صحيفة الثوري- خاص
علاء توفيق
تتسارع التحولات في جنوب شرقي اليمن والقرن الإفريقي بطريقة تجعل أي قراءة سطحية عاجزة عن استيعاب حجم التحديات والاستراتيجيات الإقليمية الجارية. لم يعد البحر الأحمر وخليج عدن مجرد ممرين للتجارة العالمية، بل أصبحا قلب صراع الأمن القومي والنفوذ بين القوى الإقليمية والدولية، ومرآة لتشابك الأزمات من حضرموت إلى جيبوتي، مروراً باليمن والصومال وصوماليلاند.
في هذا الإطار، تشكل سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على حضرموت والمهرة بداية مرحلة جديدة، إذ أعادت الرياض ترتيب أولويات الأمن الوطني بطريقة غير مسبوقة. ولم يعد التدخل العسكري السعودي مجرد تحرك محدود لإعادة المناطق إلى سيطرة الحكومة الشرعية، بل تحول إلى خطوة استراتيجية لضبط خطوط الملاحة البحرية وحماية الحدود الشرقية، وفي الوقت نفسه تحجيم النفوذ الإماراتي في المحافظات الجنوبية. أن هذا التدخل كشف ضعف الحكومة اليمنية ، لكنه فتح كذلك نافذة لإعادة بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها الرسمية، بما يضمن سيادة الدولة وشرعيتها.
التجربة السابقة في اليمن علمت أن أي شكل من أشكال الإدارة المبنية على شبكات المحسوبية أو من الفاعلين خارج الدولة يمثل عبئاً على الأمن والاستقرار. لذلك، ركزت السعودية على دمج القوات الموازية التي كانت تحت إشراف الإمارات، وإعادة توزيع الموارد المالية والخدمية عبر مؤسسات الدولة الرسمية، لضمان استقرار طويل الأمد، مع إظهار قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي.
هذه الخطوة أساسية ليس فقط للحفاظ على استقرار الجنوب، بل أيضا لتعزيز الثقة الشعبية في الدولة، وخلق نموذج يمكن أن يبرهن للمواطن اليمني في مناطق سيطرة الحوثيين على الفرق بين سلطة الدولة وحكم المليشيات أو جماعات ما دون الدولة.
على الصعيد الإقليمي، تزامنت هذه التحولات مع إعادة ترتيب القوى في القرن الإفريقي.
فقد شهدت الصومال انفصال عملي بين مقديشو والأقاليم الفيدرالية، خاصة بعد إلغاء جميع الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية مع الإمارات وإغلاق قواعدها، إثر ما اعتبرته الحكومة الفيدرالية تجاوزات في ملف صوماليلاند. هذا الانحسار الإماراتي فتح المجال للسعودية لتكون الفاعل الخليجي الرئيسي في المنطقة، عبر شراكات استراتيجية مع مقديشو ومصر، بهدف إعادة رسم توازن القوى في البحر الأحمر، وتحويله إلى محور أكثر استقراراً تحت النفوذ السعودي، بعيدا عن الاعتماد على الأطراف الأخرى.
ويعكس هذا التحول استراتيجية السعودية في استخدام الموانئ كأداة للنفوذ طويل الأمد. وهذا ما تشير له توقيع اتفاقية سعودية جيبوتيه في عام 2025 لتطوير ميناء تاجورة في جيبوتي لمدة 30 عاماً، وكذلك اتفاقية إنشاء مدينة لوجستية في 2024، بقيمة استثمارية تقدر بنحو 13 مليار دولار، تظهر أن الرياض لم تعد مجرد مراقب اقتصادي، بقدر ما هي لاعب رئيسي يحدد ملامح الأمن الاقتصادي واللوجستي في القرن الإفريقي.
هذه المشاريع تعكس رؤية واضحة لتحويل الموانئ إلى نقاط ارتكاز استراتيجية، لا مجرد مرافق تجارية، وتعزز موقع جيبوتي كمركز لوجستي حيوي يربط أفريقيا بالشرق الأوسط والأسواق العالمية، في وقت يشهد فيه ميناء بربرة في صوماليلاند منافسة متصاعدة في الإمداد والتجارة، كامتداد للنفوذ الإثيوبي المتنامي.
ومن منظور إثيوبي، يمثل الاعتماد شبه الكامل على موانئ جيبوتي تحدي استراتيجي. أكثر من 95% من حجم التجارة الإثيوبية يمر عبر ممر أديس–جيبوتي، ما يجعل تنويع المنافذ البحرية أمراً حيوياً لتقليل الاعتماد على منفذ واحد. وكما أن ترتيبات الوصول إلى ميناء بربرة عبر صوماليلاند تمثل خطوة في هذا الاتجاه، لكنها تحمل مضاعفات سياسية حساسة، خاصة مع الاعترافات الدولية المتفرقة بصوماليلاند، ما يجعل أي خطوة إثيوبية في هذا السياق اختبار مباشر لمفهوم السيادة الإقليمية وأمن البحر الأحمر وخليج عدن.
على هذا الصعيد، يظهر الدور الإسرائيلي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر كعامل إضافي في معادلة النفوذ، من خلال علاقاته مع أرض الصومال وسعيه لتثبيت حضور سياسي وأمني، خصوصاً في ظل استخدام القلق الإقليمي من التمدد الإيراني كوسيلة لإحداث نفوذ غير مباشر، بدون مواجهة صريحة. هذا التطور يجعل المشهد أكثر تعقيداً، ويضع اليمن وجيبوتي والصومال في معادلة معقدة من النفوذ والتوازنات المتداخلة.
وفي اليمن، يكتسب هذا التعقيد بُعد إضافي مع استمرار نشاط الحوثيين المدعومين من إيران على السواحل. فقد حول الحوثيون الموانئ اليمنية إلى أدوات ضغط على الملاحة الدولية، وربطوا البحر الأحمر بخليج عدن كورقة استراتيجية في الصراع الإقليمي، مما جعل أي تدخل سعودي في حضرموت والمهرة ضرورة استباقية، لتأمين الممرات البحرية ومنع تحول البحر العربي إلى منفذ تهديد مباشر للأمن الإقليمي.
تترابط كل هذه التحولات في شبكة واحدة من التنافس، حيث لا يمثل التعاون بين الأطراف الإقليمية مجرد تحرك سياسي أو اقتصادي، بل اختبار لقدرة الدول على إدارة النزاعات والتنافس دون الانزلاق إلى مواجهات مباشرة. وقد أثبتت التجربة أن الموانئ، إلى جانب البنية التحتية اللوجستية، أصبحت أدوات مركزية في معركة النفوذ، ويُنظر إليها بوصفها نقاط ارتكاز سياسية وعسكرية، وليس مجرد مرافق تجارية.
في المقابل، يوفر هذا الوضع فرصة نادرة لتعزيز مؤسسات الدولة اليمنية، وإعادة توزيع النفوذ بطريقة تحافظ على السيادة الوطنية، وتمنع عودة اليمن إلى كونها ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
أخيراً، يبدو أن مسار اليمن من حضرموت والمهرة إلى جيبوتي والصومال ليس مجرد خط بحري أو جغرافي، بل يمثل معادلا استراتيجياً يعكس صراع الهيمنة وحماية سيادة الدول، وأهمية الموانئ كأدوات حيوية للأمن الوطني والإقليمي.
ويعتمد النجاح في إدارة هذا المحور على قدرة السعودية وحلفائها الإقليميين على الجمع بين القوة العسكرية، والتنمية الاقتصادية، والحضور الدبلوماسي المتوازن لضمان استقرار طويل الأمد في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الإفريقي، ما يجعل أي خطأ في التقدير مكلفاً على مستوى الأمن والتجارة والسيادة على حد سواء.

