صحيفة الثوري – ترجمات:
أبرزت زيارة الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري إلى أبوظبي هذا الأسبوع المعضلة المتزايدة التي تواجهها بلاده في ظل التنافس المتصاعد بين السعودية والإمارات العربية المتحدة، والذي بات يؤثر بشكل متزايد في تشكيل السياسة الإقليمية والمنافسة الاقتصادية.
تجد إسلام آباد، والتي اعتمدت طويلًا على علاقات وثيقة مع القوتين الخليجيتين، نفسها اليوم أمام صعوبة متزايدة في الحفاظ على توازن متكافئ في علاقاتها مع الرياض وأبوظبي مع تباعد مصالح البلدين، بما في ذلك بشأن النزاعات في اليمن والسودان، وهو ما يكشف عن خطوط صدع استراتيجية واقتصادية بينهما.
ففي اليمن، تدعم السعودية الحكومة المركزية والتحالف المساند لها، في حين تدعم الإمارات قوات انفصالية في الجنوب، وهو انقسام أدى إلى اندلاع صراع قصير وتبادل اتهامات علنية في وقت سابق من هذا الشهر، أما في السودان، فتدعم أبوظبي والرياض فصائل متنافسة وسط حرب أهلية مستمرة وحالة من عدم الاستقرار السياسي.
وقد بدأت هذه التوترات تلقي بظلالها على التعاملات الاقتصادية لباكستان في الخليج.
وأثارت تقارير أفادت بأن أبوظبي تراجعت عن خطط لتولي إدارة مطار إسلام آباد الدولي، الدهشة بعد تأخيرات متكررة من الجانب الإماراتي في ترشيح شريك محلي للترتيب المقترح، وفق ما أوردته وسائل إعلام باكستانية في منتصف يناير/كانون الثاني.
ورغم عدم توقيع أي عقد إيجار أو امتياز رسمي، فإن الحادثة سلّطت الضوء على مدى هشاشة المبادرات الاستثمارية الكبرى في باكستان بسبب اعتمادها العميق على الشركاء الخليجيين، وتأثرها بتغير الأولويات الإقليمية التي تحرّكها في كثير من الأحيان اعتبارات سياسية.
والتقى زرداري خلال زيارته التي استمرت أربعة أيام إلى الإمارات، والتي بدأت في 27 يناير/كانون الثاني، بالرئيس الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، إضافة إلى كبار المسؤولين التنفيذيين في “مجموعة موانئ أبوظبي” وشركة “موانئ دبي العالمية”، مؤكدًا للقادة الإماراتيين استمرار انفتاح إسلام آباد على الاستثمارات طويلة الأجل من قبل الكيانات الإماراتية في باكستان.
ويرى محللون أن لقاءات زرداري مع القيادة الإماراتية وكبار رجال الأعمال تعكس محاولة من إسلام آباد للسير على مسار يزداد ضيقًا بين عملاقي الخليج، من خلال الحفاظ على روابط اقتصادية قوية مع الإمارات، في الوقت الذي تظل فيه أولوياتها الأمنية والاستراتيجية تميل بصورة متزايدة نحو السعودية.
الروابط الأمنية مع السعودية
تبقى علاقة إسلام آباد الاستراتيجية مع السعودية حجر الزاوية في سياستها باكستان الخليجية في الوقت الذي تعمل فيه إسلام آباد على طمأنة الإمارات بأنها وجهة موثوقة للاستثمار والأعمال
فقد اعتمدت باكستان تاريخيًا على الرياض في مجالات الدعم الدفاعي والأمني، بما في ذلك المناورات العسكرية المشتركة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتمويل.
وأفادت وكالة “رويترز” في السابع من يناير/كانون الثاني، بأن باكستان والسعودية تجريان محادثات لتحويل قروض سعودية تصل إلى ملياري دولار إلى صفقة لشراء مقاتلات باكستانية من طراز “جي إف-17”.
واكتسبت هذه الشراكة بُعدًا جديدًا في سبتمبر/أيلول الماضي، عندما قامت إسلام آباد والرياض بإضفاء طابع رسمي على عقود من التعاون من خلال توقيع “اتفاق الدفاع الاستراتيجي المتبادل”، الذي يشبه في طبيعته ترتيبات حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وينص الاتفاق على أن أي عمل عدائي ضد أحد البلدين سيُعتبر عدوانًا على البلدين معًا، كما يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي وترسيخ الردع المشترك ضد التهديدات المحتملة.
وكانت وكالة “رويترز” قد ذكرت في التاسع من يناير/كانون الثاني أن باكستان تقترب من إبرام صفقة أسلحة بقيمة مليار ونصف المليار دولار مع السودان، مشيرة إلى أن السعودية ربما لعبت دور الوسيط، رغم أن ترتيبات التمويل ما زالت غير واضحة.
ويبرز هذا الاتفاق الدور الثانوي الذي تلعبه الإمارات في الحسابات الأمنية لباكستان، وهو ما يخلق حاجة متزايدة لدى إسلام آباد لتحقيق توازن دقيق بين روابطها الدفاعية القوية مع السعودية من جهة، والحفاظ على ثقة المستثمرين وحسن العلاقات الدبلوماسية مع أبوظبي من جهة أخرى، في ظل احتدام المنافسة بين القوتين الخليجيتين.
ضغوط دبلوماسية
قبل يومين من زيارة زرداري، التقى نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار في دبي بكبار المسؤولين الإماراتيين لبحث فرص زيادة الاستثمارات الإماراتية في باكستان.
وأشار المحلل المقيم في واشنطن زيشان شاه إلى أن التوترات الأخيرة بين الإمارات والسعودية بشأن اليمن “قد تضع باكستان في موقف دقيق”، وأضاف: “على الرغم من أن علاقة باكستان الاستراتيجية مع السعوديين عميقة للغاية، فإن علاقتها الاقتصادية مع الإمارات ليست أمرًا يُستهان به أيضًا… فكلا البلدين من أقرب حلفاء باكستان بين دول الخليج العربية، والعلاقة معهما تمثل ركنًا أساسيًا في سياستها الخارجية”.
كما لفت شاه إلى أن الإمارات دعمت باكستان تاريخيًا خلال فترات الضغوط المالية، وأن إدارة العلاقات بين الرياض وأبوظبي كانت في العادة مسألة سهلة نسبيًا، لكنه أوضح أن الحاجة إلى الموازنة بين البلدين أصبحت “قضية جديدة إلى حد ما”، مدفوعة بتحول الإمارات والسعودية إلى “منافسين في المجالين الاقتصادي، والآن في مجال الأمن الإقليمي أيضًا”، وإذا استمرت العلاقات السعودية-الإماراتية في التدهور، فقد تواجه باكستان تعقيدات متزايدة.
إشارة إيجابية
وقال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في السادس والعشرين من يناير إن الرياض تنظر إلى علاقتها مع الإمارات باعتبارها “بالغة الأهمية”، وإن التطورات الأخيرة في اليمن، بما في ذلك انسحاب الإمارات الطوعي الشهر الماضي لما تبقى من قواتها لمكافحة الإرهاب، منهية انتشارًا استمر عشر سنوات، ستسمح للعلاقة بأن “تستمر قوية”.
وعلى الرغم من أن تصريح فيصل يُعد إشارة مشجعة، فإنه لا يزال من الصعب التنبؤ بمدة استمرار الأجواء الفاترة نسبيًا بين السعودية والإمارات، إذ إن الخلافات داخل مجلس التعاون الخليجي غالبًا ما تمتد لسنوات.
المونيتور الأميركية – ترجمة زيد بنيامين

