آخر الأخبار

spot_img

الذكاء أم التعدين؟ حين يحسم العائد وجهة الاستثمار

“صحيفة الثوري” – (تحليل):

د. طارق عبدالرشيد ملهي

في ظل تسارع التحولات الرقمية، لم يعد كافياً النظر إلى التقنيات بوصفها أدوات محايدة، بل بات من الضروري تقييمها من زاوية كلفتها الطاقية وما تولّده من قيمة اقتصادية. وهنا تبرز المقارنة بين الذكاء الاصطناعي وتعدين العملات الرقمية بوصفها اختباراً عملياً لجدوى استخدام الموارد في الاقتصاد المعاصر.

فالذكاء الاصطناعي لا يُنتج سلعة بحد ذاته، لكنه يعيد تشكيل عملية الإنتاج برمّتها؛ إذ يتغلغل في قطاعات التعليم والصحة والصناعة والإدارة، رافعاً الكفاءة، ومقلّصاً الهدر، ومحسّناً جودة المخرجات. وبهذا المعنى، يتحول إلى قوة مضاعِفة للإنتاجية، تمكّن الاقتصاد من تحقيق قيمة أعلى باستخدام نفس الموارد.

في المقابل، يتركّز تعدين العملات الرقمية –خصوصاً في شبكات مثل البيتكوين– في تأمين المعاملات ضمن منظومة مالية رقمية. وهي وظيفة، رغم أهميتها التقنية، تظل محدودة الأثر المباشر على الاقتصاد الحقيقي؛ حيث يرتبط العائد فيها بدرجة كبيرة بتقلبات السوق، أكثر من ارتباطه بإنتاج قيمة مضافة ملموسة.

ولا يتوقف التباين عند طبيعة النشاط، بل يمتد إلى توزيع العائد. فالذكاء الاصطناعي يسهم في نشر مكاسب الكفاءة عبر مختلف القطاعات، ما ينعكس على المجتمع ككل، بينما يميل التعدين إلى تركيز العوائد ضمن نطاق ضيق، تحكمه كلفة الطاقة والقدرة التقنية.

ومن زاوية استراتيجية، يتبدّى الذكاء الاصطناعي استثماراً في المستقبل، لارتباطه بتعزيز الابتكار، وتطوير رأس المال البشري، وتحسين جودة الخدمات. أما التعدين، فيبقى نشاطاً محدود الأفق، ضعيف الصلة ببناء قدرات إنتاجية مستدامة أو خلق أثر تنموي واسع.

بيئياً، يستهلك المجالان طاقةً معتبرة، غير أن الفارق الجوهري يكمن في العائد من هذا الاستهلاك. فالذكاء الاصطناعي قادر –في تطبيقاته– على تحسين كفاءة استخدام الموارد وتقليل الفاقد، بينما يظل استهلاك الطاقة في التعدين قائماً دون انعكاس إنتاجي موازٍ على مستوى الاقتصاد الحقيقي.

أما من زاوية التنافس الدولي، فقد أصبح الذكاء الاصطناعي أحد مرتكزات القدرة التنافسية ومجالاً رئيسياً للتنافس الدولي، في حين يُنظر إلى التعدين بحذر تنظيمي متزايد، نظراً لارتباطه باستهلاك الطاقة وتقلباته الاقتصادية.

وفي السياق اليمني، تفرض ندرة الموارد إعادة توجيه الاستثمار نحو المجالات الأعلى كفاءة في توليد القيمة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي. فإدماجه في التعليم، واعتماده معياراً لكفاءة الأداء، وتضمينه في الهياكل المؤسسية، لم يعد خياراً تقنياً، بل ضرورة اقتصادية. في المقابل، يظل الاستثمار في الأنشطة كثيفة الطاقة ومحدودة الأثر –كتعدين العملات– محاطاً بمحاذير تتعلق بالجدوى والأولوية التنموية.

وفي المحصلة، إن المفاضلة بين المجالين لا تُحسم بحجم الطاقة المستهلكة، بل بقدرة كل منهما على تحويل هذه الطاقة إلى قيمة. وفي هذا الميزان، يتقدم الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لإعادة توظيف الموارد في خدمة الاقتصاد والمجتمع، بما يجعله أولوية في توجيه الاستثمار والاهتمام البحثي والتعليمي، مقابل نشاط يظل محدود الجدوى في أثره العام.

تنويه:
استند هذا المقال –في حدوده التحليلية– إلى معطيات حديثة ومقاربات مقارنة، جرى دعمها بالاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي في تجميع البيانات وصياغة الإطار التحليلي، مع اعتماد الكاتب لها في بناء هذا الطرح.