“صحيفة الثوري” – خاص:
تحليل: خليل الزكري
ثمة فرق جوهري بين قراءة الأحداث قراءة وصفية، وتفكيك آليات الصراع الكامنة وراءها، فكثير من التحليلات التي تتعامل مع التصعيد في ممرات الطاقة تنطلق من فرضية أن هذه الممرات تحولت إلى ساحات معارك تستكمل فيها المواجهات العسكرية التقليدية.
هذا التوصيف الدرامي، على جاذبيته، يحجب الفهم الدقيق لطبيعة التحول الجاري في المنطقة، خصوصا بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران.
في الواقع تحولت الممرات البحرية، بمضيق هرمز ومضيق باب المندب، إلى أدوات ضغط استراتيجي توظف في صراع متعدد الطبقات.
ويستخدم الفاعلون الإقليميون التهديد بتعطيل التدفقات التي تمر عبر الممرات كورقة ضغط جيواقتصادية وسياسية، فهذا الانتقال من السيطرة على الأرض إلى التحكم في التدفق هو ما يعيد تشكيل معادلات القوة في الشرق الأوسط، ويفرض مقاربة تحليلية جديدة تقوم على النمذجة الاستراتيجية وليس التوصيف الصحفي.
ويستدعي فهم هذا التحول الإجابة عن أسئلة أكثر عمقا:
من يملك أدوات التأثير في هذه الممرات؟
كيف تستخدم هذه الأدوات وما حدودها؟
وما السيناريوهات المحتملة في ضوء تغير المعطيات؟
وتقوم المقاربة هنا على تفكيك عناصر المشهد وإعادة تركيبها ضمن علاقات سببية واضحة، لا على اجترار المشهد الكلي بعناصره الدرامية.
ترتيب المسارح.. لماذا ليس كل المضائق سواء
ثمة تفاوت جوهري من حيث الأهمية الاستراتيجية بين ممرات الطاقة، وتجاهل هذا التفاوت ينتج قراءة مختزلة للمشهد.
فمضيقي هرمز وباب المندب لا يقعان في مرتبة واحدة، ولا يمارسان التأثير نفسه على الاقتصاد العالمي، ولا تستخدمهما الأطراف الفاعلة بالطريقة نفسها.
مضيق هرمز.. سلاح الصدمة بين التصعيد والضبط
يمثل مضيق هرمز المنفذ البحري الوحيد للخليج العربي إلى المياه المفتوحة، ويمتد بطول 167 كيلومترا، ويتراوح عرضه بين 33 و95 كيلومترا.
وتكمن الأهمية الحقيقية للمضيق في الأرقام التي تتدفق عبره، وليس في جغرافيته فقط؛ فالمضيق يستوعب عبور أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرا، وما يقارب خمس الاستهلاك العالمي من النفط ومشتقاته، بما يعادل نحو 20 مليون برميل يوميا (20٪ من الاستهلاك العالمي)، إضافة إلى نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
وتعني هذه الأرقام، أن أي اضطراب في مضيق هرمز ينعكس تأثيره بشكل فوري ومباشر على أسواق الطاقة العالمية؛ فالمضيق هنا يعمل كـ”سلاح صدمة”، قادر على رفع أسعار النفط بعشرات الدولارات في غضون ساعات، وخلق أزمة ثقة تمتد إلى الأسواق المالية والتأمينية.
ولهذا تتركز قدرة إيران على التهديد بإغلاق المضيق كورقة ضغط قصوى، ليس لأن طهران تمتلك بالضرورة القدرة على إغلاقه كليا لفترة طويلة، ولكن لأن مجرد التهديد الجدي كاف لإحداث قفزة سعرية تضع العالم أمام اختبار جدي.
وتعكس المؤشرات الأخيرة هذه الديناميكية بكل وضوح، فمع دخول الحرب في إيران أسبوعها الثالث، سجل خام برنت مستويات قاربت 107 دولار للبرميل، وهذا الارتفاع، يأتي نتيجة لتراكم رسائل التصعيد والضربات المتبادلة التي أعادت إحياء سيناريوهات التهديد للمضيق في أذهان المتعاملين.
غير أن مشهد المضيق لا يكتمل عند حدود الضغط المرتبط بالتهديد، إذ يتشكل في موازاة ذلك نمط مغاير من التأثير تمارسه سلطنة عمان، انطلاقا من موقعها الجغرافي المشرف على الضفة المقابلة، ومن نهجها السياسي القائم على الحياد النشط وإدارة التوازنات، وذاك يمنحها قدرة على الإسهام في ضبط إيقاع التوتر ومنع انزلاقه إلى مستويات تفقد معها الملاحة البحرية الحد الأدنى من الاستقرار.
ويظهر هذا الدور في حفاظ مسقط على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف، وفي توظيف خبرتها الدبلوماسية المتراكمة في إدارة قنوات خلفية للتواصل، بما يتيح تخفيف حدة التصعيد عند لحظات الاحتكاك المرتفع، ويمنح المضيق هامشا من الاستقرار النسبي داخل بيئة تتسم بارتفاع مستويات المخاطر.
وعلى هذا الأساس، يتشكل مضيق هرمز بوصفه فضاءً تفاعليا تتقاطع فيه ديناميكيتان متوازيتان: ديناميكية ضغط تصاعدي ترتبط بالتهديد باستخدام الممر كورقة جيواقتصادية، وديناميكية ضبط تعمل على احتواء هذا التصاعد ضمن حدود تمنع تحوله إلى كسر كامل في التدفقات، وهو توازن دقيق يعيد تعريف طبيعة السيطرة من بعدها العسكري التقليدي إلى بعد أكثر تعقيدا يقوم على إدارة المخاطر.
باب المندب.. ساحة الإنهاك
في المقابل، يقع مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ويشرف عليه اليمن جغرافيا.
تمر عبر هذا المضيق نحو 12% من التجارة العالمية، وتحديدا التجارة الرابطة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس، وفق تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية.
لكن طبيعة التأثير هنا مختلفة، فالتهديد في باب المندب لا يحدث قفزة سعرية فورية كما في هرمز، ولكنه يمارس ضغطا تراكميا عبر تعطيل سلاسل الإمداد، ما يؤدي إلى رفع تكاليف النقل والتأمين، وإجبار شركات الشحن على إعادة توجيه مساراتها إلى رأس الرجاء الصالح، وهو خيار يطيل مدة الرحلة بأسبوعين إضافيين ويزيد استهلاك الوقود وتكاليفه.
ويخلق هذا التحويل حالة من “عدم اليقين الدائم” تتعطل معها حسابات المستثمرين وشركات التأمين، وتحدث تأثيرا مضاعفا على الاقتصاد الحقيقي.
لهذا يمكن وصف مضيق باب المندب بأنه “ساحة إنهاك” أكثر منه سلاح صدمة؛ فالضغط هنا يستهدف الشركات الحقيقية وسلاسل التوريد وحركة البضائع أكثر مما يستهدف الأسواق المالية مباشرة، وهو ضغط أقل إثارة من إغلاق مضيق هرمز، لكنه أكثر استنزافا على المدى الطويل.
هذا التمايز بين المسرحين يستدعي مقاربة مختلفة لكل منهما، فالتعامل مع تهديد مضيق هرمز يتطلب أدوات استباقية تمنع الوصول إلى نقطة الاشتعال، بينما التعامل مع تهديد باب المندب يتطلب قدرة على الصمود في مواجهة ضغط تراكمي قد يمتد لأشهر أو سنوات، وهو ما يفرض قراءة مزدوجة للممرات لا تختزلها في مستوى واحد من الفعل.
زمام المبادرة.. من التوزع إلى إعادة التوازن
يأخذ مفهوم المبادرة في المشهد الإقليمي الراهن طابعا مركبا يتجاوز القراءة الثنائية التي تحصر الفعل بين طرفين متقابلين، إذ تكشف المعطيات الميدانية عن تعددية في أنماط المبادرة تعكس اختلاف الأدوات والأهداف والسقوف السياسية.
هذه التعددية تفرض إعادة بناء هذا المحور التحليلي ضمن إطار يتسع لاستيعاب الفاعلين المباشرين وغير المباشرين، وتعطي وزنا للحراك الإقليمي الذي يتشكل بهدوء حول أمن الممرات البحرية.
ضمن هذا السياق، تتوزع المبادرة بين أربعة أنماط رئيسية متمايزة، تمارسها أطراف مختلفة لكل منها منطقه الخاص في إدارة الصراع، وحدوده التي يتحرك ضمنها، بأدوات وأهداف متباينة.
النموذج الإيراني.. مبادرة موسعة غير مباشرة
تعتمد إيران في إدارة الصراع على شبكة مسلحة واسعة من الفاعلين غير الحكوميين الموزعين على عدة جبهات.
وتضم هذه الشبكة حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي وفصائل أخرى في العراق، وجماعة الحوثي في اليمن.
ما يميز هذه الشبكة أنها تتيح لطهران توجيه ضربات متعددة في وقت واحد، مع الحفاظ على هامش إنكار سياسي يقيها التداعيات المباشرة.
ويتجاوز الهدف الاستراتيجي لهذا النمط مجرد إلحاق الضرر بالخصم، بهدف رفع كلفة الردع الإسرائيلي والغربي، وإجبار الأطراف المنافسة على توزيع جهودها على جبهات متعددة، وخلق حالة من الاستنزاف المزمن تضعف معه القدرة على التركيز في مواجهة إيران نفسها.
ويظهر أثر هذا النمط بوضوح في استهداف الممرات البحرية عبر أدوات منخفضة الكلفة نسبيا، كالصواريخ والطائرات المسيرة، بما يعزز القدرة على التأثير في التدفقات دون الحاجة إلى السيطرة الكاملة على الممرات.
ويسعى هذا النمط من المبادرة إلى مراكمة مكاسب تدريجية عبر إبقاء الصراع مشتعلا بدرجة محكومة، أكثر من تحقيق نصر حاسم.
النموذج الإسرائيلي.. مبادرة مركزة ومباشرة
في المقابل، تميل إسرائيل إلى نمط مغاير من المبادرة يعتمد على الضربات المركزة والمباشرة.
ويكشف الاستهداف الإسرائيلي لمواقع النفوذ الإيراني في لبنان وسوريا واليمن، وفي بعض الحالات داخل إيران نفسها، عن استراتيجية تهدف إلى إعادة بناء قوة الردع عبر توجيه ضربات مؤلمة ومحدودة.
وهذا النمط من المبادرة يركز على تحقيق تأثير نوعي في لحظة زمنية محددة، لكنه لا يتحمل التوسع أو الاستمرار الطويل.
وكانت الضربات الإسرائيلية بدرجة أساس، تهدف خلال الفترة الماضية إلى إرسال رسالة واضحة مفادها أن تل أبيب تملك القدرة والإرادة لضرب العمق الإيراني، وأنها لن تلتزم بقواعد اشتباك تمنح طهران تفوقا تدريجيا عبر حرب الاستنزاف، وهذا ما تنتهجه خلال الحرب الجارية على إيران.
لكن نجاح هذا النمط، يقاس بمدى قدرته على إعادة ضبط معادلات الردع، وليس بحجم الخسائر المادية المباشرة.
النموذج الأمريكي.. إدارة الصراع عن بعد
في هذا السياق، تقدم الولايات المتحدة نموذجا ثالثا يختلف عن سابقيه، فواشنطن لا تنخرط في الصراع بشكل مباشر كما كانت تفعل في العقود الماضية، لكنها في المقابل لا تغيب عنه تماما.
ويمكن وصف الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بـ”الحضور المرن”؛ ما يعني أن الوجود العسكري قائم، والقدرة على التدخل المباشر محفوظة، لكن الانخراط الفعلي محدود ومشروط.
ويعكس هذا التحول، إعادة ترتيب للأولويات العالمية في ظل تعدد بؤر التوتر العالمية (أوروبا الشرقية، آسيا، المنطقة العربية، أمريكا الجنوبية).
وتفضل الولايات المتحدة اليوم إدارة الصراع عبر حلفائها الإقليميين، والاحتفاظ بورقة التدخل المباشر للحظات القصوى فقط، وذلك ما تعكس الرسائل الأمريكية الأخيرة، فالضغط على الحلفاء الأوروبيين والآسيويين للانضمام إلى مهمة مرافقة بحرية في مضيق هرمز يشير إلى رغبة واشنطن في توزيع الأعباء، وليس تحملها وحدها.
النموذج الإقليمي بقيادة السعودية: مبادرة استقرار بنيوي
يتشكل هذا النمط بوصفه مبادرة احتواء إقليمي تسعى إلى إدارة المخاطر بدل الانخراط في الصراع، عبر بناء منظومة استقرار بنيوي موازية تقلل من أثر التصعيد دون الدخول في مواجهته المباشرة.
وتقود هذا النمط السعودية، بمشاركة مصر وباكستان، وانخراط متزايد من تركيا ودول عربية وأخرى أفريقية مشاطئة للبحر الأحمر، ويتبلور حول هدف مركزي يتمثل في حماية استقرار الممرات البحرية ومنع تحولها إلى بؤر فوضى ممتدة.
ويستند هذا النمط إلى أدوات تختلف عن أدوات المواجهة المباشرة، ويركز على تعزيز التنسيق الأمني البحري، ودعم قدرات المراقبة والسيطرة على السواحل، وتوظيف القنوات الدبلوماسية لاحتواء التصعيد، إضافة إلى تقليل المخاطر الاقتصادية المرتبطة باضطراب سلاسل الإمداد.
وبحسب تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، فإن باب المندب يشكل شريانا حيويا لسلاسل الإمداد العالمية، ما يمنح هذا المحور دافعا مباشرا للتحرك، نظرا لاعتماده البنيوي على استقرار هذا الممر، سواء من خلال قناة السويس بالنسبة إلى مصر، أو عبر أمن الصادرات والواردات بالنسبة إلى دول الخليج.
ويأخذ هذا النمط طابع “الاحتواء الاستباقي”، الذي يعمل على منع تدهور البيئة الأمنية إلى مستوى يستدعي تدخلا واسعا، مع الحفاظ على مستوى منخفض من التصعيد يسمح بإدارة المخاطر دون تفجيرها، ما يعكس وعيا بأن كلفة الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة في بيئة الممرات البحرية تتجاوز المكاسب المحتملة، نظرا لتداخل الاقتصاد العالمي مع هذه المسارات الحيوية.
إلى جانب تعزيز التنسيق الأمني البحري ودعم قدرات المراقبة، يعتمد هذا النمط على استثمارات في البنية التحتية والموانئ والمناطق الاقتصادية، بهدف تحويل البحر الأحمر من مسرح صراع إلى محور لوجستي عالمي.
ويختلف هذا النمط عن النمط الأمريكي في أن الأخير يركز على إدارة الأزمة بأقل تكلفة عسكرية وحضور مرن، بينما يركز النمط الرابع على بناء منظومة إقليمية متكاملة من خلال الاستثمارات والبنية التحتية والشراكات طويلة الأمد، الأمر الذي يمنحه بعدا تنمويا مؤسسيا يتجاوز مجرد إدارة الصراع.
كما يكتسب هذا النمط بعدا مركبا مع حضور سلطنة عمان، التي تمثل جناحا مرنا داخله، يعتمد على الوساطة وخفض التصعيد، في مقابل الأدوار الأمنية الأكثر صلابة التي تقودها الدول الأخرى، وهذا يمنح المحور قدرة على الجمع بين أدوات الردع وآليات الاحتواء ضمن إطار واحد، ويؤسس لمنظومة إقليمية قادرة على امتصاص الصدمات، وليس الاستجابة لها فقط.
ولا يظل هذا التوجه في حدود التنظير، إذ تكشف المعطيات الميدانية عن ترجمته العملية في المساعي السعودية لإبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الحوثيين، بالتوازي مع حرص أمريكي وإسرائيلي على تجنب دفع الجماعة إلى الانخراط في المواجهة.
هذا التداخل في الأدوار يعكس إدراكا متزايدا لخطورة انزلاق مسرح باب المندب إلى قلب الصراع، ويؤكد أن نموذج الاستقرار البنيوي الذي تقوده السعودية لا يعمل في فراغ، ولكنه يتفاعل ضمن سياق المبادرة الموزعة التي تتقاسم فيها الأطراف المختلفة أدوار الاحتواء والتصعيد.
“المبادرة الموزعة”.. نحو توازن غير مستقر
يؤدي تفاعل هذه الأنماط إلى نشوء حالة من “المبادرة الموزعة”، توزع القدرة على التأثير بين فاعلين متعددين، لكل منهم أدواته وحدوده، ما يخلق توازنا ديناميكيا قابلا للتحول في أي لحظة تبعا لتغير المعطيات الميدانية أو الاقتصادية.
وفي هذا الإطار، تتداخل أنماط التصعيد والاحتواء ضمن معادلة واحدة، تتشكل من تراكب أربع ديناميكيات متزامنة: ضغط غير مباشر عبر الوكلاء، وضربات مركزة تعيد ضبط الردع، وإدارة دولية تحمي التدفقات، واحتواء إقليمي يسعى إلى منع الانفلات.
ويعكس هذا التداخل طبيعة المرحلة الراهنة، التي تحولت الممرات البحرية فيها إلى فضاء تتقاطع فيه استراتيجيات متباينة، تجمع بين الرغبة في التأثير والحرص على تجنب الانفجار الشامل، ضمن نظام إقليمي يعاد تشكيله على وقع الصراع على مسارات التدفق، لا على السيطرة التقليدية على الأرض.
ما ينتج عن هذه الأنماط حالة لا يستأثر بها طرف واحد، فكل طرف يمارس نوعه الخاص من المبادرة، ضمن حدود قدراته وأهدافه، مما يخلق توازنا غير مستقر قد ينقلب في أي لحظة.
وتكشف التصريحات الأخيرة الصادرة عن طهران والحوثيين عن انتقال نوعي في إدارة الضغط، حيث لم يعد التهديد محصورا بمضيق هرمز بوصفه سلاح صدمة، بل امتد إلى باب المندب كساحة إنهاك، في مؤشر على تفعيل منسق للمسرحين يعكس منطق المبادرة الموزعة، تتكامل فيه الأدوار بين الفاعل المركزي ووكلائه، بما يوسع نطاق التأثير ويعقد حسابات الردع الإقليمي.
البعد الجيواقتصادي.. من استهداف الإنتاج إلى استهداف التدفق
ربما يكون التحول الأكثر عمقا في الصراع الحالي هو الانتقال من استهداف مواقع الإنتاج إلى استهداف مسارات التدفق في الممرات البحرية.
وهذا التحول يعمل على إعادة تعريف العلاقة بين الجغرافيا والاقتصاد، وجعل نقاط الاختناق البحرية أدوات تأثير تفوق أهميتها مواقع الإنتاج نفسها.
إن استهداف منشآت الإنتاج النفطي، كما حصل في هجمات أرامكو 2019، أوقفت مؤقتا إنتاج نحو 5.7 مليون برميل يوميا (نحو نصف إنتاج السعودية آنذاك)، بيد أن الآثار كانت محدودة وقابلة للاحتواء، فمنشآت الإنتاج يمكن إصلاحها، والخسارة فيها مؤقتة، والتأمين يغطي جزءً من الأضرار، والأهم أن تأثيرها على الأسواق ينحسر بمجرد الإعلان عن البدء في أعمال الإصلاح.
أما استهداف التدفق عبر الممرات البحرية، أو التهديد به، يخلق معادلة مختلفة تماما، فالممرات البحرية جزء من نظام معقد يتضمن التأمين والنقل والتفريغ والتخزين والتسويق، والتهديد المستمر لهذه الممرات ينتج “حالة عدم يقين دائمة” تعطل حسابات كل الفاعلين في السلسلة.
فتواجه شركات الشحن أقساط تأمين متصاعدة قد تصل إلى مستويات غير مجدية اقتصاديا، بينما يضطر المستوردون للبحث عن مسارات بديلة أطول وأكثر كلفة، في حين يعيد المستثمرون حساب مخاطرهم في المنطقة بأكملها، وتضطر الحكومات المستوردة لاستخدام المخزونات الاستراتيجية بشكل استباقي.
وهنا تمتد تداعيات هذا التحول إلى سلاسل الإمداد العالمية برمتها، فإعادة التوجيه عبر رأس الرجاء الصالح، إلى جانب أنها تطيل الرحلة، تستدعي أساطيل إضافية لتعويض الوقت الضائع، وتزيد الطلب على السفن، وترفع أسعار الشحن عالميا، وتخلق اختناقات جديدة في موانئ بديلة غير مجهزة لهذه الزيادة المفاجئة.
اللافت في الأمر، أن هذا التحول يتزامن مع تحول آخر في استراتيجيات الدول المنتجة نفسها، حيث تنتقل شركات النفط الوطنية في المنطقة إلى نموذج متطور لإعادة تدوير رأس المال، بالاعتماد على تحقيق سيولة من البنية التحتية لتمويل التوسعات، مع الاحتفاظ بالسيطرة التشغيلية.
وهذا يعني أن المنطقة تطور في الوقت ذاته أدوات حماية اقتصادية من تداعيات الصراع، في إشارة إلى أن الفاعلين الإقليميين يستعدون لسيناريو طويل الأمد وليس لأزمة عابرة.
اليمن عقدة التحكم في باب المندب
يحتل اليمن في خريطة الصراع هذه، موقعا استثنائيا يتجاوز كونه ساحة تابعة لصراع أوسع، فإشرافه على مضيق باب المندب يمنحه مكانة “عقدة التحكم” في أحد أهم ممرات التجارة العالمية، وأي تطور فيه يتجاوز أثره على الإقليم إلى الاقتصاد العالمي.
وتمتلك جماعة الحوثي، بسيطرتها على مساحات واسعة من الساحل اليمني المطل على المضيق، قدرة استراتيجية على التأثير في حركة التجارة العالمية لا تمتلكها دول أخرى أكثر ثراءً وتسليحا.
وتحول هذه القدرة الجماعة من مجرد فاعل محلي ضمن شبكة إيرانية إلى لاعب قد يطور أجندته الخاصة مستفيدا من هذه الورقة الاستراتيجية.
ويفتح انتهاء بعثة الأمم المتحدة في الحديدة الباب أمام مرحلة جديدة تتراجع فيها آليات الرقابة الدولية، ما يمنح الحوثيين هامشا أوسع للمناورة، ويزيد من قدرتهم على توظيف هذا الممر الملاحي الحيوي كورقة ضغط.
وتراقب شركات الملاحة الدولية هذا التطور بقلق، خاصة في ظل غياب بدائل واضحة للمسار عبر البحر الأحمر.
وإذ تشير التقديرات، إلى أن كتلة تجارية معتبرة من التجارة العالمية تمر عبر هذا المسار، فتعطيله حتى ولو بشكل جزئي، يعني إعادة هيكلة جذرية لطرق التجارة بين آسيا وأوروبا، مع تداعيات تمس اليمن والمنطقة، لتمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
القوى الكبرى.. تباين مصالح وليس صمتا
إن توصيف موقف القوى الكبرى من التصعيد الحالي بأنه “صمت” أو “غياب” غير دقيق، فما قد يبدو غيابا هو في الواقع تباين في المصالح يؤدي إلى تباعد في المواقف، وهذا التباعد هو الذي يحول دون وجود إرادة دولية موحدة لحل الأزمة.
تتبع الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجية “الحضور المرن” المشار إليها سابقا، حيث تضغط على الحلفاء للمشاركة في تأمين الممرات، وتستخدم الاحتياطي الاستراتيجي لامتصاص الصدمات، وتستهدف البنية التحتية العسكرية دون التوسع إلى منشآت الطاقة؛ وهو سلوك يعكس رغبة في إدارة الأزمة لا في حلها، واحتواء التصعيد وليس إنهاء أسبابه.
أما الصين فتواجه معضلة حقيقية، إذ تعبر نحو 45% من واردات الصين النفطية عبر مضيق هرمز، بما في ذلك النفط الإيراني الذي يعاد تصديره عبر موانئ أخرى، في حين تشير التقديرات الرسمية الصينية إلى نسبة تقارب 33% للواردات المباشرة من دول الخليج.
ويعكس هذا الفارق ازدواجية في قراءة التبعية الاستراتيجية للصين لهذا الممر الحيوي. كما تربطها في الوقت ذاته علاقات اقتصادية متنامية مع إيران، ومصالح استثمارية ضخمة في إطار مبادرة الحزام والطريق.
هذا الموقع المعقد يفسر الهدوء الصيني الظاهر، الذي هو في الحقيقة ضغط دبلوماسي هادئ على طهران لتجنب التصعيد الذي يهدد وارداتها النفطية واستثماراتها.
وفي الأسواق العراقية، تستحوذ الشركات الآسيوية، ومعظمها صينية، على حصة رائدة من إنتاج النفط، وتشكل نحو 15% من قاعدة الموردين النشطين في المنطقة. وهو ما يجعل استقرار مضيق هرمز وباب المندب جزءً من الأمن الاقتصادي الصيني، وليس مجرد مسألة إمدادات طاقة.
إلى ذلك، تقدم روسيا النموذج الأكثر وضوحا للاستفادة من الأزمة، وتجد في ارتفاع أسعار الطاقة فرصة لتعزيز موقعها الاقتصادي في مواجهة العقوبات الغربية.
كما أن انشغال الولايات المتحدة وحلفائها بتصعيد الشرق الأوسط يخفف الضغط على الجبهة الأوكرانية، لهذا يمكن القول إن روسيا هي المستفيد الأكبر من استمرار التوتر بدرجة محكومة، دون الوصول إلى حرب شاملة قد تخرج عن السيطرة.
ويعني هذا التباين في المصالح، أن القوى الكبرى لن تتدخل لإنهاء الأزمة، لكنها ستتدخل فقط لمنعها من الخروج عن السيطرة بطريقة تهدد مصالحها جميعا، الأمر الذي يفسر استمرار حالة التوتر المدار لفترة طويلة.
سيناريوهات المستقبل.. من التوتر المدار إلى الانفجار الشامل
استنادا إلى تحليل عناصر المشهد السابقة، يمكن تقدير ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل المنطقة:
• السيناريو الأرجح: التوتر المدار
في هذا السيناريو، يستمر نمط الضربات المحدودة والهجمات عبر الوكلاء، مع بقاء التوتر مرتفعا دون الوصول إلى حرب شاملة.
ولا يتطلب هذا السيناريو قرارا من طرف واحد، لكنه نتاج توازن الردع القائم، حيث يعلم كل طرف أن التصعيد الكبير سيكلفه أكثر مما قد يكسب.
وتبقى في هذا السيناريو الممرات البحرية تحت تهديد مستمر، لكن دون إغلاق كامل، فأسعار النفط ترتفع لكنها لا تقفز إلى مستويات قياسية.
كما تتكيف شركات الشحن مع الواقع الجديد عبر مزيج من التأمين المرتفع والمسارات البديلة، ما يمكن الاقتصاد العالمي من امتصاص الصدمة لكن بتكلفة تراكمية تظهر في معدلات التضخم وتباطؤ النمو.
فهذا السيناريو قد يستمر لأشهر أو سنوات، لكنه الأخطر على المدى الطويل لأنه يطبع حالة الصراع الدائم ويحولها إلى واقع يومي تستنزف فيه جميع الأطراف.
• السيناريو الثاني: كسر التوازن
من المتوقع، في هذا السيناريو، أن تكسر قواعد الاشتباك القائمة، باستهداف السفن التجارية الأمريكية أو الإسرائيلية، أو ضربات واسعة لمنشآت نفطية في الخليج وإيران، أو محاولة إغلاق فعلي لمضيق هرمز أو باب المندب.
فهذه الاستهدافات، قد تستدعي تدخلا دوليا مباشرا، ربما عبر التحالف البحري الذي تسعى واشنطن لتشكيله.
في هذه الحالة، تعاد صياغة قواعد اللعبة، وقد تشن القوى الدولية ضربات محدودة لإعادة فتح الممرات، أو تفرض منطقة عازلة، أو تشدد العقوبات بشكل غير مسبوق، وتدخل المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد، لكن ضمن حدود مسيطر عليها، وليس انفجارا شاملا.
• السيناريو الثالث: الانفجار متعدد الجبهات
هذا هو السيناريو الأقل احتمالا لكنه الأخطر، حيث يمتد الصراع ليشمل لبنان والعراق والخليج واليمن وإسرائيل في وقت واحد.
ويدخل حزب الله المواجهة بكثافة، والفصائل العراقية تستهدف المصالح الأمريكية، وتتدخل جماعة الحوثي باستهداف الملاحة البحرية في البحر الأحمر، وترد إيران بضربات صاروخية واسعة تصل إلى العمق الإسرائيلي.
وفي هذا السيناريو، تنهار جزئيا أو كليا تدفقات الطاقة من المنطقة، ويضطر المجتمع الدولي لتدخل واسع لإعادة تشكيل النظام الإقليمي من جديد.
فهذا السيناريو كارثي على الجميع، ولذلك تعمل القنوات الدبلوماسية غير المعلنة على تجنبه، حتى في ذروة التصعيد.
وفي سيناريوهات كسر التوازن أو الانفجار، يمتد الدور العماني الذي يظهر في إدارة التوازن داخل مضيق هرمز، ليأخذ بعدا دبلوماسيا أوسع في لحظات كسر التوازن، حيث تتحول قنوات الاتصال التي تحافظ عليها مسقط إلى أدوات تدخل غير مباشر لاحتواء التصعيد.
الخلاصة: الممرات كمتغير استراتيجي مستقل
الخلاصة الجوهرية التي يفرضها هذا التحليل، هي أن الممرات البحرية تحولت من مجرد بنية تحتية للطاقة إلى متغير استراتيجي مستقل في معادلات الصراع.
وأصبح التحكم في التدفقات، أو التهديد به، أداة قوة لا تقل عن امتلاك أسلحة تقليدية أو قدرات نووية.
ويعيد هذا التحول تعريف العلاقة بين الجغرافيا والاقتصاد والسياسة؛ فالدولة التي تشرف على مضيق مهم، أو الجماعة التي تسيطر على شاطئ حساس، تمتلك قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي قد لا تمتلكها دول أكبر وأغنى.
ومن هنا يبرز اليمن كنموذج واضح، فموقعه على باب المندب يمنحه ورقة استراتيجية تتجاوز موازين القوة العسكرية أو الاقتصادية التقليدية.
وتشير المعطيات إلى دخول المنطقة مرحلة جديدة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والاقتصادية والسياسية ضمن معادلة واحدة: مضيق هرمز كـ”سلاح صدمة” وباب المندب كـ”ساحة إنهاك” يشكلان معا أدوات ضغط متكاملة في صراع متعدد الأطراف والجبهات.
القوى الكبرى منشغلة بتباين مصالحها، والقوى الإقليمية توزع أدوارها بين مباشر وغير مباشر، والفاعلون المحليون يجدون في الممرات البحرية فرصة لتجاوز وزنهم الحقيقي.
وفي خلفية هذا المشهد، يحتفظ النموذج العماني القائم على الحياد النشط والوساطة بدور مساعد في إدارة القنوات الخلفية، دون أن يتحول هذا الدور إلى نمط مبادرة مستقل، بقدر ما يعمل كآلية مرافقة تضبط إيقاع الأنماط الأخرى.
في هذا السياق، يحتاج صناع القرار إلى إعادة تقييم الَخاطر بناءً على تمييز دقيق بين المسارح المختلفة، فسياسات تأمين هرمز تختلف عن سياسات تأمين باب المندب، وأدوات التعامل مع التهديد المباشر تختلف عن أدوات التعامل مع الضغط التراكمي.
والأهم هنا، أن فهم طبيعة التحول من الصراع على الأرض، إلى الصراع على التدفق، هو شرط أساسي لبناء استراتيجيات فعالة تحمي المصالح في هذه المرحلة الجديدة من صراعات الشرق الأوسط.
فالتحول الجاري يعيد تعريف جوهر الصراع نفسه، من تنافس على السيطرة على الأرض، إلى تنافس على التحكم في التدفق، وهو تحول يغير طبيعة القوة ومعاييرها في الإقليم.

