آخر الأخبار

spot_img

بين إشارات المؤسسات الدولية وتحولات الاقتصاد العالمي: كيف يعيد اليمن تموضعه؟

“صحيفة الثوري” – (تحليل):

د. طارق عبدالرشيد ملهي

لم يعد التعاطي مع مخرجات مشاورات “المادة الرابعة” أو التصريحات الصادرة عن المؤسسات المالية الدولية شأناً تقنياً محضاً، بل بات يقتضي قراءة أعمق في سياق الاقتصاد السياسي الدولي، حيث تتداخل الاعتبارات الفنية مع موازين القوة، وتُصاغ التوصيات ضمن منظومة عالمية لا تنفصل عن مصالح مراكزها الفاعلة.

فمن حيث المبدأ، تمثل هذه المشاورات أداة للتشخيص وتقديم الدعم الفني. غير أن التجربة العملية في عدد من الدول النامية تُظهر أن الانتقال من التشخيص إلى برامج الإصلاح لا يتم في فراغ محايد، بل غالباً ما يُبنى على مقاربات معيارية تميل إلى تعميم وصفات جاهزة، تقوم على تحرير الأسواق، وتقليص دور الدولة، وإعادة هيكلة الدعم، دون مراعاة كافية لخصوصيات البيئات المؤسسية. وفي حالات غير قليلة، استُنزف جزء معتبر من التمويلات الموجهة للإصلاح في تغطية كلفة الخدمات الاستشارية ذاتها، بما يحدّ من أثرها الحقيقي على الاقتصاد المنتج.

في الحالة اليمنية، تتضاعف حساسية هذه الإشكالية. فالهشاشة المؤسسية، وتشظي مراكز القرار، وضعف قنوات انتقال الأثر النقدي، تجعل من أي انخراط غير محسوب في برامج إصلاح واسعة –خاصة إذا ارتبط بتمويل مشروط– رهاناً عالي الكلفة. كما أن الإرث التراكمي لبرامج التسعينات، وما رافقها من خصخصة في بيئة يغلب عليها الفساد وضعف الحوكمة، لا يزال حاضراً في بنية الاقتصاد، ومؤثراً في توازناته.

غير أن قراءة هذه التطورات لا تكتمل دون وضعها في سياق التحولات الأوسع في النظام الاقتصادي العالمي. فالممرات البحرية الحيوية، من مضيق هرمز إلى باب المندب، لم تعد مجرد مسارات للتجارة، بل أصبحت أدوات تأثير في معادلة الطاقة وسلاسل الإمداد. وفي هذا السياق، تعكس التصريحات الدولية بشأن تأمين هذه الممرات إدراكاً متزايداً بأن التحكم في تدفقات النفط والتجارة لم يعد مسألة أمنية فحسب، بل ركيزة للهيمنة الاقتصادية.

هنا، يبرز البعد الأهم في قراءة الاهتمام الدولي باليمن: فالمسألة لا تتعلق فقط بدعم الاستقرار الاقتصادي، بقدر ما ترتبط أيضاً بإعادة تشكيل خرائط النفوذ في مناطق العبور الحيوية. وفي ظل هذا الواقع، يصبح من المشروع التساؤل عمّا إذا كانت بعض التوصيات المطروحة تنطلق من أولويات داخلية خالصة، أم أنها تتقاطع –بدرجات متفاوتة– مع اعتبارات المنافسة الدولية، لا سيما في ظل الحضور المتنامي لنماذج اقتصادية بديلة تسعى إلى توسيع نطاقها في الأسواق النامية.

وفي المقابل، يشهد العالم صعود تجارب تنموية أكثر مرونة، يأتي في مقدمتها النموذج الذي أعاد تعريف العلاقة بين الدولة والسوق، عبر مزيج يوازن بين التوجيه الاستراتيجي وآليات السوق، ويركز على بناء القاعدة الإنتاجية وتعزيز الاستقلال النسبي في القرار الاقتصادي. وقد أثبتت هذه التجارب قدرتها على تحقيق نمو متسارع، دون التفريط بأدوات السيادة الاقتصادية أو الارتهان الكامل لوصفات خارجية.

من هذه الزاوية، لم يعد النقاش يدور حول تبني نموذج بعينه، بقدر ما بات يتمحور حول قدرة الدول على إعادة تموضعها بذكاء داخل النظام العالمي، عبر انتقاء ما يتوافق مع مصالحها، وتجنب الانخراط في مسارات أثبتت محدودية أثرها في بيئات مشابهة.

وبالنسبة لليمن، فإن الفرصة الراهنة تبدو أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فالموقع الجغرافي، والتحولات في ممرات التجارة والطاقة، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، كلها عوامل تضعه أمام لحظة يمكن توظيفها لإعادة بناء دوره الاقتصادي. غير أن الاستفادة من هذه اللحظة تظل رهينة بمدى القدرة على تبني مقاربة مختلفة، تعيد الاعتبار لدور الدولة في توجيه التنمية، وتربط الانفتاح الخارجي بأولويات الداخل، لا العكس.

وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاستجابة لإشارات المؤسسات الدولية بقدر ما يكمن في كيفية توظيفها ضمن رؤية وطنية أوسع، تقوم على:
• إعادة بناء الدور التنموي للدولة في القطاعات الاستراتيجية.
• توجيه الموارد نحو الاستثمار الإنتاجي والبنية التحتية، لا سيما الموانئ وسلاسل الإمداد.
• إعادة صياغة العلاقة مع الخارج على أساس الانتقائية، لا التبعية.
• تطوير أدوات السياسة النقدية بما يتسق مع الواقع المؤسسي، ويعيد وصلها بالاقتصاد الحقيقي.

خلاصة تحليلية:
إن مشاورات “المادة الرابعة” قد توفر قراءة مفيدة، لكنها لا تمثل بالضرورة خارطة طريق. وبين الاستمرار في استهلاك نماذج إصلاحية محدودة الأثر، والانفتاح على تجارب أكثر مواءمة للواقع، يتحدد مسار الاقتصاد اليمني.

والرهان الحقيقي لا يكمن في حجم التمويل أو طبيعة الإشادة، بل في القدرة على إعادة تموضع ذكي يستفيد من التحولات الدولية، ويؤسس لنموذج اقتصادي أكثر استقلالاً، وأكثر اتساقاً مع خصوصية اليمن ومصالحه.