آخر الأخبار

spot_img

شح السيولة: بين أوهام الأدوات ومنطق الواقع

“صحيفة الثوري” – (تحليل):

د. طارق عبدالرشيد ملهي *

في خضم النقاشات المتصاعدة حول أزمة السيولة، برز اتجاهٌ يروّج لتفعيل أدوات السوق المفتوحة –وفي مقدمتها الصكوك الإسلامية– بوصفها مدخلاً لمعالجة الاختناقات النقدية. كما تزامن ذلك مع تحركات رسمية تسعى إلى ضبط وتنظيم تمويل الواردات وتعزيز الرقابة على الأسواق، في محاولة لاحتواء تداعيات شح السيولة.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا لا يتعلق بجدوى هذه الأدوات في ذاتها، بقدر ما يتعلق بمدى قابليتها للتطبيق في بيئة تفتقر إلى مقوماتها الأساسية.

إن تفعيل أدوات السوق المفتوحة –بصيغها التقليدية أو الإسلامية– لا يقوم على مجرد الإطار النظري، بل يستند إلى جملة من الشروط المؤسسية المترابطة؛ في مقدمتها بيئة تشريعية وقانونية راسخة تُؤطّر ملكية الأصول محل الإصدار –لا سيما في حالة الصكوك– وتضمن وضوحها وقابليتها للتداول. كما يفترض وجود قطاع مصرفي يتمتع بملاءة كافية وسيولة فعّالة، وقادر على توليد طلب حقيقي على هذه الأدوات. إلى جانب ذلك، يظل توفر حد أدنى من الثقة في الجدارة الائتمانية للحكومة شرطاً حاسماً، بما يحقق توازناً مقبولاً بين مستوى المخاطر والعائد، ويجعل الاستثمار فيها خياراً عقلانياً ومحفّزاً للمتعاملين. وفي غياب هذه الشروط، تتحول هذه الأدوات من وسيلة لمعالجة شح السيولة إلى طرح نظري يصعب ترجمته عملياً.

ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة لبعض المعالجات التنظيمية التي تركز على ضبط الاستيراد أو تسريع إجراءاته، رغم أهميتها في جانبها الإجرائي. فهذه التدخلات –في جوهرها– تتعامل مع مظاهر الاختلال، لا مع أسبابه. إذ إن تنظيم الطلب على النقد في قنوات الاستيراد، أو تشديد الرقابة على الأسواق، لا يكفي بذاته لإعادة السيولة إلى مسارها الطبيعي، ما دامت جذور المشكلة كامنة في تعطّل تداولها داخل الاقتصاد.

ومن هنا، يبدو أن المقاربة الأكثر اتساقاً لا تنطلق من محاولة استدعاء أدوات تقليدية في بيئة غير مكتملة، بل من إعادة تعريف المشكلة ذاتها: نحن لا نواجه نقصاً في حجم النقود المتداولة، بقدر ما نواجه خللاً في حركتها.

في هذا السياق، يبرز خيار الإصدار النقدي –بحدود مدروسة– كأداة ظرفية لإعادة تشغيل دورة السيولة، لا لزيادتها المجردة. وتكمن فاعلية هذا الخيار في كيفية توجيهه؛ فعندما يُربط بصرف المرتبات، فإنه يضمن توزيع السيولة على قاعدة اجتماعية واسعة، تتجه بطبيعتها نحو الإنفاق الاستهلاكي اليومي، بما يعيد تحريك الأسواق بصورة تلقائية.

هذا النمط من الضخ يختلف جوهرياً عن الأشكال الأخرى، إذ يصعب معه تركز السيولة أو إعادة احتجازها، نظراً لتوزعها بين عدد كبير من الأفراد، واتجاهها المباشر نحو تلبية الاحتياجات المعيشية. ومن ثم، تنتقل تدريجياً عبر حلقات النشاط الاقتصادي، من تجارة التجزئة إلى سلاسل التوريد، وصولاً إلى قنوات الاستيراد، حيث يمكن –عبر أدوات تنظيمية– إعادة امتصاص جزء منها ضمن الإطار الرسمي.

غير أن نجاح هذا المسار يتطلب إطاراً مكملاً يعزز من كفاءته. ومن بين المقترحات العملية في هذا السياق، إنشاء مؤسسة اقتصادية استهلاكية ذات ملكية عامة، تتولى استيراد وتوزيع السلع الأساسية عبر شبكة فروع واسعة، مع اعتماد نظام البيع الآجل لموظفي الدولة. فهذه الآلية لا تسهم فقط في تخفيف الأعباء المعيشية، بل تتيح أيضاً استعادة جزء معتبر من السيولة المطروحة للتداول، وإبقائها ضمن دورة اقتصادية منظمة، فضلاً عن تنشيط القنوات المصرفية من خلال ربط عمليات السداد بها.

ومن زاوية أخرى، فإن ضخ السيولة بهذه الكيفية من شأنه أن يحدّ من جدوى الاكتناز والمضاربة، ليس نتيجة تغير الحوافز فحسب، بل لصعوبة إعادة تجميع السيولة الموزعة على نطاق واسع بين الأفراد، وهو ما قد يدفع بجزء من الكتلة النقدية المحتجزة إلى العودة إلى التداول، بما يعزز من مستوى النشاط الاقتصادي.

في المقابل، تظل المخاطر قائمة إذا ما أُسيء توظيف هذا الخيار، لا سيما في حال غياب التنسيق مع إجراءات تعزز الثقة، وتعيد تنشيط القنوات المصرفية، وتحدّ من تسرب السيولة إلى الاقتصاد غير المنظم. فالمشكلة، في جوهرها، ليست في الأداة بحد ذاتها، بل في البيئة التي تعمل فيها.

خلاصة القول، إن المفاضلة بين الأدوات النقدية والتنظيمية لا تُحسم بوجاهتها النظرية، بل بمدى اتساقها مع الواقع. وفي بيئة تتعطل فيها قنوات التداول، وتتراجع فيها فاعلية الوساطة المالية، يصبح الإصدار النقدي الموجّه –برغم طابعه الاستثنائي– أقرب إلى الحل العملي لإعادة تحريك السيولة، مقارنةً بأدوات تفترض وجود سوق لم تتشكل شروطها بعد.

* متخصص في تحليل السياسات النقدية