آخر الأخبار

spot_img

هل يتراجع “البترودولار”؟ قراءة في تحولات النظام النقدي العالمي

“صحيفة الثوري” – (تحليل):

د. طارق عبدالرشيد ملهي *

لا يمكن فهم التحركات الدولية الراهنة بمعزل عن الدور المحوري الذي لعبه الدولار، خصوصاً في تسعير النفط، فيما يُعرف بنظام “البترودولار”، والذي شكّل أحد أعمدة الهيمنة النقدية الأمريكية لعقود.

فخارج الحدود الأمريكية، لم يكن انتشار الدولار مجرد نتيجة لقوة الاقتصاد الأمريكي فحسب، بل لربطه حصرياً بتجارة النفط؛ حيث جرى تسعير صادرات الطاقة عالمياً بالدولار، ما خلق طلباً مستمراً عليه، وعزّز من قدرته على أداء دور العملة الاحتياطية الأولى عالمياً.

وفي هذا السياق، لطالما قوبلت أي محاولات للخروج عن تسعير النفط بالدولار بحساسية عالية، نظراً لما يمثله ذلك من تهديد مباشر لمكانة العملة الأمريكية في النظام المالي الدولي.

غير أن المؤشرات الراهنة توحي بوجود تحولات تدريجية في هذا المسار؛ حيث تتجه بعض الدول الكبرى –وفي مقدمتها الصين وروسيا– إلى توسيع استخدام العملات الوطنية في تسوية المبادلات التجارية، بما في ذلك تجارة الطاقة. وقد برزت، في هذا الإطار، ترتيبات لتسعير جزء من صادرات النفط بعملات بديلة، مثل اليوان أو الروبل، في سياق تقليل الاعتماد على الدولار.

وعلى المستوى الأعمق، تعكس هذه التحركات مسعى لإعادة تشكيل التوازنات في النظام النقدي العالمي، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتنامي الرغبة لدى بعض الاقتصادات الكبرى في بناء قنوات مالية أكثر استقلالاً.

في المقابل، تواجه الولايات المتحدة تحديات داخلية متزايدة، على رأسها تضخم الدين العام، الذي تجاوز مستويات قياسية، إلى جانب ارتفاع تكلفة خدمته؛ وهو ما يقيّد فعالية الأدوات التقليدية للسياسة النقدية، ويفرض ضغوطاً إضافية على صانع القرار الاقتصادي.

غير أن الربط المباشر بين هذه التحديات وبين الخيارات الجيوسياسية يظل محل نقاش؛ إذ تتداخل في توجيه السياسات الدولية اعتبارات متعددة، اقتصادية وأمنية واستراتيجية، يصعب اختزالها في عامل واحد.

وعليه، فإن ما يشهده العالم اليوم لا يمثل تحولاً حاسماً بقدر ما هو مسار تدريجي لإعادة التوازن داخل النظام النقدي الدولي، قد يحدّ من الهيمنة المطلقة للدولار، دون أن يؤدي بالضرورة إلى إزاحته في المدى القريب.

وخلاصة القول، إن الحديث عن نهاية وشيكة لـ“البترودولار” قد يكون مبالغاً فيه، لكن من الواضح أن قواعد اللعبة آخذة في التغير، وأن النظام النقدي العالمي يتجه نحو قدر أكبر من التعددية؛ وهو تحول ستكون له انعكاسات عميقة على الاقتصاد العالمي في السنوات القادمة.

* متخصص في الاقتصاد النقدي