آخر الأخبار

spot_img

السياسة النقدية بين القياس النظري وحدود الواقع: قراءة في قرار الفائدة الإلزامية (18%)

“صحيفة الثوري” – (تحليل):

د. طارق عبدالرشيد ملهي *

لم يكن قرار البنك المركزي الصادر في 9 أبريل، والقاضي بتحديد حد أدنى إلزامي لسعر الفائدة على الودائع بالريال عند مستوى (18%)، مجرد إجراء تقني عارض، بل يعكس توجهاً في إدارة السياسة النقدية يستدعي قراءة أكثر عمقاً، لا سيما في ضوء طبيعة الاختلالات القائمة في البيئة الاقتصادية والمصرفية.
من حيث الغاية، يبدو الهدف واضحاً: استعادة جزء من السيولة المكتنزة خارج الجهاز المصرفي، وإعادة توجيهها نحو القنوات الرسمية. غير أن الإشكالية لا تكمن في الهدف بقدر ما تكمن في مدى اتساق الأداة المستخدمة مع طبيعة الخلل القائم وهو ما حاولتُ تناوله سابقاً في مقالي المنشور بعنوان “شح السيولة: بين أوهام الأدوات ومنطق الواقع”.

أولاً: منطق التسعير الإداري وحدود السياسة النقدية
يقوم القرار على فرضية أن ارتفاع العائد (18%) سيحفّز الأفراد والمؤسسات على الإيداع، غير أن هذه الفرضية تتجاهل أن سعر الفائدة –في النظم النقدية السليمة– لم يعد تحديده إدارياً، بل يتشكل عبر مزادات بيع سندات الدين العام، التي تعكس توازن العرض والطلب على السيولة.
أما فرض حد أدنى إلزامي بهذا المستوى، فيمثل خروجاً عن آليات السياسة النقدية الحديثة، ويعكس توظيف أداة سعرية في بيئة تفتقر إلى شروط عملها المؤسسي.

ثانياً: التحليل الكمي لكلفة القرار
إذا ما أُخذ القرار في بعده التطبيقي، فإن البنوك –لكي تتمكن من دفع عائد (18%) على الودائع– ستحتاج إلى توظيف هذه الأموال –بدون إحتجاز الاحتياطي القانوني والنقدي– بعائد لا يقل عن (19.5%) لتغطية النسبة الإلزامية مع هوامش التشغيل والمخاطر.
وفي ظل غياب فرص استثمارية إنتاجية بهذا العائد، يصبح البنك المركزي مضطراً –بشكل مباشر أو غير مباشر– لبيع سندات الدين العام بعائد يتجاوز هذا المستوى.
وهنا تبرز النتيجة الأهم:
عائد خالٍ من المخاطر عند مستوى (19.5%). ما يعني أن أي مستثمر في الاقتصاد الحقيقي سيطالب بعائد لا يقل عن (22% – 24%) لتعويض العائد الخالي من المخاطر مع عائد تحمل المخاطر. وهو ما يرفع “كلفة رأس المال” إلى مستويات تعجيزية، ويدفع بالاستثمار الإنتاجي نحو الانكماش، بدلاً من التحفيز، وبما يفضي إلى تفاقم معدلات البطالة، ويسهم في تعميق حالة الكساد التضخمي، حيث يتزامن ارتفاع الأسعار مع ركود النشاط الاقتصادي.

ثالثاً: مفارقة الهدف والأثر
في الوقت الذي يستهدف فيه القرار معالجة شح السيولة، فإن طبيعته تنطوي على أثر انكماشي واضح؛ إذ إن رفع أسعار الفائدة بهذا الشكل يؤدي إلى:
* تحفيز الاكتناز داخل البنوك.
* تقليص الطلب على الائتمان.
* إضعاف النشاط الاقتصادي.
وهي نتائج تتسق مع سياسات كبح التضخم، لا مع معالجة نقص السيولة أو ضعف دورانها.

رابعاً: أزمة الثقة كقيد حاكم
كما أشرتُ في مقالي السابق “السياسة النقدية في اليمن: بين إدارة الأزمة ومحدودية الفاعلية”، فإن التحدي الجوهري لا يكمن في غياب الأدوات، بل في تآكل البيئة التي تعمل ضمنها.
فالجهاز المصرفي يواجه:
* ضعفاً في الملاءة.
* تراجعاً في الثقة العامة.
* محدودية في القدرة على الوفاء بالالتزامات.
* اتساعاً في الاقتصاد النقدي غير المنظم.
وفي ظل هذه المعطيات، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل المشكلة في نقص السيولة، أم في تعطّل قنوات دورانها؟

خامساً: إعادة توصيف المشكلة
وفق ما خلصت إليه في كتاباتي السابقة، فإن توصيف الأزمة باعتبارها “شحاً في السيولة” يظل توصيفاً قاصراً. فالمشكلة الحقيقية تكمن في:
* ضعف الوساطة المصرفية.
* تعطل انتقال الأثر النقدي.
* انفصال الكتلة النقدية عن الدورة الاقتصادية.
وعليه، فإن استخدام سعر الفائدة كأداة رئيسية في هذه الحالة، يعني معالجة العرض الظاهري، لا الخلل البنيوي.

سادساً: نحو مقاربة أكثر اتساقاً
إن المعالجة الأكثر واقعية لا تبدأ من سعر الفائدة، بل من إعادة تشغيل دورة السيولة داخل الاقتصاد. وقد أشرت سابقاً إلى أن من بين الخيارات الممكنة، والملحة:
* الإصدار النقدي الموجّه –في حدود مدروسة– لصرف المرتبات.
* ربط السيولة بالطلب الحقيقي.
* إعادة تنشيط الأسواق تدريجياً.
على أن يُستكمل ذلك بإجراءات موازية تستهدف:
* استعادة الثقة في الجهاز المصرفي.
* إعادة تفعيل الوساطة المالية.
* تقليص الاعتماد على القنوات غير الرسمية.

خلاصة تحليلية
إن قرار الفائدة الإلزامية للودائع (18%) يعكس محاولة جادة للتعامل مع أزمة قائمة، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن فجوة بين منطق الأداة وطبيعة البيئة.
ففي اقتصاد يعاني من:
* هشاشة مؤسسية.
* ضعف في الثقة.
* وتعطل في قنوات التداول.
تصبح الأدوات التقليدية للسياسة النقدية محدودة الفاعلية، بل وقد تتحول إلى عبء إضافي على النشاط الاقتصادي.
وعليه، فإن استعادة التوازن النقدي لا يمكن أن تتحقق عبر تسعير إداري للسيولة، بقدر ما تتطلب إعادة بناء البيئة التي تمنح هذه الأدوات معناها وفاعليتها.

* متخصص في تحليل السياسة النقدية