“صحيفة الثوري” – (تحليل) – خاص:
خليل الزكري
تكشف القراءة المتأنية للتقرير الذي نشره موقع “Axios” الأمريكي بعنوان: “خلف الكواليس: فخ التصعيد الذي يواجهه ترامب” عن صورة أكثر تعقيدًا للحرب الدائرة في الإقليم من تلك التي تقدمها البيانات العسكرية أو التصريحات السياسية المباشرة.
التقرير الذي نُشر أمس الإثنين لا يقتصر على تقييم الضربة العسكرية على إيران فحسب، بل يفتح النقاش أيضًا حول قدرة الولايات المتحدة على إدارة النتائج الاستراتيجية في المنطقة.
يسلط التقرير الضوء على لحظة حساسة في مسار القرار الأمريكي، حيث تتقاطع حسابات القوة العسكرية مع حدود السياسة الواقعية، في مشهد يضع الإدارة الأمريكية أمام معضلة استراتيجية تتجاوز مجرد إدارة العمليات القتالية إلى استراتيجية أعمق تتعلق بكيفية تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية مستقرة.
ويشير بوضوح إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دخل هذه المواجهة وهو يتوقع عملية عسكرية قصيرة نسبيًا، تقوم على فكرة تحقيق ضربة قاسية وخاطفة تفرض معادلة ردع جديدة على إيران. وهي مقاربة تعكس، إلى حد بعيد، النمط الذي اتبعه ترامب طوال مسيرته السياسية، حيث اعتمد بصورة كبيرة على القرارات السريعة والتكتيكات الضاغطة التي تسمح له بالمناورة السياسية اللاحقة.
لكن ما لم يتنبه له ترامب هو أن الحروب بين الدول تختلف في طبيعتها جذريًا عن أدوات الضغط الاقتصادية أو السياسية؛ لأن نتائجها لا تتحدد بإرادة طرف واحد، بل بتفاعل معقد بين الإرادات والقدرات والبيئة الدولية والإقليمية المحيطة بالصراع.
ومن هنا تبرز الفكرة المركزية في التقرير، وهي ما يسميه الباحثون في الدراسات والتحليلات الاستراتيجية “فخ التصعيد”، وهو المفهوم الذي يشير إلى حالة تجد فيها القوة المتفوقة نفسها مدفوعة إلى توسيع عملياتها العسكرية بشكل متواصل بهدف إثبات الهيمنة وإظهار الحسم، حتى عندما تتراجع المكاسب الاستراتيجية لكل جولة جديدة من التصعيد. وهو نمط عرفته العديد من الحروب الكبرى في التاريخ المعاصر، حيث يتحول التفوق العسكري إلى عبء سياسي إذا عجز عن إنتاج نهاية واضحة للصراع.
وفي هذا السياق يعتقد التقرير أن واشنطن حققت بالفعل مكاسب عسكرية ملموسة في المرحلة الأولى من الحرب، إذ تشير المعطيات التي نقلها التقرير إلى تراجع كبير في وتيرة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، إضافة إلى التفوق الجوي الكامل الذي تمتلكه القوات الأمريكية والإسرائيلية فوق الأجواء الإيرانية، فضلًا عن الضربات التي طالت جزءًا كبيرًا من القدرات البحرية الإيرانية. وهي مؤشرات، وفقًا للتقرير، تعكس نجاحًا تكتيكيًا واضحًا في ساحة المعركة.
غير أن جوهر المشكلة، كما يكشف التقرير، يتعلق بقدرة هذه النجاحات العسكرية على إنتاج نهاية سياسية للحرب.
وتظهر هذه النقطة بوضوح في العبارة التي ينقلها التقرير عن أحد المسؤولين الأمريكيين، عندما قال إن الإيرانيين يستطيعون تحقيق هدفهم بمجرد بقاء النظام السياسي قائمًا.
هذه الملاحظة التي قدمها المسؤول الأمريكي تختصر الفارق الجوهري بين أهداف الطرفين في هذه المواجهة؛ حيث تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى تغيير ميزان القوة الإقليمي بصورة جذرية، بينما تركز إيران على هدف أكثر بساطة من حيث الظاهر وأكثر صلابة من حيث المضمون، يتمثل في القدرة على الصمود والاستمرار.
إضافة إلى ذلك، يقدم التقرير بُعدًا آخر لهذه المعادلة عندما يشير إلى الدور الذي يلعبه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في دفع مسار التصعيد، إذ يوضح أن الحكومة الإسرائيلية تميل إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية بهدف إضعاف النظام الإيراني بصورة حاسمة. وهي مقاربة تعكس رؤية استراتيجية ترى في هذه اللحظة فرصة لإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط على المدى الطويل. الأمر الذي يجعل مسار الحرب مرتبطًا بتفاعل معقد بين الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، وبين قدرة إيران على امتصاص الضربات وإعادة تنظيم أدوات المواجهة.
كما يكشف التقرير عن عامل آخر بالغ الأهمية يتعلق بإدارة القرار داخل البيت الأبيض، حيث يشير إلى وجود حالة من التردد لدى بعض المسؤولين قبل اتخاذ قرار الحرب. وهو ما وصفه أحد المصادر المقربة من الإدارة الأمريكية بحالة “ندم المشتري”، في إشارة إلى القلق المتزايد من أن تقدير كلفة المواجهة ونتائجها ربما كان أقل دقة مما ينبغي في لحظة اتخاذ القرار.
وتزداد أهمية هذه الملاحظة عندما توضع في سياق الخبرة السياسية للرئيس الأمريكي، الذي اعتاد التعامل مع الأزمات عبر خطوات سريعة تسمح له بإعادة صياغة الموقف لاحقًا، بينما تفرض الحروب بين الدول معادلات أكثر تعقيدًا؛ حيث يصبح التراجع أصعب، والتصعيد أكثر كلفة. وهو ما يجعل القرار العسكري في مثل هذه الحالات نقطة تحول استراتيجية يصعب التراجع عنها بسهولة.
وما يريد التقرير قوله صراحة هنا أن تصورات ترامب لإدارة الصراع تستند إلى خبرته الطويلة في عالم الأعمال، حيث القرار السريع والضغط الأقصى أدوات فعالة لتحقيق المكاسب. لكن هذه المقاربة اصطدمت بحقيقة أن الحروب، بعكس الصفقات التجارية، تخضع لمنطقها الخاص الذي لا يتحكم فيه طرف بمفرده.
وفي خلفية هذا المشهد تبرز أهمية العامل الاقتصادي والجيوسياسي المرتبط بالممرات البحرية للطاقة في الخليج، حيث يشير التقرير إلى أن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز يمكن أن يدفع أسعار النفط إلى مستويات تفرض على واشنطن إعادة الانخراط العسكري، حتى لو حاولت تقليص مشاركتها المباشرة في الحرب. وهو ما يعني أن الصراع يتجاوز مسألة توازن القوة العسكرية إلى السيطرة على أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي.
وتشير التقديرات التي نقلها التقرير عن مصادر داخل الإدارة الأمريكية وفي دول حليفة إلى أن الأزمة قد تمتد حتى نهاية سبتمبر المقبل، في إشارة تعكس إدراكًا متزايدًا لدى صناع القرار بأن الحرب قد تدخل مرحلة طويلة من الاستنزاف منخفض الحدة، وهو نمط من الصراعات يصعب فيه تحقيق انتصار حاسم، لكنه يسمح لكل طرف بالحفاظ على جزء من القدرة على التأثير والضغط.
وفي ضوء هذه المعطيات يمكن قراءة التقرير بوصفه تحذيرًا مبكرًا من لحظة استراتيجية قد تتحول فيها الحرب من عملية عسكرية محدودة إلى أزمة إقليمية طويلة الأمد تستنزف الجميع.
ومن هذه الزاوية تحديدًا تتضح المفارقة التي يلمح إليها التقرير بوضوح، حيث يرتبط مفهوم النصر بالنسبة لإيران بقدرتها على الحفاظ على بقاء النظام السياسي واستمراره.
وهي معادلة تعكس طبيعة الصراعات غير المتكافئة في العصر الحديث، إذ تتحول القدرة على الصمود إلى عنصر استراتيجي يوازي في أهميته التفوق العسكري، لتصبح نهاية الحرب مرهونة بميزان معقد يتداخل فيه عامل القوة مع الإرادة السياسية ومع عنصر الزمن، الذي غالبًا ما يكون العامل الأكثر حسمًا في مثل هذه الصراعات.
وللاطلاع على التقرير اضغط على الرابط التالي:
https://www.axios.com/2026/03/16/trump-iran-war-escalation

