آخر الأخبار

spot_img

الحوثيون بين إعادة التموضع و”المساومة الاستباقية” – قراءة تحليلية

“صحيفة الثوري” – خاص:

تحليل: خليل الزكري

يقدّم التصريح الصادر عن رئيس المجلس السياسي للحوثيين، مهدي المشاط، الذي نقلته قناة المسيرة التابعة للجماعة، بشأن دعوة السعودية “إلى الإسراع في تنفيذ الاتفاقات التي تقود نحو تحقيق السلام الشامل والدائم وتنفيذ متطلباته”، مؤشرات على تحول نوعي في طبيعة الخطاب السياسي الحوثي.

ويتجاوز هذا الخطاب حدود الضغط التفاوضي التقليدي، نحو بناء موقع إقليمي فاعل يستند إلى أدوات متعددة، تتداخل فيها الحسابات المحلية مع التوازنات الإقليمية والدولية.

كما يتجه تدريجيًا نحو ما يمكن وصفه بمنطق “المساومة الاستباقية”، الذي يقوم على توظيف لحظة التحولات الكبرى لفرض شروط قبل اكتمال إعادة تشكيل المشهد.

ويندرج هذا التحول في إطار سياق تصاعد الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على الجماعة، سواء عبر آليات العقوبات المالية، أو القيود المفروضة على التحويلات، أو من خلال الحضور العسكري المرتبط بحماية الملاحة في البحر الأحمر. وهو ما وثقته تقارير دولية متعددة، منها تقرير فريق الخبراء الأممي (S/2025/xxx) عند تناوله لتعقيدات الاقتصاد الموازي (اقتصاد الحرب) في اليمن، خصوصًا في مناطق سيطرة الحوثيين.

بموازاة ذلك، يتجه الخطاب الحوثي إلى إعادة توجيه مركز الضغط نحو السعودية، عبر ربط الاستقرار الاقتصادي والإنساني في مناطق سيطرة الجماعة بتنفيذ التفاهمات الثنائية، بما يحوّل أدوات الضغط الدولية إلى أوراق تفاوض غير مباشرة في العلاقة مع الرياض.

ويتزامن هذا التصعيد الخطابي مع غياب ردود رسمية مقابلة، الأمر الذي يفتح المجال أمام قراءة تتصل بإدارة صامتة للتفاوض وتأجيل محسوب لحسم الملفات الاقتصادية ضمن حسابات أوسع.

وفي مستوى موازٍ، يعكس التصريح نمطًا متقدمًا في إدارة العلاقة مع الرياض، يقوم على الموازنة بين التلويح بالتصعيد والتمسك بمسار التهدئة، إذ يقول المشاط في تصريحه: “استمرار مماطلة السعودية وأمريكا في تنفيذ الاستحقاقات لن يجعل صبر شعبنا بلا حدود”.

ويأتي ذلك في إطار معادلة تشكلت ملامحها منذ الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة، والتي أشار إليها مبعوثها الخاص هانس غروندبرغ في إحاطاته بوصفها نقطة تحول في خفض العمليات العسكرية وفتح مسارات تفاهم جزئية.

ويقود هذا المسار إلى إعادة تعريف الدور السعودي من طرف مباشر في الصراع إلى وسيط ضامن لترتيبات الاستقرار، خاصة في الملفات الاقتصادية الحيوية.

وفي هذا السياق، يتراجع الدور الأممي إلى موقع الوسيط الإجرائي المعني بإدارة التفاصيل، في مقابل صعود التفاهمات الثنائية باعتبارها الإطار الأكثر تأثيرًا في اتخاذ القرارات.

أما داخليًا، فيندمج الخطاب ضمن منظومة ينتهجها الحوثيون لإدارة المجال العام، تقوم على إعادة توزيع المسؤولية عن التدهور المعيشي باتجاه الخارج، مع بناء سردية سياسية تربط تحسن الأوضاع بتنفيذ التزامات خارجية، الأمر الذي تؤكده تقارير اقتصادية دولية حول أثر الانقسام المؤسسي وتقييد الإيرادات، خصوصًا تقرير البنك الدولي (أكتوبر 2025).

ويتصل ذلك بتحول الاقتصاد إلى أداة ضغط مركزية، حيث يجري نقل كلفة العجز المالي، خاصة في ظل تراجع الإيرادات المرتبطة بالصادرات إلى الخارج، عبر ربط الاستقرار الاقتصادي بتنفيذ التزامات مالية، بما يحوّل ملفات الرواتب والموانئ وتصدير الغاز والنفط إلى رافعة تفاوضية لإعادة تشكيل توازنات القوة.

ويتكامل هذا كله مع سياق إقليمي أوسع يتسم بارتفاع مستوى التوتر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وباتساع رقعة الاشتباك غير المباشر في الممرات البحرية، إذ تتقاطع الجغرافيا اليمنية مع معادلات الأمن البحري الدولي. وفي هذا الإطار، يظهر تزامن محسوب في إيقاع التصعيد يتوافق مع أولويات إيران في إدارة الضغط الإقليمي، بما يعكس مستوى من التنسيق غير المعلن بين أطراف تتقاطع مصالحها الاستراتيجية، دون أن يلغي ذلك خصوصية الحسابات المحلية لكل فاعل.

وتكتسب هذه القراءة بُعدًا إضافيًا على ضوء ما نقلته رويترز عن مصادر إقليمية بشأن تركيز طهران على إدراج لبنان ضمن أي ترتيبات لوقف إطلاق النار، وربط مسار التهدئة بوقف العمليات الإسرائيلية ضد حزب الله، وتقديم ضمانات له بشأن إدراجه في أي ترتيبات أوسع، وهو ما يشير إلى إعادة ترتيب واضح للأولويات داخل شبكة النفوذ الإقليمي، تتقدم فيها بعض الساحات على حساب أخرى.

وفي هذا السياق، يبرز حضور أقل وضوحًا للساحة اليمنية ضمن هذه الأولويات، الأمر الذي يفسح المجال أمام الفاعلين المحليين، وفي مقدمتهم الحوثيون، لتوسيع هامش حركتهم والسعي إلى إعادة تعريف موقعهم داخل هذه الشبكة، عبر الانتقال من موقع الارتباط إلى موقع التأثير في مساراتها.

وعلى ضوء الطروحات المتداولة التي كشفت عنها وثيقة الـ15 نقطة الأمريكية المسربة حول إعادة هيكلة النفوذ الإقليمي، بما في ذلك البنود المرتبطة بتفكيك شبكات الفاعلين المحليين المرتبطين بإيران، وإعادة ضبط مسارات التمويل والتسليح، يكتسب هذا التصريح دلالة إضافية تتجاوز السياق اليمني المباشر.

كما يعكس سعيًا لإعادة التموضع داخل هذه التحولات، لجهة تقديم الجماعة كفاعل يمتلك استقلالية قراره وقدرته على التأثير، وهو ما يظهر في التركيز على الملفات الاقتصادية والعلاقة مع السعودية، بدل الانخراط في خطاب إقليمي تصعيدي مباشر.

ويمتد هذا التموضع إلى محاولة استباق أي مقاربات قد تتجه نحو إعادة توزيع الأدوار داخل شبكات النفوذ، حيث تعمل الجماعة على رفع كلفة التعامل معها في إطار التفكيك، والدفع باتجاه مقاربة تقوم على إعادة الإدماج في ترتيبات إقليمية جديدة يكون لها فيها موقع فاعل.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة بعض المؤشرات التي تعكس نمطًا من التفاهمات السلوكية المحدودة عبر سلطنة عُمان مع أطراف إقليمية ودولية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، لجهة ضبط مستوى التصعيد في الممرات البحرية وعدم الانخراط في مواجهات إقليمية واسعة، مقابل تخفيف نسبي في الضغوط وفتح نوافذ اقتصادية غير مباشرة.

وتتعزز هذه القراءة عند ربط التصريح بالسياق الأوسع للنقاشات الاستراتيجية التي تناولت إعادة تشكيل شبكات النفوذ الإقليمي، حيث يندرج ضمن منطق تفاوضي يقوم على ربط ضبط السلوك الإقليمي بتنفيذ الاستحقاقات الاقتصادية، بما يحوّل التفاهمات الضمنية إلى أرضية للمطالبة بالتزامات أكثر وضوحًا.

ويعكس ذلك انتقالًا من موقع الاستجابة للضغوط إلى موقع المبادرة في إعادة تعريف شروط التفاعل، في لحظة إقليمية ترتفع فيها كلفة تجاوز الفاعلين المحليين القادرين على التأثير في معادلات الأمن.

وتتكامل هذه المستويات في بنية واحدة تربط إدارة الأزمة المعيشية داخليًا بإعادة تعريف العلاقة مع السعودية، وتوظيف ورقة البحر الأحمر في التفاعل مع الولايات المتحدة، في سياق أوسع لإعادة تشكيل النفوذ المرتبط بإيران، وهو ما يمنح الخطاب الحوثي طابعًا مركبًا يجمع بين المحلي والإقليمي والاستراتيجي.

وبناءً على ما سبق، يتضح أن تصريح المشاط يتجاوز كونه دعوة لتسريع تنفيذ اتفاقات سابقة، ليتحول إلى أداة في مساومة إقليمية أوسع، تسعى من خلالها الجماعة إلى إعادة تعريف موقعها من فاعل مرتبط بشبكة نفوذ إلى طرف مشارك في إدارة الاستقرار.

وتحاول الجماعة استغلال لحظة إعادة توزيع الأدوار داخل شبكات النفوذ، والحاجة الإقليمية والدولية إلى ضبط الجبهة اليمنية، بما يعكس إدراكًا متقدمًا لطبيعة التحولات الجارية ومتطلبات البقاء كجزء من معادلة القوة.