آخر الأخبار

spot_img

مفاوضات بلا نية اتفاق: جس نبض على حافة الصدام

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

م. عبدالملك نصيب المعمري

في السياسة، ليست كل الطاولات تُنصب لتوقيع الاتفاقات، وبعضها يُعدّ فقط لقراءة الوجوه، وقياس النوايا، والتحديق طويلاً في ما لا يُقال. هكذا يمكن فهم ما جرى في باكستان بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران؛ مفاوضات لم تفشل بقدر ما أدّت وظيفتها الحقيقية: كشف الطبقات الخفية في سلوك الخصمين.

لم تكن التصريحات المتبادلة سوى قشرة لغوية لعملية أعمق. حين يقول رئيس الوفد الأمريكي إن الطرف الآخر “اختار عدم قبول الشروط”، ويردّ نظيره الإيراني بأن بلاده “قدمت مبادرات للمستقبل”، فنحن لسنا أمام روايتين متناقضتين، بل أمام مسرح تفاوضي يتقن فيه كل طرف أداء دوره، دون أن يغادر النص المكتوب سلفاً. أما باكستان، فبدت كمن يحرس باب الحوار، لا من يملك مفاتيحه.

اللافت في هذا المشهد لم يكن مضمون الطروحات بقدر ما كان سلوكها. الوفد الإيراني، كما لو أنه قادم من فضاء موازٍ، قدّم نفسه بثقة مفرطة، بإيقاع احتفائي يكاد ينفي وطأة الحرب وتداعياتها. لم يكن ذلك مجرد تفصيل بروتوكولي، بل رسالة مشفّرة: نحن لسنا في موقع الانكسار. إنها دبلوماسية المظهر، أو ما يمكن تسميته بـ”استعراض الصمود”، حيث تُستخدم الصورة كأداة تفاوضية لا تقل أهمية عن النص.

لكن في الضفة الأخرى، بدت واشنطن أقل انخداعاً بالعرض وأكثر انشغالاً بما وراء الستار. لم تُبدِ مرونة تُذكر، ولم تنجرّ خلف الإغراءات الاقتصادية التي لوّحت بها طهران. كان واضحاً أن الإدارة الأمريكية جاءت لا لتغيّر موقفها، بل لتختبر مدى صلابة موقف خصمها. إنها براغماتية باردة، تُجيد الإصغاء، لكنها لا تتنازل.

في جوهر الأمر، لم يكن أيٌّ من الطرفين يبحث عن اتفاق. كلاهما جاء ليُجيب عن سؤال واحد: ماذا يريد الآخر حقاً؟ إيران أرادت أن تعرف إن كانت الولايات المتحدة مستعدة لتسوية تحفظ لها بعضاً من صورتها ونفوذها، بينما سعت واشنطن إلى قياس المسافة بين الخطاب الإيراني والقدرة الفعلية على الصمود. إنها لحظة “استكشاف استراتيجي”، حيث تُجمع المعلومات قبل اتخاذ القرار، لا بعده.

من هنا، فإن وصف ما حدث بالتعثر أو الفشل يبدو تبسيطاً مخلاً. ما جرى هو، في حقيقته، مرحلة تأسيسية لقرار أكبر لم يُتخذ بعد. فالمفاوضات، في مثل هذه الحالات، لا تكون نهاية مسار، بل بدايته؛ ليست غاية بحد ذاتها، بل أداة لفرز الخيارات: تصعيد محسوب، أو تفاوض أعمق، أو حتى هدنة باردة تُبقي الصراع معلقاً.

أما الدور الباكستاني، فرغم أهميته الشكلية، ظل محكوماً بسقف الوساطة التقليدية: تيسير الحوار لا صناعته. ومع ذلك، فإن مجرد انعقاد هذه اللقاءات على أرضها يمنحها موقعاً متقدماً في جغرافيا الوساطات الإقليمية، حتى وإن لم تمتلك القدرة على ترجيح كفة على أخرى.

في النهاية، تكشف هذه الجولة حقيقة قديمة تتجدد: في العلاقات الدولية، لا تُقاس النتائج دائماً بما يُعلن، بل بما يُستنتج. وما لم يُوقّع في إسلام آباد قد يكون أكثر أهمية مما لو وُقّع؛ لأن ما خرج به الطرفان ليس اتفاقاً، بل خريطة ذهنية محدثة للخصم، وهي، في عالم الصراعات، أثمن من أي ورقة تُذيل بالتواقيع.