صحيفة الثوري – كتابات
إياد أحمد
لم يكن برنامج عالم الشباب والرياضة مجرد نافذة أسبوعية تُبث على شاشة قناة صنعاء. كان هذا البرنامج ، في زمن ما قبل الفضائيات والإنترنت، مؤسسة معرفة قائم بذاتها. عند موعده الثابت، كان المشاهد اليمني يدخل طقسًا جماعيًا من الاكتشاف، حيث تتحول الرياضة من نتائج وأرقام إلى سردٍ حي متماسك، يجمع بين الخبر والتحليل والثقافة. لم يكن البرنامج يلهث خلف “المحتوى” كما نعرفه اليوم، بل كان يصنع مساراً متدرجًا للمتابعة، ويؤسس علاقة ذوقية طويلة الأمد بين أجيال كاملة من اليمنيين وبين الرياضة بوصفها لحظة اتصال تطوف زوايا الأرض وتعبر أرجاءها.
في قلب هذا العالم، كان صوت الأستاذ علي العصري ليس مجرد مقدم، بل وسيط ثقافي صاغ وعينا الرياضي بهدوء وسلاسة. عبره تعرفنا على الدوري اليمني بتفاصيله، وعلى ألعاب وطنية كانت تمر خافتة في الظل، ثم يمتد بسلاسة إلى الفضاءين العربي والدولي. لم يكن الانتقال اعتباطيًا، بل مبنيًا على أقسام تربط المحلي بالعالمي، وتمنح المشاهد إحساسًا بالانتماء إلى مشهد رياضي أوسع. لم تكن أسماء مثل إي سي ميلان أو بطولات دوري الأبطال، ولا حتى أبطال التنس والفورمولا ون، مجرد معلومات عابرة، بل عناصر في بناء ذائقة رياضية حديثة، تتشكل على وقع تعليق صوتي يرافق الصورة الذكية المنتقاة و الحدث بدقة واحترافية.
منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، كما تختزنها الذاكرة، كان برنامج عالم الشباب والرياضة يتفرّد ببناء بصري وسمعي شديد الإتقان لا يمكن نسيانه. فقد كانت شارة البداية، المصحوبة بإيقاع الأغنية الرائجة عالمياً (Taka Takata)بتوزيع المايسترو الفرنسي الشهير بول موريه، تؤدي وظيفة تتجاوز التعريف. إذ تهيئ المشاهد الدخول في حالة من التلقي المركز، تبدأ بصورة جوية لماراثون وطني يركض فيه مئات الشباب في ميدان السبعين بصنعاء، وتمتد إلى أرشيف عالمي زاخر بمشاهد إنجازات رياضية مؤثرة. وفي هذا التداخل بين الصورة والموسيقى، كان البرنامج يؤسس لحس بصري مواز للمعرفة ،ويجعل من لحظة المشاهدة تجربة متكاملة.
خلف هذه السلاسة، ثمة جهد معرفي شاق. في زمن بلا إنترنت، كانت المادة تُبنى من قراءة الصحافة العالمية، ومن الإصغاء الدؤوب للإذاعات، ومن تراكم ثقافي يتطلب صبرًا وفضولًا وانضباطًا مهنيًا. لذلك لم يكن تعليق العصري إنشائيًا أو انطباعيًا. وبذا كان يتمتع تعليق العصري بدقة التحليل و المواكبة، فلم يكن يكتفي بالسرد، بل يمارس نقدًا واضحًا، خصوصًا في تقييم أداء المنتخبات الوطنية. كان نقدًا صريحًا، لكنه يستند إلى معايير مهنية، لا إلى انطباعات عابرة. وفي المقابل، لم يكن يخفي انحيازاته العاطفية حين يتعلق الأمر بناديه الأثير، وحدة صنعاء حينما يتصدر جدول ترتيب الدوري العام الذي كان نجمه المحبوب في سبعينيات القرن الفائت، دون أن يخل ذلك بميزان الإنصاف طبعاً.
امتد حضور الكابتن علي العصري إلى الفضاء العربي، حيث شارك في التعليق على أحداث رياضية كبرى ضمن اتحاد الإذاعات العربية، بما في ذلك أولمبياد برشلونة وأتلانتا وكؤوس العالم. في تلك اللحظات، لم يكن يمثل نفسه فقط، بل كان يقدّم نموذجًا لإعلامي يمني قادر على الانخراط في التغطية الدولية بلغة مهنية رصينة، محتفظًا بنبرته ذات البحة المخملية وعربيته الصافية التي تجمع بين الوقار والشغف.
الأستاذ علي العصري ليس مجرد سيرة إعلامي، بل هو حكاية جيل تعلم أن الصحافة ليست مهنة للظهور، بل مسلكًا للمعرفة وصناعة الاهتمام. جيل آمن أن الوصول إلى العالم لا يمر عبر وفرة الوسائط، بل عبر جودة الوسيط. وحين نودعه اليوم، لا نودع إعلامياً مميزاً وحسب، بل زمنًا كانت فيه المعرفة تُبنى بإحكام، وتُقدَّم باحترام، وتُحفظ في الذاكرة بصوت واحد لا يُنسى.

