“صحيفة الثوري” – (تحليل):
خليل الزكري:
يمثل مقتل علي خامنئي في الغارات الأمريكية الإسرائيلية، التي استهدفت إيران تغيراً في قواعد اللعبة في الإقليم، حيث في صنعاء، لا يقارب الحدث بوصفه خسارة رمزية فحسب، وإنما باعتباره نقطة تحول تمس صميم توازن القوة الذي تحركت ضمنه جماعة عبدالملك الحوثي طوال سنوات.
تحشد جماعة الحوثي، كل طاقتها لمواجهة هذا التحول، بقرار مصيري حول كيفية الرد، وحماية منظومة الاقتصاد والأمن وشبكات المصالح من التداعيات.
ينتقل الحوثيون بغياب رأس النظام الإيراني، من فاعل كان يتحرك ضمن منظومة منسقة ومدارة إلى جماعة تدير مخاطرها بمفردها؛ هذا التحول يضع القرار كله في صنعاء، ويرفع كلفة الحسابات الخاطئة.
أي إيران بعد خامنئي؟
إذا نجحت مؤسسات الدولة الإيرانية في احتواء الصدمة وتنظيم انتقال السلطة، ربما تستعيد توازنها وقد يستمر دعمها لحلفائها، مع تشديد في إدارة المخاطر بعد أن أغرقت المنطقة بالمليشيات والجماعات المسلحة ونشر الفوضى، أما إذا دخلت طهران في صراع داخلي أو مرحلة ارتباك، فإن الأولوية ستتحول إلى تثبيت الداخل، ما يعني أن الدعم الخارجي قد يتراجع أو يصبح أكثر انتقائية.
هناك احتمال ثالث يتمثل في انكفاء تكتيكي إيراني لتفادي مواجهة شاملة مع واشنطن وتل أبيب، ودول الخليج؛ وهذا المسار يفرض على الحوثيين خفض سقف الاشتباك، أو على الأقل تجنب خطوات التوسع في نطاق الصراع.
في كل الأحوال، لن يكون الإسناد الخارجي كما كان، وهو ما يفسر لماذا يتقدم الاقتصاد والأمن على أي اعتبارات أخرى في حسابات صنعاء حتى اللحظة.
اقتصاد الحرب.. حيث يكمن القلق الحقيقي
وكما هو معلوم يعتمد الحوثيون على اقتصاد الحرب، كالجبايات، والتحكم بالموانئ، وسلاسل الاستيراد، والتحويلات المرتبطة برجال أعمال موالين للجماعة، وأي اضطراب في طرق الإمداد أو تشديد في الرقابة البحرية سيرفع كلفة السلع، ويضغط على معيشة الناس في مناطق سيطرة الحوثيين، كما يؤثر على شبكة التجار المرتبطين بالجماعة.
وحتى اللحظة لم ينزلق الحوثيون إلى المواجهة لأن الكلفة الاقتصادية حاضرة في حساباتهم، خصوصا وأن الضربة الأخيرة التي واجهتها إيران أكبر، فسينعكس ذلك على الاقتصاد الذي تعتمد عليه الجماعة، ليكون أكثر هشاشة، وأي قفزة في أسعار الغذاء أو الوقود في صنعاء خلال الأسابيع المقبلة ستكون مؤشراً مبكراً على حجم التأثير.
وقد لا يظهر، أي تململ شعبي في الشارع، بحكم القبضة الأمنية الحديدية للحوثيين المفروضة على مناطق سيطرتهم، لكنه يتراكم يومياً في المزاج العام.
إدارة الخوف قبل الانفجار
يعمل الجهاز الأمني الحوثي منذ 2014، كشبكة محكمة ومعقدة، فتجربة المواجهة مع علي عبدالله صالح وقتله نهاية 2018م، أظهرت سرعة الجماعة في ملئ الفراغ الأمني ومنع تشكل مراكز قوة موازية، وفي اللحظة الراهنة، من المتوقع جداً، أن تعمل الجماعة على تعزيز الرقابة على النخب الاقتصادية والقبلية، وتشديد الضبط الإعلامي، ومراقبة المؤشرات بدقة على أي محاولة انقسام داخلي.
وهذه القبضة الحديدية لا تمثل مصدر قوة تمتلكها الجماعة، بل تعكس حالة الهشاشة والضعف التي تعيشها. حيث الخطر الأكبر في نظر الجماعة ليس هجوما مباشرا، وإنما تآكل الثقة داخل شبكة المصالح، خصوصا إذا شعرت هذه الشبكة بأن الغطاء الإقليمي لم يعد مضمونا.
شبكة المصالح ميزان البقاء
يشكل تجار الاستيراد، والقيادات القبلية، والكوادر الإدارية الموالون للحوثيين العمود الفقري لنفوذ الجماعة، وتحتاج هذه الشبكة إلى تدفق الموارد لتبقى متماسكة، أما إذا تقلصت الموارد، فسيبدأ التوتر الصامت داخلها بالتفجر.
في اللحظة الراهنة، يرتبط القرار أمام عبدالملك الحوثي بحماية هذه البنية كعامل بقاء، وأي خطوة عسكرية أو سياسية ستقاس بالقدرة في الحفاظ على تماسك الداخل، وليس بالقدرة على تسجيل أي موقف رمزي.
ماذا عن “الشرعية” وحلفائها؟
يقف مجلس القيادة الرئاسي، اليوم، أمام فرصة استثنائية لإعادة ترتيب أوراقه؛ فتوحيد القرار الأمني والعسكري، وتحسين الأداء الاقتصادي والخدمات في مناطق الحكومة، وضبط سعر الصرف، كلها أدوات تمنح “الشرعية” موقعا أفضل.
ويتطلب استثمار هذه اللحظة تجنب الانقسامات، وتقديم نموذج إداري أكثر استقراراً من نموذج صنعاء، وأي تقدم سياسي أو ميداني لن يكون مستداماً دون خطاب جامع ورؤية واضحة لمستقبل الدولة.
إن قدرة الحكومة اليمنية الشرعية على تنسيق علاقتها بدول الإقليم، وضبطها على المسار السليم بما يخدم استعادة الدولة ومركزها السيادي، هي من ستحدد ما إذا كانت هذه اللحظة فرصة أم عبئا جديدا.
الإقليم وتباين الأولويات
تنظر السعودية إلى المشهد، بالنسبة لانعكاسه على اليمن، من زاوية أمن الحدود والاستقرار طويل الأمد، خصوصا في الداخل اليمني.
فإذا رأت أن الحوثيين في وضع دفاعي، وغير منخرط في المعركة ضد أمريكا وإسرائيل، فقد تميل إلى تثبيت تهدئة مع الحوثيين، تضمن وقف الهجمات العابرة للحدود، مع محاولة فرض شروط سياسية أفضل ومن موقع أقوى في أي مسار تفاوضي قادم، بعد فقدان الحوثيين للدعم الإيراني. وهذا لا يعني أن تقبل السعودية بالحوثيين كأمر واقع، أكثر مما يشكلون مصدر تهديد حقيقي لها.
وبينما تركز الإمارات العربية المتحدة، أكثر على الجغرافيا البحرية والساحل الجنوبي وباب المندب؛ ففي لحظة ارتباك شمالي، قد تسعى إلى تعزيز نفوذ حلفائها المحليين، خصوصا في المناطق الساحلية، بما يضمن مصالحها الاستراتيجية في الموانئ وخطوط التجارة.
هذا التباين بين الرياض وأبوظبي قد يعيد إظهار الفجوة في الرؤية حول شكل اليمن المقبل: هل الأولوية لدولة مركزية موحدة بترتيبات أمنية صارمة وهو ما تعمل السعودية على تثبيته، أم لإدارة نفوذ مناطقي وظيفي مستقر طويل الأمد، تسعى الإمارات على فرضه عبر وكلائها المحليين؟
وهنا تجدر الإشارة إلى أن التوترات بين السعودية والإمارات التى شهدتها الأيام الماضية حول الملف اليمني لم تحسم بعد، وكانت الرياض قبل الضربة على إيران تصر صراحة على مغادرة أبوظبي للمشهد اليمني.
أما سلطنة عمان فتتحرك من زاوية مختلفة، حيث لا تنظر إلى الملف اليمني باعتباره ساحة نفوذ، أكثر من كونه ملف استقرار حدودي وأمني مباشر، وأي انفجار واسع في الشمال اليمني ينعكس عليها سياسيا وأمنيا.
لهذا تميل عمان تاريخيا إلى منع الانهيارات المفاجئة، والحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع جميع الأطراف، بما في ذلك الحوثيون وطهران والرياض، وغالبا ما تنسق خطواتها مع السعودية لتقديم رؤية خليجية متكاملة.
ففي لحظة مقتل خامنئي، يزداد وزن الدور العماني، فإذا شعرت بأن الحوثيين قد يندفعون نحو تصعيد لتعويض الصدمة، فمن المرجح أن تكثف اتصالاتها لاحتواء الموقف، مستخدمة وعودا اقتصادية (تسهيل التجارة، فتح معابر) كأداة إغراء.
وإذا رأت أن إيران تدخل مرحلة إعادة ترتيب داخلية، فقد تعمل على تسريع مسار تفاوضي يضمن خفض التوتر قبل أن تتغير موازين القوة نهائيا، مستغلة علاقتها الفريدة بطهران كجسر موثوق للتواصل مع الغرب.
فالدور العماني هنا ليس فقط وسيطا، وإنما صمام أمان إقليمي؛ يعتمد نجاحه على استعداد الأطراف للاستماع، وعلى قدرة مسقط على إقناع الحوثيين بأن التهدئة قد تحميهم اقتصاديا وأمنيا في مرحلة غامضة.
من الردع إلى إعادة الهندسة
ستتعامل الولايات المتحدة مع الحوثيين، بعد الضربات التي أسفرت عن مقتل علي خامنئي، باعتبارهم آخر أذرع النفوذ الإيراني القادرة على تهديد الممرات البحرية؛ ولن يقتصر الهدف الأمريكي على الردع العسكري المباشر، وإنما يشمل الضغط المالي والاستراتيجي.
فمن المحتمل أن توسع واشنطن من استهدافها لشبكات تحويل الأموال المرتبطة بالجماعة، وتفرض مزيداً من العقوبات على التجار الذين يدعمونها، بما يربط هذه الاستراتيجية مباشرة بالبعد الاقتصادي لمناطق الحوثيين ويزيد الضغط على بنيتهم التمويلية.
ومن الناحية العملياتية، قد تركز الولايات المتحدة على ضربات محددة ودقيقة، مع الحرص على تجنب الانزلاق إلى مواجهة برية واسعة، وربما قد تترك هذا الأمر للسعودية وحلفائها المحليين بدعم مباشر منها.
فمن المرجح أن تسعى واشنطن لتنسيق خططها مع الرياض لتجنب أي احتكاك غير مقصود على الأرض، مع ضمان انسجام الإجراءات مع التحركات السعودية في شمال وجنوب اليمن.
أما إسرائيل فتنظر إلى الحوثيين من زاوية التهديدات الاستراتيجية البعيدة؛ فالجماعة تمثل خطراً محتملاً على عمق إسرائيل عبر الصواريخ أو استهداف الملاحة البحرية.
وفي ظل غياب خامنئي، قد تنفذ عمليات جوية دقيقة، مثل استهداف مواقع تصنيع الصواريخ ومستودعات الأسلحة، وربما تدعم العمليات الخاصة بالتنسيق مع واشنطن إذا دعت الحاجة لتصفية حسابات مؤجلة مع صنعاء.
التنسيق هنا سيكون حاسماً للحفاظ على سقف ردع محسوب، يمنع الحوثيين من الانزلاق إلى مغامرة واسعة، ويؤسس لإدارة الأزمة بما يربط الجانب العسكري بالضغط الاقتصادي والسياسي، ويجعل من عملية مراقبة الممرات البحرية جزءً من خطة متكاملة لتحجيم نفوذ الحوثيين.
هل يذهب الحوثي إلى الهاوية؟
يبقى احتمال أن يختار عبدالملك الحوثي مسار المقامرة بالتصعيد واردا، خصوصاً إذا رأت جماعته أن التراجع سيفهم داخلياً كضعف استراتيجي بعد مقتل علي خامنئي؛ وهذا السيناريو قد يتخذ ثلاثة أشكال متوازية: تصعيد في البحر الأحمر عبر استهداف ممرات الملاحة، ضرب مصالح أمريكية في المنطقة، مع احتمال توسيع دائرة القصف باتجاه إسرائيل.
فمن الناحية السياسية، يمنح هذا المسار الحوثيين فرصة لإعادة تموضعهم كجزء من “محور المواجهة”، وتعويض أي تراجع في الغطاء الإيراني بخطاب تعبوي يعيد شد العصب الداخلي، لكن الكلفة المحتملة مرتفعة للغاية.
إن استهداف الملاحة في البحر الأحمر سيستدعي رداً دولياً أكثر تنسيقاً هذه المرة لحماية أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية، ما قد يفتح الباب أمام ضربات أوسع وأكثر إيلاما، أيضا، للبنية العسكرية والاقتصادية في مناطق سيطرة الحوثيين، خصوصا في العاصمة صنعاء والحديدة، وصعدة، في الوقت الذي تعاني كافة مناطق سيطرة الجماعة أصلا من هشاشة اقتصادية واعتمادها على الموانئ التي قد تصبح هدفا مباشرا.
ومن ناحية استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة، فإن واشنطن ستفسر ذلك كتصعيد مباشر يبرر توسيع نطاق الردع، أما توجيه ضربات حوثية إلى إسرائيل قد يمنحها مبرراً لاستهداف أكثر حدة عن السابق، قد يتجاوز الضربات الموضعية إلى عمليات ذات طابع استنزافي طويل الأمد.
وهنا لا يمكن إغفال أهمية القنوات العمانية في محاولة احتواء أي اندفاع حوثي نحو الهاوية، قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة، وانعكاساتها الخطيرة على المنطقة.
لكن بتحليل خطاب عبدالملك الحوثي الأخير، الذي بثه عقب مقتل خامنئي، نجده يعكس توازناً دقيقا، ويتأرجح بين رفع السقف التعبوي والحفاظ على هامش مناورة؛ إذ كانت اللغة حادة، ولكنها لم تتضمن إعلانا صريحا لمرحلة حرب مفتوحة.
وفي تفكيك دقيق للخطاب نكتشف أن قيادة جماعته لا تزال تزن الكلفة مقابل المكسب، ففي مثل هذه اللحظات، غالبا ما يستخدم الخطاب كأداة لرفع المعنويات أكثر منه إعلانا عن خطة عملياتية.
والسؤال الجوهري هنا: هل التصعيد يمنح الحوثيين أوراق قوة جديدة، أم أنه يعجل بفرض حصار اقتصادي وعسكري أمريكي – إسرائيلي أشد قسوة مما سبق؟ في بيئة إقليمية مضطربة.
قد يبدو الذهاب إلى الهاوية وسيلة لفرض معادلة ردع، لكنه يحمل خطر الانزلاق إلى مواجهة تتجاوز قدرة الحوثيين على التحكم بمسارها. فالفروق بين الردع المحسوب والانتحار الاستراتيجي فروق دقيقة في تقدير الكلفة، وهذه الفروق هي ما ستختبره الأيام المقبلة.
الرهانات القادمة: ماذا بعد؟
تبرز في خضم هذا المشهد المركب، أربعة رهانات كبرى ستحدد مسار اليمن في المرحلة المقبلة:
• الرهان الأول:
قدرة الحوثي على تحويل العزلة إلى تماسك؛ فهل تستطيع الجماعة استثمار خطابها الأيديولوجي وآلتها الأمنية لحماية شبكة مصالحها وتعويض تراجع الدعم الإيراني، أم أن الضغوط الاقتصادية ستفعل فعلها في شبكة المصالح الداخلية، وتبدأ التصدعات الصامتة بالانفجار؟
• الرهان الثاني:
اختبار الشرعية؛ هل تستطيع الحكومة المعترف بها دوليا تحويل لحظة الضعف الحوثي إلى مكاسب ملموسة عبر توحيد قرارها العسكري وتحسين الأداء الاقتصادي والخدمي، أم ستبقى رهينة الانقسامات الداخلية وتباين أولويات حلفائها الإقليميين؟
• الرهان الثالث:
معادلة الإقليم، فكيف ستتعامل الرياض وأبوظبي ومسقط مع المرحلة الانتقالية المقبلة عليها المنطقة؟ هل تنجح الجهود العمانية السعودية في دفع مسار تهدئة شامل، أم تعيد التباينات في الرؤى إنتاج التوترات القديمة داخل المعسكر الموالي للشرعية؟
• الرهان الرابع:
السقف الدولي؛ إلى أي مدى ستذهب واشنطن وتل أبيب في استراتيجية “إعادة الهندسة”؟ وهل يمكن ضبط التصعيد ضمن حدود الردع، أم أن خطأ في التقدير قد يفتح الباب أمام مواجهة مفتوحة في البحر الأحمر وخارجه؟
بين العزلة والاختيار
يجد الحوثيون أنفسهم، اليوم، في وضع لم يختبروه من قبل: الغطاء الإقليمي اهتز، والمواجهة باتت أقرب.
فالقرار الذي سيتخذونه لن يبنى على اعتبارات رمزية أو عقائدية فقط، وإنما على حسابات دقيقة تتعلق بالاقتصاد والأمن وتماسك شبكة المصالح. في المقابل، تقف الشرعية أمام اختبار استثمار اللحظة دون الوقوع في فخ الانقسامات مرة أخرى.
وبينما يراقب الإقليم ويعيد ترتيب أوراقه، وتستعد واشنطن وتل أبيب لمرحلة ردع أكثر مباشرة؛ يدخل اليمن مرحلة شديدة الحساسية.
الخيارات المتاحة أمام جميع الأطراف تضيق، وكلفة الخطأ ترتفع؛ ما سيحدث في الأيام المقبلة لن يحدد فقط شكل الصراع، وإنما شكل الدولة اليمنية لسنوات طويلة.
وفي لعبة الأمم، كما يقال: لا توجد لحظة فارغة؛ فما يبدو اليوم وكأنه نهاية فصل، قد يكون مجرد بداية لفصل آخر أكثر تعقيدا.
نقلاً عن موقع ”يمن ديلي نيوز”

