صحيفة الثوري – كتابات
ناجي محمود العيفري
إن النقد الذي وجه إلى الفريق محمود الصبيحي حول مسألة العلم، لا يمكن فصله عن السياق الذي أُنتج فيه ذلك الموقف فالتاريخ يقرأ بوصفه شبكة من الإكراهات والاختيارات الناقصة،وعندما نعود إلى لحظة 2015م نجد أن الفاعل الجنوبي لم يدخل السلطة من موقع الندية السياسية بل من موقع الضرورة ضرورة فرضها فراغ القوة، وتقاطعات الإقليم واستعجال الفعل قبل اكتمال الوعي المؤسسي.
لقد ذهبت قيادات الجنوب إلى السلطة قبل أن تنجز ذاتها ككيان سياسي متماسك وهذا مأزق تأسيسي انتقدناه في وقته،إذ كيف يمكن لكيان لم يكتمل بعد أن يفاوض على قضيته داخل بنية دستورية تلزمه نصا وروحا بالحفاظ على وحدة هو في الأصل يعترض على شكلها القائم؟ هنا تتبدى الإشكالية إنهم كانوا في آن واحد داخل المنظومة وخارجها يؤدون قسمها ويحاولون في الوقت نفسه إعادة تعريفها.
ومن هذا المنظور فإن اتهام هؤلاء بازدواجية الموقف قد يكون تبسيطا مخلا فالمناورة السياسية في لحظات التحول ليست خيانة بالضرورة بل قد تكون أحد أشكال البقاء داخل اللعبة، منعا لإقصاء القضية ذاتها وإذا سلمنا، جدلا أن الدخول في السلطة كان تكتيكا مرحليا، فإن السؤال الأجدر بالطرح اليوم هو هل تغيرت شروط اللعبة أم ما زالت ذاتها التي فرضت ذلك التكتيك؟
إن القيادات الجنوبية التي تتبوأ اليوم مواقع في السلطة سواء في المجلس الرئاسي أو الحكومة أو الإدارات المحلية لا يمكن نزع صفتها الجنوبية لمجرد وجودها داخل بنية الدولة القائمة بل إن حضورها في أحد أبعاده يمثل محاولة لإبقاء الجنوب حاضرا في معادلة القرار ولو ضمن حدود ضيقة وهنا يتقاطع السياسي بالخدمي فإدارة شؤون الناس جزء من المعركة ذاتهابمعناها الاجتماعي.
غير أن الخطاب الذي يقسم الأشخاص إلى مناضل وخائن وفق انتماءات ضيقة،إنما يعيد إنتاج الانقسام الذي يدعي مقاومته فحين يصبح معيار الوطنية هو القرية أو الجهة لا الموقف المركب في سياقه فإننا ننتقل من نقد السياسة إلى تمزيق المجتمع وهذا في ذاته خطر على القضية أكثر من أي اختلاف في التكتيك.
إن القضية الجنوبية اليوم أمام معادلة مركبة ضرورة المناورة داخل الممكن دون التفريط في الأفق أي الجمع بين الفعل السياسي المرن والفعل الشعبي الضاغط دون أن يلغي أحدهما الآخر فالثورات لا تستمر بالشعارات وحدها كما أن التسويات لا تنجح دون سند شعبي يبقيها ضمن سقف الطموح.
وفي هذا الإطار، يصبح الحوار ضرورة، لا ترفا لكن ليس أي حوار بل ذلك الذي ينتج إطارا سياسيا قابلا للاعتراف إقليميا ودوليا دون أن يفقد صلته بإرادة الناس فإن أفضى هذا الحوار إلى ما يلبي الحد الأدنى من تطلعات الجنوبيين كان ذلك تطورا في مسار القضية وانجازا جنوبيا نبني عليه ونناضل حتى تحقيق كامل الأهداف ، أما إن فرضت مخرجات لا تعبر عن تلك الإرادة فإن القول باستمرار الفعل الثوري توصيفا لواقع لم يحل بعد وهي معادلة واقعية عدم وجود حلول حقيقية تلبي طموح شعب الجنوب توجد ثورة وغضب .
هكذا لا يكون الدفاع عن محمود أو غيره هو القضية بل الدفاع عن حق السياسة في أن تفهم ضمن شروطها لا أن تختزل في أحكام أخلاقية قاطعة فبين المثال والواقع مساحة اسمها التاريخ وفيها تتحرك الشعوب متعثرة أحيانا لكنها لا تتوقف عن البحث عن صيغتها الأجدر.

