“صحيفة الثوري” – (كتابات):
اللواء علي حسن زكي
إن وظيفة الطابور الخامس الرئيسية هي التخريب والتضليل والتجسس ونشر الفتنة. وقد ظهر هذا المصطلح، وصار متداولًا، خلال إحدى الحروب الأهلية عام 1936م، حين قال قائد القوات التي كانت تسعى لاقتحام الدولة إن هناك طابورًا خامسًا مخترقًا للحكومة من داخل العاصمة، وأن هناك أربعة طوابير عسكرية مجهزة لاقتحامها، فيما كان الطابور الخامس –وهو مجموعة العملاء والجواسيس المخترقين للداخل– يعمل على خلخلة الأوضاع وتقويض الثقة وبذر حالة الشك والشقاق في صفوف القيادة، وإيهامهم بأن منهم من هو على صلة بالطرف الآخر.
ناهيك عن كون الطابور الخامس، وبصورة عامة، سلاحًا فعالًا في ممارسة الحرب النفسية وبث الشائعات وأساليب التضليل، وزرع حالة الرعب والخوف بين صفوف العامة من القادم، وإثارة الاقتتال الداخلي، وتخريب الاقتصاد، وتدمير البنية التحتية.
لقد كانت مهمة الطابور الخامس تهيئة المناخ الداخلي وتسهيل دخول الطوابير العسكرية الأربعة. وهنا يمكن فهم تسميته بالخامس، ومعناه مجموعة العملاء والجواسيس، وفهم استمرار تداوله بذات التسمية ومكمن خطورته وسيرورته في كل الأعصار والأزمان. وما كنا قد تناولناه بشأنه من وقائع ذات صلة في موضوع سبق نشره بعنوان: (عن المعلومة والغرور وسوء تقدير الأمور في معادلة الهزيمة والانتصار) أنموذجًا.
وخلاصة القول: إن ما أوردناه فيما سلف ذكره، وما سيأتي أدناه –بصرف النظر عن مدى دقته وصحته– إنما هو لغرض واحد، وهو بيت القصيد؛ أي استفادة نخب بلدنا ومن يلزم، لما يمكن التحوط منه والاستفادة مما هو مفترض. وبالنظر لما خسره البلد من خيرة رجالات قياداته العسكرية والأمنية والحكومية في منصة العند ومنصة الجلاء، وفي الطرقات العامة بشكل عام، ناهيك عمن كتب الله لهم السلامة، كنتيجة للاختراق ومعلومة الإحداثيات، فضلًا عن اكتشاف خلايا مكلفة بأعمال إرهابية، وتجنيد شباب وعملاء لتقديم معلومات الإحداثيات أيضًا، وافتراض وجود خلايا نائمة.
وبشأن المعلومة، واتساقًا مع ما تقدم أعلاه، فإن هناك المعلومة الاستخبارية الناتجة عن اختراق وعمل مخابراتي، وهناك المعلومة العامة المتداولة في وسائل ومنصات التواصل الاجتماعي ومجموعات الواتساب. وبشأنها يلزم الدقة في تناولها، ولعل ما يضاعف من ذلك أيضًا الظروف الاستثنائية التي يشهدها البلد، وافتراض وجود أنشطة معادية وخلايا إرهابية ونائمة، قد يعهد إليها بمهام مثل: الاغتيالات، وتقديم الإحداثيات، وتخريب المنشآت والمصالح الحيوية الهامة، وإقلاق الأمن والاستقرار والسكينة للمواطنين، وإرباك الحياة العامة، واستدعاء ونبش موروث الماضي الأليم، واللعب على وتر الجهوية والمناطقية والقروية والقبلية، ومحاولة إحياء موروثها وإثارة البغضاء والشحن والعداء بين مكونات النسيج المجتمعي والسياسي والجغرافي الوطني/الجنوبي الواحد أيضًا.
لكل ما تقدم، ولما سيأتي ذكره، وكي لا يتم استخدام معلومات وسائل التواصل العامة غير النظيفة في تقديم خدمة مجانية للأعداء والمتربصين، ومن منطلق أن وسائل التواصل العامة أشبه بفنجان يمكن أن تشرب فيه العسل، ويمكن أن تشرب منه السم؛ وفي إطاره فإن المعلومة فيها الفائدة حين تكون نظيفة، وفيها الضرر حين يتم تلويثها. لكل ذلك يلزم الالتفات إلى الآتي:
• إن المعلومة العامة تتعرض، ودون التأكد من صحتها، للنسخ واللصق، والإضافة والنقصان، وللتأليف بغرض التباهي، وأن من يقوم بذلك قد يظن أنه محيط بالأمور، إن لم يكن لـ”حاجة في نفس يعقوب”.
• وتتعرض كذلك لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الدبلجة، وإسقاط خبر على صورة معينة والعكس، وما لذلك من أثر في تضليل الرأي العام وتعبئته بالفكرة التي يريد من يقوم بذلك توصيلها عبر وسائل التواصل.
• كما تتعرض لتسريب وتضليل بهدف إفزاع وتخويف العامة من حدث وهمي قادم لا وجود له.
• ولأخبار تكون من أساسها كاذبة، باسم شخصيات وازنة يتم اختراق حساباتها أو تقليد أصواتها أو انتحال أسمائها، بهدف تضليل الناس بصحتها.
• وتتعرض المعلومة العامة كذلك لما تقوم به الفضائيات الموجهة، والذباب الإلكتروني، وذوو الدفع المسبق أيضًا.
• كما تتعرض لخبر مكرر يتم تداوله دون تمحيص من أكثر من شخص، فيما مصدره واحد، وكل يعتقد أنه صاحب سبق، بما هو التضليل بعينه.
وفي هذا الإطار، فإن من الأخبار اللافتة تلك التي يتم تأليفها ويعتقد أصحابها أنها ترفع الآمال وسقف المعنويات، فيما هي في حقيقتها تخييب للآمال وتهبط بالمعنويات، ناهيك عن اهتزاز الثقة، ودون الخوض في التفاصيل…

