صحيفة الثوري- متابعات
تجاوز الخلاف الراهن بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين حول الملف الإيراني حدود التباين الدبلوماسي المعتاد، لينصهر في صراع استراتيجي محتدم يعكس تضارباً عميقاً في المصالح الحيوية التي طغت على الشعارات القيمية المشتركة، حيث بات منطق المنفعة الاقتصادية هو المحرك الفعلي للسياسات في الشرق الأوسط حتى وإن كان ذلك على حساب استقرار المنطقة.
وقد أدت هيمنة الاتحاد الأوروبي جنباً إلى جنب مع الصين وروسيا على السوق الإيرانية إلى حرمان الولايات المتحدة من جني ثمار تدخلاتها العسكرية الطويلة، فبينما كانت واشنطن تدفع الكلف الباهظة في حروبها ضد تنظيمي القاعدة وداعش، كان الأوروبيون يحصدون المكاسب السياسية والاقتصادية مستفيدين من الواقع الإقليمي المضطرب بعيداً عن خطوط المواجهة المباشرة.
ولهذا لم يكن مستغرباً أن تقف أوروبا في وجه أي استراتيجية أميركية تهدف إلى ممارسة ضغط حقيقي على إيران، إذ يمثل إضعاف النظام بالنسبة للأوروبيين تهديداً مباشراً لشبكة مصالح اقتصادية واسعة نسجوها على مدى العقود الأربعة الماضية، مما جعل بقاء النظام في طهران نقطة ارتكاز في معادلة التوازن بين ضفتي الأطلسي.
وتأتي تصريحات وزيرة القوات المسلحة الفرنسية كاترين فوترين بأن الحرب بين أميركا وإيران ليست حربهم لتؤكد هذه الرؤية وتضع مسافة سياسية محسوبة تحمي المصالح القائمة من أي تصعيد محتمل، في مفارقة لافتة تظهر تبايناً بين الحزم الأوروبي تجاه أمنهم المباشر كما في حالة أوكرانيا وبين نهج احتواء الأزمات وغض الطرف عن التهديدات الإيرانية التي لا تُصنف أوروبياً كخطر وجودي.
لكن المشهد الراهن وتصاعد التوتر في مضيق هرمز أعاد خلط الأوراق ببروز مقاربة أميركية أكثر حدة في ظل توجهات الرئيس دونالد ترامب الذي يعتبر استمرار النظام خطأً استراتيجياً، مستنداً إلى فرضية أن طبيعة النظام غير قابلة للتغيير وأن استمراره يعني ديمومة الأزمات، مما دفع واشنطن نحو السعي لتقليص نفوذه أو إسقاطه تدريجياً عبر الضغط الاقتصادي والضربات العسكرية رداً على برامجه الصاروخية وتهديده للملاحة.
وفي المقابل يواصل الأوروبيون الرهان على إدارة الأزمة متجاهلين كلفة ذلك على الداخل الإيراني والانتهاكات الحقوقية، بينما ترى واشنطن أن سياسات طهران الإقليمية ألحقت بها كلفة استراتيجية عالية دون مردود، حيث تتدفق المكاسب نحو منافسيها الدوليين وهو ما يفسر التحول الأميركي نحو تفكيك مصادر الأزمات بدلاً من إدارتها.
ويستحضر هذا التحول دروس الماضي وخصوصاً حرب العراق عام 2003 وتساؤلات الداخل الأميركي حول الجدوى الاستراتيجية لتلك المرحلة، مما يعكس انقساماً بين رؤية تميل للتنسيق مع الحلفاء وأخرى ترامبية تضع المصالح الوطنية فوق أي اعتبار وتدفع نحو الصدام مع الشركاء.
واليوم تقف المنطقة أمام مفترق طرق بين سياسة إدارة الفوضى الأوروبية ومحاولة إعادة تشكيل التوازنات الأميركية، ليبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان هذا التنافس سيقود لاستقرار حقيقي أم لجولة صراعات جديدة، مع بقاء الثابت الوحيد وهو أن أي تغيير جذري في إيران سيكون تحولاً دولياً يعيد رسم خريطة النفوذ العالمي وفق حسابات القوى المتنافسة عليها.

