آخر الأخبار

spot_img

في الذكرى التاسعة لرحيل الفقيد العميد محمد طربوش سلام الشرجبي في 8 مارس 2017 (تاريخ نضالي زاخر بالمجد)

صحيفة الثوري – في الذاكرة

كتب/ مثنى السلامي

أثناء حضوري فعالية تأبين الفقيد العميد المناضل محمد طربوش في مقر الحزب الإشتراكي اليمني بالمعلا وذلك بالذكرى الأولى قال أحد الرفاق لرويدا محمد طربوش إنني كنت ضمن حراسة قيادة الحزب ومن المؤكد لديه ذكريات عن والدها، لذلك طلبت مني أن أدلي بما أتذكره عن المرحوم، ونزولاً عند رغبتها كنت قد كتبت ما أعرفه عن الفقيد لكني لم أتمكن من نشره وبقي بين الأوراق، حتى تذكرت أن الثامن من مارس هذا العام 2026م يكون قد مضى على رحيل الفقيد 9 سنوات، لذلك رأيت أنه من المناسب أن أقوم بنشر ما كتبته كجزء من تخليد الفقيد، الله يرحمه رحمة الأبرار ويسكنه فسيح جناته، حتى لا يضيع الموضوع بين الأوراق المهملة ولأن نشره يعد أفضل حتى يسهل حفظه والعودة إليه في أي وقت.

ماذا يمكنني القول عن الرفيق المناضل محمد طربوش سلام؟ بعد أن كتب عنه قبلي قادة كبار كانت لهم أدوار نضالية كبيرة في صنع تاريخ اليمن المعاصر شماله وجنوبه والذين زاملوا المناضل محمد طربوش منذ وقت مبكر من سفر النضال الوطني والتحرري لثورتي 26 سبتمبر 1962م و14 أكتوبر 1963م وكذا خلال النشاط السياسي في إطار الحركة الوطنية اليمنية المعاصرة والحزب الإشتراكي اليمني والجبهة الوطنية الديمقراطية في شمال اليمن. وهي كتابات تعد بمثابة شهادات من المذكورين عن الفقيد محمد طربوش بل تعد بمثابة أوسمة شرف ونياشين يرفعها أبناء وبنات الفقيد على صدورهم بفخر واعتزاز كبيرين لأن والدهم يمتلك مثل هذا التاريخ النضالي الزاخر بالمجد يحق لهم أن يتفاخروا به أمام الآخرين من أقرانهم.

غير أن ما كتب عن الفقيد لا يعفيني من الكتابة بما أعرفه عن الرفيق المناضل محمد طربوش نزولاً عند رغبة الدكتورة رويدا التي نتمنى أن يحذوا أبناء وبنات المناضلين حذوها هي وأختها أروى في الاهتمام بتاريخ آبائهم فلهن منا كل التقدير والامتنان على ما قمن به في إعداد كتاب وزع في حفل التأبين المشار إليه آنفاً.

كما أن الكتابة عن أي مناضل تعد في تقديري جزءاً مهماً من توثيق تاريخ الحركة الوطنية اليمنية المعاصرة قبل أن يرحل شهود التاريخ والذين يعود لهم الفضل في صناعته وتسطيره منذ مطلع النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم، ولنا بما عملته رويدا وأروى محمد طربوش خير مثال في تجميع تاريخ والدهما عن طريق التواصل مع رفاقه وأصدقائه رغم الظروف الصعبة التي تعيشها اليمن، وبالتعاون مع العديد من أصدقاء الأسرة تمكنتا من إعداد كتاب (رحلة كفاح محمد طربوش سلام) حيث أنجزتا ما لم ينجزه أقرانهن من الذكور على كثرتهم.

تعود معرفتي بالرفيق محمد طربوش عن قرب إلى عام 1986م حيث تم إرسالي بعد أحداث يناير المأساوية من معسكر الصولبان التابع لوزارة أمن الدولة في (ج ي د ش) لحراسة الرفيق المناضل جار الله عمر ضمن آخرين، ولأن طربوش من قيادة الحزب الإشتراكي اليمني والجبهة الوطنية الديمقراطية في (ج ع ي) المتواجدون في عدن، وهذا يعني أنني سوف ألتقيه بصورة دائمة أثناء حضوره إلى مكتب ومنزل جار الله عمر وكذا خلال اجتماعات قيادة الحزب والجبهة، ومن خلال ملاحظاتي اليومية على نشاط محمد طربوش كنت أرى مدى مقدرته على التعامل مع أعضاء الحزب والجبهة ومطالبهم الكثيرة باعتبارهم نازحين من الشمال إلى الجنوب نتيجة للحملات العسكرية التي كان يشنها النظام الحاكم في الشمال ضد معارضيه في مختلف المناطق والمعروفة حينها بالمناطق الوسطى وتشمل (إب وذمار وصنعاء وتعز والبيضاء وريمة) وغيرها من المناطق منذ عهد الرئيس القاضي عبد الرحمن الإرياني وحتى عهد علي عبد الله صالح، حيث نتج عن تلك الحملات والحروب نزوح الآلاف من الأسر والمقاتلين والجرحى والمعاقين والشهداء، إلخ. كان محمد طربوش يعمل بصمت وصبر على احتجاجاتهم وشتائمهم وصراخهم عليه أينما وجدوه في الشارع، في منزله أو في مكتبه الذي في الغالب كان مكتباً متنقلاً بصورة دائمة. كان لديه نفس طويل، يسمع دون تبرم أو تجاهل لمطالبهم الكثيرة، يعترف بصحتها وحقهم في الحصول على الحلول إن كانت في توفير المساكن أو المساعدات المالية أو الحصول على العمل أو الدراسة، ويرد عليهم بهدوء بالقول: كل هذه المطالب صحيحة وهي حق لكل أسرة وكل فرد مشرد، لكن علينا أن نتصرف وفق الإمكانيات الموجودة معنا، وأنتم تعرفون حجم إمكانياتنا كمعارضة وإمكانيات الدولة في الجنوب التي تقدم لنا الدعم والمساعدات، وهذا يعني أن نتصرف وفق ما هو بأيدينا، وهو قليل بالقياس إلى حجم مطالب واحتياجات النازحين والمشردين والشهداء والجرحى والمعاقين من شمال الوطن.

ومن بين المواقف التي أتذكرها وحصلت أمامي، عقد لقاء في معهد عبدالله باذيب للعلوم الاجتماعية في خور مكسر بشأن ترتيب أوضاع الرفاق الذين لم يتمكنوا من الحصول على الوظائف العسكرية أو المدنية، وهم من كبار السن أو كنا نسميهم بالوجهات الاجتماعية، لم يكن بمقدورهم ممارسة العمل الوظيفي، على سبيل المثال الوالد المناضل الشيخ أحمد محمد الشغدري والشيخ المناضل ناصر الماطري وغيرهم كثيرين. حضر اللقاء الأستاذ جار الله عمر والأستاذ عبد الواحد المرادي وآخرون، كان بجانبي الفقيد محمد طربوش وكنت أقول له: لازم يتم حل المشاكل التي تخص رفاقنا بسرعة قبل إعلان الوحدة، عندها لن يكون بمقدوركم حل مشكلة أي رفيق، وقال لي حينها، رغم أنه أبدى استغرابه من كلامي: ماذا تقترح؟ قلت: فيما يخص كبار السن يتم تحديد لهم مرتبات مالية تتناسب مع طبيعة أدوارهم النضالية في دائرة الشهداء ومناضلي الثورة اليمنية، وأنا أتكلم وهو يكتب المقترح، وهذه هي سمة محمد طربوش: يستمع بروح رفاقية رائعة دون تعالٍ أو غرور أو ادعاء معرفة كل شيء، لا يستغني عن الرأي من أي أحد دون الالتفات إلى مكانة محدثه الاجتماعية أو مستواه التعليمي، إلخ.

موقف آخر أتذكره حصل مع الرفيق المناضل محمد طربوش والرفيق الأستاذ عبد الواحد المرادي في عام 1994م، سبق أن أشرت إلى هذا الموقف في موضوع سابق كتبته عن الأستاذ المرادي. وحدث هذا الموقف في يوم 7/7 من نفس العام المشؤوم في حياة الجنوبيين وأعضاء الحزب الإشتراكي اليمني بصفة خاصة وحياة أحرار اليمن ومناضلي الحركة الوطنية اليمنية المعاصرة بصفة عامة، لأنها الحرب التي هزمت الجميع وكانت فاتحة الحروب اللاحقة حتى الوقت الحاضر. بعد أن سافر الأستاذ جار الله عمر إلى حضرموت بطلب من الرفيق المناضل علي سالم البيض، بقيت أنا في عدن، وكان الرفيق عبدالله علي أحمد الشوذبي (طلال) (المرافق والحارس مع الأستاذ عبد الواحد المرادي) يمر إلي للذهاب معه وزملائه الآخرين لحراسة الرفيق المرادي، وفي اليوم المذكور والحرب على أشدها قمنا أنا وطلال بإقناع المرادي بضرورة الخروج من منزله المجاور لمنزل علي عبد الله صالح في حي السفارات بخور مكسر، حتى لا تتعرض حياته للخطر أثناء دخول ما عرف من قوات الشرعية حينها، خاصة وأن المنزل يعد من أهم المباني التي ستتم المسارعة للوصول إليها لأنه منزل الرجل الأول في قيادة جحافل الغزاة.

انتقلنا إلى المعلا إلى منزل محمد طربوش الواقع في إحدى العمارات السكنية في الشارع الرئيسي، وعند وصولنا لاحظنا وجود تجمع لمجموعة كبيرة من أعضاء الحزب والجبهة الوطنية متجمعين بجوار العمارة، يمتشقون الأسلحة كون أغلبهم قادمين من ساحة المواجهة مع الغزاة. وكان الجميع في حالة ارتباك وخوف من الذي يجري وماذا يمكنهم عمله في تلك اللحظات، محتاجين توجيهات القيادة ممثلة بمحمد طربوش، الذين يعرفون جميعهم منزله، وهو من القيادات البارزة في الحزب والجبهة قبل أن يصل الرفيق المرادي، خاصة أن الوضع في مدينة عدن حينها في حالة انهيار كامل بعد أن غادرت القيادة العسكرية من المدينة لتجنيبها الدمار والخراب.

وفي تلك اللحظة خاطبت الرفيقين المرادي وطربوش: إيش رأيكم يا رفاق؟ أنا أتولى المسؤولية بدلاً عنكم خلال فترة قصيرة وعليكم أن تنفذوا أوامري بدون نقاش، وبعد أن نظروا لي باستغراب وابتسامة قال محمد طربوش: كذه مو شاء تعمل؟ قلت له: شي معك فلوس؟ قال: نعم. قلت له: أشتِي أعطي أفراد حراسة المرادي حق الطريق قبل ما أطلب منهم الانصراف، سلمت لهم مبالغ زهيدة أظنها أربعة آلاف ريال، وطلبت منهم الانصراف، اذهبوا كل إلى وحدته العسكرية أو إلى أسرِكم أنتم جنود، ما فيش عليكم حاجة، المرادي لم يعد بحاجة إلى حراسة. وفي نفس الوقت نزلت للرفاق المتجمعين بجوار العمارة وخاطبتهم: يا رفاق ويا زملاء، لا تبقوا هنا، اذهبوا كلا إلى بيته أو بيت أي أقرباء، استخدموا الدفاع الذاتي وهو أسلوب يستخدم أثناء الحروب ويعني الاحتماء الذاتي بالأسر، لأن القيادة يا رفاق في هذه اللحظات أضحت مستهدفة من قبل الغزاة القادمين في أي لحظة ونحن محتاجون إلى إخفائهم عن الأنظار حتى معرفة ما سوف تؤول إليه الأمور. كان كلامي واضحاً وجديّاً، اقتنعوا وانصرفوا جميعاً.

عدت إلى عند الرفيقين المرادي وطربوش إلى المنزل وبلغتهم أن الجميع قد تفرقوا كلا إلى حال سبيله. الآن باقي أنتم الإثنين غادروا المنزل الآن لأنه غير آمن، كل واحد منكم يذهب إلى عند أي صديق أو رفيق أو قريب غير معروف، حتى لنا أنا ورفيقي طلال والحذر مطلوب، نحن سوف نكون في منزل طلال في التواهي، رقم تلفونه عندكم، لا يجب عليكم أن تتواصلوا مع أحد حتى تتضح الأمور. غادرنا ثلاثتنا مع المرادي الذي حضر له أحد أصدقائه لأخذه وكان منتظراً له في الشارع، نحن تحركنا إلى منزل طلال ومحمد طربوش غادر بعدنا بفترة وجيزة، علمنا فيما بعد أن عدد من المسلحين حضروا إلى منزله للبحث عنه، ربما لو كانوا وجدوه في المنزل لتعرضت حياته للخطر.

كما أتذكر هنا آخر لقاء لي بالرفيق محمد طربوش بعد الحرب العدوانية 1994م بفترة، وكان لقاء صدفة في الشارع بخور مكسر، وقد بادرني بالسؤال: لماذا توقفت عن الكتابة؟ هل حصل تغيير في قناعاتك؟ قلت له: لا، لم يحدث أي تغيير، لازلت على نفس القناعة، بل إن ما جرى علينا وعلى رفاقنا بصورة خاصة وعلى الجنوب بصورة عامة من ظلم على أثر الحرب الوسخة زاد من رسوخ القناعة لدينا بصحة ما تعلمناه منكم ومن الأستاذ جار الله عمر ومن الحزب الإشتراكي اليمني.

يا رفيق محمد قالوا إن الصمت أحياناً يكون بمثابة تعبير عن الرأي أو قل: استراحة محارب، وأنت فينك؟ لم نعد نسمع عنك شيء كأنك اختفيت. قال: لم أختفِ، بل تم ترتيب وضعي في الجيش بعد الوحدة كوني كنت عسكرياً في جيش الشمال ونزحت إلى الجنوب على إثر الأحداث المعروفة، لذلك ابتعدت عن العمل السياسي بناء على توجيهات الحزب الإشتراكي اليمني الداعية إلى حيادية الجيش والأمن كمؤسسات وطنية. لحظتها عرفت أن الرفيق محمد طربوش كان ضابطاً في الجيش، رغم أننا كنا مع بعض في عدن سنوات، إلا أن تصرفاته لم تكن تدل على أنه عسكري، لأن المتعارف عليه أن ضباط (ج ع ي) يتسم سلوكهم بالهجْمة والجلافة وتكشيرت الوجه، إلخ. وهذا السلوك لم يكن يبدو على تصرفات الرفيق محمد طربوش سلام، والذي كانت الابتسامة لا تفارق محياه، الأقرب في تصرفاته وسلوكه إلى الإنسان المدني، وهذه الصفة تعد واحدة من أهم سجايا ومميزات العسكريين والضباط الذين تعلموا وتربوا في مدرسة الحزب الإشتراكي اليمني.

كما أن محمد طربوش لم يكن من محبي الظهور والشهرة في وسائل الإعلام المختلفة، رغم مكانته النضالية الكبيرة، وعندما بحثت بين الصحف والمجلات التي أحتفظ بعدد متفاوت منها وتشمل مقابلات وتصريحات صحفية أو الكتابات في مختلف المراحل الزمنية للعديد من القيادات الحزبية، لم أجد بينها لمحمد طربوش سوى قصاصة لتصريح واحد فقط أدلى به لصحيفة الثوري بعد اختتام الدورة 18 للجنة المركزية للحزب الإشتراكي اليمني المنعقدة من 10-11 /12 عام 1989م، ربما في تقديري، مرد ذلك إلى أن الرفيق الفقيد طربوش عمل فترات طويلة في العمل السري في الشمال والجنوب بعيداً عن الأضواء.

رحم الله الرفيق محمد طربوش سلام الشرجبي رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

مثنى السلامي

3/8/2017