آخر الأخبار

spot_img

السياسة النقدية في اليمن: بين إدارة الأزمة ومحدودية الفاعلية

“صحيفة الثوري” – (تحليل):

د. طارق عبدالرشيد ملهي *

لم يعد النقاش حول الوضع النقدي في اليمن مقتصراً على تثبيت سعر الصرف، بل بات يلامس سؤالاً أكثر جوهرية: إلى أي مدى تستطيع السلطة النقدية ممارسة دورها التقليدي في إدارة السياسة النقدية، في بيئة تفتقر إلى مقوماتها المؤسسية؟

في التجارب الاقتصادية المستقرة، تنتقل آثار السياسة النقدية عبر جهاز مصرفي فعّال، يشكّل حلقة الوصل بين قرارات البنك المركزي وسلوك السوق. غير أن هذا الشرط يظل محل اختلال واضح في الحالة اليمنية، حيث يواجه القطاع المصرفي جملة من المحددات البنيوية التي تُقيّد دوره وتحدّ من فاعليته.

فالنظام المصرفي، في وضعه الراهن، يعاني من تراجع ملاءته المالية، وتآكل الثقة العامة، وتقلّص قدرته على الوفاء بالتزاماته تجاه المودعين، فضلاً عن تشظي بنيته المؤسسية في ظل الانقسام النقدي. كما اتسع نطاق التعامل خارج القنوات المصرفية، ما أضعف وظيفة الوساطة المالية، وأفقد الأدوات النقدية قنواتها الطبيعية للانتقال إلى الاقتصاد الحقيقي.

في ظل هذه البيئة، تتراجع قدرة أدوات السياسة النقدية على إحداث أثر ملموس، لتجد السلطة النقدية نفسها أقرب إلى إدارة توازنات هشة، منها إلى توجيه فعلي للسوق وفق أهداف محددة. وهو توصيف يضع البنك المركزي –بحكم الواقع– في موقع “مدير أزمة” أكثر من كونه “صانع سياسة نقدية” بالمعنى التقليدي.

ضمن هذا السياق، يبدو توصيف الأزمة باعتبارها “نقصاً في الكتلة النقدية” توصيفاً جزئياً لا يعكس جوهر الإشكال. فالمسألة لا تتعلق بحجم النقود المتداولة بقدر ما ترتبط بضعف دورانها داخل القنوات الرسمية. إذ لا تزال كتلة معتبرة من السيولة خارج الجهاز المصرفي، نتيجة اعتبارات الثقة، واتساع الاقتصاد غير المنظم، واختلال البيئة المؤسسية.

وعليه، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً لم يعد: كم يبلغ حجم النقود المتداولة؟ بل: كيف يمكن إعادة إدماجها في الدورة الاقتصادية المنظمة؟

في هذا الإطار، يبرز خيار توسيع الإصدار النقدي –في حدود مدروسة– كأداة ظرفية لمعالجة شح السيولة، خاصة فيما يتصل بصرف المرتبات. غير أن فعالية هذا الخيار لا تُقاس بقرار الطباعة بحد ذاته، بل بكيفية توجيه هذه الكتلة النقدية داخل الاقتصاد.

فعندما تُضخ السيولة عبر المرتبات، فإنها تتوزع على قاعدة اجتماعية واسعة، وتتجه بطبيعتها نحو الاستهلاك اليومي، ما يُعيد تنشيط حركة الأسواق. ومن ثم، تنتقل تدريجياً عبر حلقات التجارة والتوريد، وصولاً إلى قنوات الاستيراد، حيث يمكن –عبر أدوات تنظيمية مناسبة– إعادتها إلى الإطار الرسمي.

وبهذا المعنى، لا تمثل الطباعة النقدية –في هذا السياق المحدد– توسعاً منفلتاً، بقدر ما تعكس محاولة لإعادة تشغيل دورة السيولة المعطّلة. كما أن اتساع قاعدة المستفيدين من هذه الكتلة يجعل من الصعب إعادة تجميعها أو احتكارها، نظراً لتوزعها على قطاع الاستهلاك العائلي واتجاهها الطبيعي نحو التداول.

ومع ذلك، يظل هذا المسار محدود الأثر ما لم يترافق مع خطوات تعزز الثقة في الجهاز المصرفي، وتعيد تفعيل دوره الوسيط، وتحد من توسع القنوات غير الرسمية. فبدون هذه الشروط، تبقى المعالجة جزئية، وقابلة لإعادة إنتاج الاختلالات بصيغ مختلفة.

ومن زاوية أوسع، فإن مقاربة هذه القضايا تقتضي قدراً من التحفّظ المنهجي، نظراً لتداخل الاعتبارات النقدية مع ظروف مؤسسية وسياسية معقدة، وهو ما يجعل أي قراءة تحليلية أقرب إلى توصيف مرجّح للواقع، لا حكماً نهائياً عليه.

خلاصة تحليلية:
إن ما يواجهه الاقتصاد اليمني اليوم لا يختزل في نقص السيولة، بل يعكس أزمة أعمق في بنية النظام المصرفي، ومستوى الثقة، وكفاءة قنوات التداول. وفي ظل جهاز مصرفي محدود الفاعلية، تصبح أدوات السياسة النقدية أقل قدرة على التأثير، ويتحول دور البنك المركزي –بحكم المعطيات– من توجيه السوق إلى احتواء اختلالاته. ومن ثم، فإن استعادة فاعلية السياسة النقدية تظل رهينة بإعادة بناء بيئتها المؤسسية، قبل تفعيل أدواتها.

* متخصص في تحليل السياسة النقدية