آخر الأخبار

spot_img

خمسون عاماً في عمر التجمع الوطني التقدمي الوحدوي

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

عبدالباري طاهر

ارتبط إعلان المنابر، الذي اتبعه الرئيس أنور السادات، برغبته الجامحة في تهميش التيار القومي الناصري، واليساري بصورة عامة.

في مسار الثورة القومية، ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952، لم يكن السادات من دعاة الديمقراطية بمعنييها السياسي والاجتماعي، فهو محسوب على يوسف رشاد، رجل الملك، وقد اجتذبه الزعيم جمال عبدالناصر كمصدر معلومات وفهم سياسي. واستطاع السادات، بمقدرة سياسية فائقة، وبإعطاء الولاء للقوة؛ ناصر وعامر، تثبيت أقدامه. ولا شك أن هزيمة 1967، التي اهتزت فيها صورة الزعيم العربي جمال عبدالناصر، وتراجع فيها دور التيار القومي واليساري بعامة، قد خدمته، وقوّت اليمين والإسلام السياسي.

أدرك الرئيس أنور السادات مدى الاستياء من غياب الحريات السياسية، التي لم يكن مؤمناً بها، ولا من أنصارها، وعبرت إجراءاته، وعبارته الشهيرة: “للديمقراطية أنياب”، عن عداوته للديمقراطية.

وأكدت اعتقالات سبتمبر 1980، التي طالت الطيف السياسي والمجتمعي، أن ديمقراطيته كانت لعبة سياسية ضد حكم هو قطب من أقطابه، وقد استخدمها، بدءاً، سلاحاً ضد الناصريين والماركسيين والتيار الديمقراطي، وفي الأخير ضد الجميع.

أطلق الإخوان المسلمين من السجون، وحرّضهم على تصفية التيار الناصري في الجامعة والشارع السياسي، كما أشعل الصراعات الطائفية بين المسلمين والمسيحيين، وصفّى القطاع العام، وعمل على التراجع عن الإصلاح الزراعي، أهم منجزات ومكاسب ثورة 1952 القومية.

وفي حمى الصراع مع اليسار، أعلن المنابر في خطاب شهير، وحدد ثلاث اتجاهات لها: يمين، ووسط، ويسار.

المفكر والمحلل السياسي والصحفي محمد سيد أحمد، في كتابه (مستقبل النظام الحزبي في مصر)، يدرس تجربة المنابر، ولعبة السادات، خصوصاً فيما يتعلق بمنبر حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي (اليسار).

يتساءل المفكر السياسي والصحفي الكبير محمد سيد أحمد: هل صيغة التجمع الوطني التقدمي الوحدوي تكتيكية أم استراتيجية؟

ويجيب: من المعروف أن حزب التجمع يجمع ناصريين، وماركسيين، وعناصر قومية، واشتراكيين ديمقراطيين، وشيوعيين، وعناصر دينية مستنيرة من المسلمين والأقباط معاً، وهؤلاء، على اختلاف منطلقاتهم الفكرية والعقائدية، جمعهم الانتساب إلى اليسار بالمعنى العريض للكلمة. فهل من الممكن أن يكون هذا الجمع مستقراً ثابتاً، متسماً بصفة الاستراتيجية الطويلة الأمد؟ أم هو جمع لا بد أن يكون عارضاً، محكوماً بظروف طارئة فقط؟ أم يتسم بصفة التكتيك؟

يضيف: الأمر المؤكد أن السادات أراد من منبر اليسار في الاتحاد الاشتراكي، الذي سرعان ما تحول إلى حزب اليسار بعد تسليمه بأن المنابر هي، في حقيقتها، أحزاب، أن يكون صيغة تكتيكية فقط. بل أراد من حزب اليسار أن يكون حزباً ماركسياً، وظيفته تختلف تماماً عن الوظيفة التي أرادها عبدالناصر للماركسيين، كعنصر إثراء وتصحيح.

(العبارة شهيرة للرئيس جمال عبدالناصر في تقييم دور الماركسيين كقوى إثراء وتصحيح) ـ الكاتب.

ويشير الأستاذ محمد سيد أحمد إلى كتابات موسى صبري، وهو الخصم اللدود لليسار الماركسي وللناصريين أيضاً، في مقالاته عن مولد التجمع، إذ يبرزه بوصفه حزباً ماركسياً، وقائده خالد محيي الدين “الصاغ الأحمر”.

ووصف الزعيم الديمقراطي، عضو مجلس قيادة الثورة، خالد محيي الدين بـ”الصاغ الأحمر”، ليس من عنديات موسى صبري، وإنما هو الوصف الذي أطلقه عليه السادات عندما ترأس صحيفة الجمهورية، لكن الرئيس عبدالناصر أوقف السادات عن الكتابة ضد خالد محيي الدين إبان خلافه مع رفاقه في مجلس قيادة الثورة.

خمسون عاماً مرت على إعلان حزب التجمع كحزب وطني تقدمي ديمقراطي، وكان رئيسه، منذ البداية، الزعيم التقدمي خالد محيي الدين، وقد دار خلاف حول الموقف من الأحزاب وطبيعة الإجراءات الثورية.

أنجزت الثورة القومية إنجازات عظيمة في مختلف المجالات في الداخل الوطني: السد العالي، ومجمع الحديد والصلب، ونشر مدارس التعليم الحديث في مصر كلها، وبناء المؤسسات التعليمية الحديثة في أعلى المستويات، ونشر مئات وآلاف كتب التراث، وبناء اقتصاد وطني متين، ومجتمع جديد.

ودار خلاف حول الأولوية: هل الديمقراطية السياسية أم الاجتماعية؟ وكان الخلاف طبيعياً ومبرراً.

وقفت الثورة القومية إلى جانب الوحدة العربية، وساندت تحرير الجزائر واليمن، واستقلال الخليج، ودعمت التحرر في القارات الثلاث.

ضعف الأحزاب السياسية القديمة، وعجزها عن تحقيق الاستقلال أو المواجهة مع الملك، كان يقوي خطاب الديمقراطية الثورية في مواجهة المستعمر البريطاني والانحطاط وأحزاب الأقلية، بينما كانت عسكرة الحياة، والاستبداد، والتضييق على حرية الرأي والتعبير، تقوي مطلب الديمقراطية السياسية.

كان الزعيم الديمقراطي خالد محيي الدين عميق الربط بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية، وكان قائد الثورة، البطل القومي جمال عبدالناصر، أكثر انحيازاً للثورة الاجتماعية، لكن مراكز القوى المعادية للثورة ركبت الموجة.

هزيمة 1967 كشفت الخلل في البنيان العسكري، وفضحت مراكز القوى التي كانت تتآمر ضد الثورة القومية، وزعيمها الخالد جمال عبدالناصر، وضد الأمة كلها.

هزيمة 1967 أكدت أن مراكز القوى كانت قد بسطت نفوذها على الجيش والأمن والدولة، وأثبتت عداءها للديمقراطية بمعنييها، وفرضت دكتاتوريتها على الشعب المصري والأمة العربية.

تآمرت ضد الثورة اليمنية، وأججت الصراعات بين أبناء الثورة اليمنية، واعتقلت الزعماء اليمنيين، وفرضت الدمج القسري على الجبهة القومية في الجنوب.

كانت مراكز القوى تتواطأ لتخريب الثورة القومية.

سقطت مراكز القوى، وبرز الوجه الحقيقي للسادات في زيارته للقدس عام 1977، وتوقيع اتفاقات كامب ديفيد 1978، وتصدي التجمع الوطني الوحدوي التقدمي، والأحزاب الناصرية: الكرامة، والحزب العربي الناصري، وتيارات أخرى، كلها تتصدى حتى اليوم لنهج الحكم وسياساته الخاطئة.

يمثل التجمع الوطني والناصريون، سواء داخل التجمع أو عبر أحزابهم، صوت المعارضة الديمقراطية، ويؤسسون لنهج مغاير ومختلف لنهج الحكم الشمولي، ويقفان ضد التطبيع مع إسرائيل، وإلى جانب القضية الفلسطينية والأمة العربية.