صحيفة الثوري– خاص
تحليل: خليل الزكري
يمثل الهجوم الصاروخي الذي أعلن عنه الحوثيون، اليوم، باتجاه النقب تطورا نوعيا في سلوك الجماعة، حيث ينتقل الخطاب من مستوى الإعلان السياسي إلى مستوى الفعل الميداني، في سياق يعبر عن تثبيت موقع داخل معادلة الصراع الإقليمي.
ويأتي هذا التحرك ترجمة مباشرة لما ورد في البيان العسكري الأخير حول الجاهزية للتدخل، بما يمنح الخطاب السابق درجة أعلى من المصداقية ويعيد تعريف موقع الجماعة كفاعل قادر على التأثير.
ويكتسب توقيت الهجوم دلالة مركبة، إذ يتقاطع مع سلسلة من المؤشرات المتتابعة، تبدأ بتصريحات مهدي المشاط ذات الطابع الاقتصادي المرتبط بالعلاقة مع السعودية، وتمر بالبيان العسكري الذي وضع قواعد اشتباك واضحة، وصولا إلى التحذيرات الدولية التي أطلقها نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف، أمس، حول مخاطر الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة، مستحضرا سيناريو فيتنام كنموذج للاستنزاف الطويل.
ويعكس هذا التتابع نمطا من التدرج المنهجي في بناء الموقف، تتكامل فيه الأبعاد السياسية والعسكرية والدولية في لحظة تنفيذ محسوبة.
أما طبيعة الهجوم، المتمثلة في استخدام صاروخ باليستي، استهدف النقب، فتحمل دلالات تتجاوز البعد العسكري المباشر، إذ تشير إلى امتلاك قدرات تصل إلى العمق الإسرائيلي، مع الحفاظ على مستوى تصعيد مضبوط يسمح بإيصال الرسالة دون دفع المشهد نحو انفجار شامل.
ويعزز ذلك صياغة الإعلان المصاحب للهجوم، التي تربط بين إيران ولبنان والعراق وفلسطين، بما يعكس تصورا متكاملا لوحدة الساحات ضمن إطار ردع إقليمي مترابط.
في المقابل، يعكس الرد المنسوب إلى مصدر أمني إسرائيلي عبر صحيفة معاريف مقاربة تقوم على إدارة التهديد ضمن هامش محسوب، حيث يجري التلويح بالرد دون تحديد طبيعته أو توقيته.
ويشير هذا النمط من الرد إلى رغبة إسرائيلة في الحفاظ على صورة الردع، مع ترك المجال مفتوح أمام خيارات متعددة تتناسب مع تطورات المشهد.
وتدرك إسرائيل أن الهجوم الحوثي يأتي ضمن سياق أوسع يتصل بتعدد الجبهات، وبالتحذيرات الدولية التي رفعت كلفة الانخراط في مواجهة واسعة، إلى جانب الحسابات المرتبطة باستقرار المسارات الإقليمية الأخرى.
على الصعيد المحلي، جاء الرد الرسمي للحكومة اليمنية معبرا عن الموقف الرافض للتحول الذي تقوده الجماعة؛ إذ أكدت في بيان لها أن التحاق الحوثيين بالدفاع عن النظام الإيراني يعرض الأمن الوطني والقومي لمخاطر جسيمة، واصفة ما يجري بأنه تكريس لنموذج كارثي من التوظيف الإيراني لجماعات مسلحة، تورط أوطانها في حروب خدمة لمشروع توسعي، تهدف إلى تقويض الدول الوطنية ومصادرة قرارها السيادي.
ويأتي هذا التطور في سياق استراتيجي أوسع يعكس انتقال الحوثيين عبر ثلاث مراحل متتابعة: تبدأ بالمساومة الاستباقية ذات الطابع الاقتصادي، ثم تنتقل إلى إعلان قواعد اشتباك واضحة، وتصل إلى مرحلة التنفيذ المحكوم الذي يهدف إلى تثبيت المصداقية.
ويعبر هذا المسار عن مقاربة تدريجية تسعى إلى بناء نفوذ تفاوضي دون دفع البيئة الإقليمية نحو تصعيد غير قابل للضبط.
كما يكشف الهجوم عن اختبار فعلي لمعطيات الردع المتعدد الأطراف، حيث تتجه الأنظار إلى طبيعة استجابة الفاعلين الإقليميين والدوليين، وفي مقدمتهم السعودية وإسرائيل والولايات المتحدة.
ويمنح هذا الاختبار الجماعة فرصة لقياس حدود التفاعل مع تحركاتها، لجهة الإسهام في إعادة ضبط سلوكها ضمن معادلة أوسع.
وفي ضوء هذه المعطيات، تتشكل عدة سيناريوهات محتملة، يتقدمها سيناريو الاحتواء الذي يقوم على تبادل ردود محدودة تعيد تثبيت قواعد الاشتباك دون توسيع نطاق المواجهة.
كما يبرز سيناريو التصعيد المحدود الذي قد يشمل توسيع نطاق الأهداف بشكل تدريجي، مع تدخل أطراف دولية لاحتواء التوتر.
ويظل سيناريو المواجهة الواسعة قائما ضمن حدود منخفضة الاحتمال، في ظل ارتفاع كلفته على مختلف الأطراف.
يشكل الهجوم الصاروخي على إسرائيل لحظة اختبار عملية لمعادلة الردع التي عمل الحوثيون على بنائها خلال الفترة الماضية، كما يعكس انتقال الجماعة إلى نمط إدارة صراع قائم على المزج بين الضغط العسكري المحدود والتوظيف السياسي للتصعيد.
وفي ظل التحذيرات الدولية من سيناريوهات استنزاف طويلة، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة من الردع المتبادل المحكوم، يدخل فيها اليمن كفاعل رئيسي في هندسة التوازنات الإقليمية، بما يجعل أي ترتيبات أمنية مقبلة مرتبطة بدرجة كبيرة بقدرة هذا الفاعل على التأثير في مسارات التصعيد أو التهدئة.

