل حياة، وليس مهنة؛ إنه ترانيم صلاة، واليد الخشنة حين تمتد بالمعول إلى التراب، كأنها تبايع الحياة على أن لا تموت.
أيها العمال العابرون في جسد التعب، في عمق الجرح، يا من جعلتم من العرق وضوءًا، ومن الصبر محرابًا، ومن الخبز المكسور والمغموس بالذل ترنيمة بقاء.
حين يتوضأ التعب بدموع الحقيقة التي اغتيلت، وتنشد تراتيل الكادحين في حضرة العدل الغائب، فإن قطرات العرق حق، والعدالة غياب… حينها يغدو سجود الأيدي المتعبة في معابد القسوة، بين محراب العمل ومذبح الكرامة.
أنتم لستم عمّالًا فقط، أنتم سرّ هذا العالم حين يغفل عن نفسه؛ أنتم الذين تكتبون الوجود، لا بالهرطقة… بل بالنبض والتعب.
كل ضربة معولٍ عندكم ذكرٌ خفي، وكل جدارٍ يُقام قيامٌ في وجه العدم، وكل رغيفٍ يخرج من أفرانكم آيةٌ تقول: “ما زالت الحياة ممكنة”. وكل جدارٍ يُشاد هو إعلان ثوري بأن هذا العالم، رغم وحشيته، ما زال قابلًا لأن يُعاد خلقه من جديد.
يا عمال العالم، أي دربٍ هذا الذي تمشونه حفاة، بينما تُفرش الطرقات لغيركم؟ أي ميزانٍ هذا الذي يزن الجهد ولا يرى الكرامة؟
إن العدل في قوانين العمل ليس فلسفة تُقال، بل جرحٌ يُحس، وليست شعارات فضفاضة تُرفع، بل حقٌ يُنتزع من بين أنياب الحاجة.
جباهكم المبللة… ليست عرقًا فقط، بل شهود على أنكم حملتم العالم حين عجز عن حمل نفسه.
وسواعدكم… ليست أدوات، بل أرواحٌ تمشي على هيئة قوة، تقاوم السقوط وتُرجئ النهاية.
فيا لهذا العالم… كيف يقوم على أكتافكم ولا يسجد امتنانًا لكم؟ كيف يسرق من أعماركم، ثم يساومكم على إنسانيتكم؟
لقد آن للحق أن ينكشف، وأن لا يكون هذا اليوم مجرد ذكرى، بل تعريةً وكشفًا لمكائن الاستغلال ومكامن الاستبداد.
أن لا يكون احتفاءً، بل مساءلةً في حضرة الوجود: هل خُلق الإنسان ليخدم ما يصنع؟ أم ليصنع ما يخدم إنسانيته؟
إنها لحظة الصحو… حين يتكلم الصمت، ويصرخ شلال العرق، ويُرفع الحجاب عن وجه الحقيقة:
إما أن يعود العدل إلى مقامه، نورًا يسري في تفاصيل حياة البروليتاريا، أو نعترف أننا لم نبلغ بعد آدمية الإنسان، بل ما زلنا نطوف حول الإمعان في امتهانه.
تحية لكم يا عمال اليمن، يا من لم تستأذن أحلامكم لتولد، ولم تستأذن آلامكم لتصبر؛ تحية لمن اختاروا أن يكونوا في صف الحياة… حتى وهي تقسو.
وفي هذا المقام… لا نقول: كل عام وأنتم بخير، بل نهمس كدعاءٍ خالص: اللهم اجعل هذا العالم على قدر قلوب العمال المتعبة، وعلى قدر ما بذلوه فيه من جهد… أو اكشف زيفه حتى لا يظل قائمًا على أنقاضهم… فليكن هذا العالم يومًا على قدر عرقكم، أو فليسقط خجلًا من عجزه عن أن يكون إنسانيًا.

