“صحيفة الثوري” – (تحليل):
د. طارق عبدالرشيد ملهي *
لا يعني ثبات أو تحسّن سعر صرف الريال بالضرورة ثبات أو انخفاض أسعار السلع في الأسواق، كما كان يحدث في الماضي. هذا التحول يثير تساؤلاً مشروعاً لدى المواطنين: لماذا لم تعد الأسعار تستجيب لتحسن سعر صرف العملة؟
في البيئات الاقتصادية المستقرة، كانت العلاقة بين سعر الصرف والأسعار أكثر وضوحاً، حيث ينعكس تحسن العملة –بدرجة معقولة– على كلفة السلع، خصوصاً المستوردة. غير أن هذه العلاقة أصبحت اليوم أكثر تعقيداً، بعدما باتت عملية التسعير خاضعة لشبكة واسعة من العوامل المحلية والدولية.
على المستوى المباشر، لم تعد أسعار السلع تتحدد بسعر الصرف وحده، بل تتأثر بارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين، إلى جانب تقلب أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية. هذه العوامل مجتمعة تدفع بالكلفة النهائية إلى الارتفاع حتى في ظل ثبات أو تحسن سعر صرف الريال.
كما تلعب التوقعات دوراً مهماً في تشكيل الأسعار. ففي بيئة يغلب عليها عدم اليقين، يميل المستوردون والتجار إلى اعتماد هوامش ربح احترازية تحسباً لأي تغيرات مفاجئة في تكاليف الاستيراد أو توفر السلع، ما يجعل الأسعار أقل استجابة لمحدد سعر الصرف.
وبتحليل أعمق، فإن ما يُعرف بـ”التضخم المستورد” يحد من أثر سعر صرف العملة الوطنية، حيث تنتقل الضغوط التضخمية من الأسواق العالمية إلى الداخل عبر ارتفاع تكلفة المواد والسلع المستوردة. وقد زادت الاضطرابات الجيوسياسية الأخيرة من تعقيد هذه الظاهرة عبر رفع كلفة النقل والتأمين وإعادة تشكيل مسارات التجارة الدولية.
كما تتضاعف هذه التعقيدات بفعل اختلالات داخلية واضحة؛ فشح السيولة المحلية يقيد حركة السوق ويعطل المعاملات، ويضعف كفاءة التداول ويزيد من صعوبة التعاملات اليومية.
إلى جانب ذلك، تؤدي صعوبات النقل بين المحافظات إلى ارتفاع كبير في كلفة إيصال السلع، ليس فقط بسبب المسافة، بل أيضاً نتيجة زيادة أهلاك المركبات، وارتفاع مستويات المخاطر والانقطاعات.
كما تسهم إزدواجية الرسوم وتعددية الجبايات في تضخيم التكلفة، وهو ما ينعكس على الأسعار التي يتحملها المستهلك في نهاية المطاف.
أمام هذا الواقع، لم يعد من الممكن تفسير الغلاء بعامل واحد أو معالجته بأداة اقتصادية تقليدية. ولمقاربة هذه الإشكالية ضمن نطاقها المحلي، دون الخوض في أثر التضخم المستورد باعتباره معطىً حتمياً يصعب تكييفه، وذلك عبر عدة مسارات متوازية.
فعلى المستوى النقدي، تبرز الحاجة إلى تحسين كفاءة التداول عبر معالجة شح السيولة، واستبدال العملة التالفة، والتوسع في وسائل الدفع غير النقدي (الالكتروني)، بما يخفف أثر أزمة السيولة، ويعزز الثقة بأداء السلطة النقدية، ويسهل عملية تبادل السلع والخدمات.
أما في ما يتعلق بكلفة النقل، فإن فتح الطرق الرئيسية بين المحافظات، وتحسين كفاءة النقل عبر تنظيم المسارات ودعم صيانة وسائل النقل وتوفير احتياجات التشغيل الأساسية، وبما يخفض من مستوى الفاقد من السلع، كل هذا سيحدث أثراً ملموساً في خفض الأسعار.
وفي جانب الرسوم الحكومية، فإن توحيد الرسوم الجمركية والضريبية والحد من الجبايات غير القانونية وإعتماد أسلوب التميز الجمركي يمثل خطوة مهمة في تقليص الأعباء السعرية التي تثقل كاهل المستهلك. فهذه التكاليف تعد من أبرز أسباب ارتفاع الأسعار دون مبرر اقتصادي واضح.
وفي موازاة ذلك، يظل للدور الرقابي الرسمي أهمية، لكن ليس من خلال فرض تسعير إداري جامد، بل عبر رقابة متوازنة تحد من المبالغة في هوامش الربح وتعزز الشفافية داخل الأسواق.
* نقلاً عن صفحته بالفيسبوك

