آخر الأخبار

spot_img

الجنوب اليمني بين إعادة التموضع وتعريف الدولة.. قراءة لما بعد لقاء الرياض

“صحيفة الثوري” – خاص:

تحليل: خليل الزكري

لا يمكن قراءة اللقاء التشاوري الجنوبي الذي انعقد في الرياض، يوم الأحد، كفعالية سياسية عابرة أو مجرد تمهيد إجرائي لحوار جنوبي قادم. كما لا يمكن عزل اللقاء عن تحولات أوسع في مقاربة السعودية للملف اليمني عموما، والجنوب على وجه الخصوص.

في الحقيقة، يمثل اللقاء انتقالا من إدارة الصراع عبر الوكلاء إلى محاولة ضبط مساراته سياسيا وأمنيا واقتصاديا ضمن تصور طويل النفس، يوازن بين الاحتواء ومنع الانفجار.

ما حدث يضعنا أمام لحظة إعادة ترتيب عميقة للمشهد الجنوبي، ولعلاقته بالإقليم، ولتوازنات الصراع اليمني ككل.

يمثل الحدث في جوهره محاولة لإعادة تعريف من يتحدث باسم الجنوب، وكيف، ومن أي موقع إقليمي بالضبط.

اللافت في اللقاء أن خطاب عضو مجلس القيادة الرئاسي عبدالرحمن المحرمي جاء محسوبا بدقة، باعتباره رسالة متعددة الطبقات تستهدف الشارع الجنوبي، ومحاولة لإعادة صياغة موقع النخب ضمن مسار منضبط.

وركزت اللغة المستخدمة في خطاب المحرمي على مفردات الطمأنة، والشراكة، ونبذ التصعيد، والدعم الاقتصادي، وهي مفردات لا تخاطب مزاجا ثوريا بقدر ما تسعى إلى تهدئة طاقة احتجاجية متراكمة، وتحويلها من حالة تعبئة مفتوحة إلى حالة انتظار سياسي منتظم ومنضبط.

في هذا السياق، يمكن فهم اللقاء كخطوة لاحتواء الزخم الشعبي الجنوبي، وليس تفجيره، خصوصا بعد دعوات عيدروس الزبيدي المتكررة خلال الفترة لحشد الجماهير في عدن.

كما أن الرسالة الموجهة للشارع الجنوبي تقول: إن سقف الطموح لم يُلغَ، وإن الحديث عن استعادة الدولة ما زال قائما، غير أن الطريق إلى ذلك لم يعد يمر عبر التصعيد أو احتكار التمثيل، وإنما عبر مسار ترعاه قوة إقليمية قادرة على إدارة التوازنات وضبط الإيقاع.

على مستوى التمثيل، وهذا أهم ما في الأمر، يعبر اللقاء بوضوح عن محاولة فك الارتباط بين الجنوب كقضية، والمجلس الانتقالي كجسم سياسي واحد يحتكر الحديث باسمها.

إضافة إلى ذلك، فإن التحذير الذي أطلقه المحرمي حول استعداء السعودية، والدعوة إلى تجاوز الخلافات الداخلية، والتأكيد المتكرر على الشراكة وعدم الإقصاء، كلها مؤشرات على رغبة في كسر المعادلة التي ترسخت خلال السنوات الماضية، وجعلت من زعامة عيدروس الزبيدي ورعاية الإمارات بوابة شبه حصرية لأي مسار جنوبي.

كما أن الرسالة غير المعلنة التي أراد إيصالها المحرمي تتجاوز الأشخاص إلى البنية نفسها: الجنوب لم يعد ملفا يمكن إدارته من قناة واحدة، ولا من عاصمة واحدة. بالتالي، فإن إعادة التموضع هذه تعني أن سقف الطموح الجنوبي، مهما ارتفع، أصبح مرتبطا بالرياض كمرجعية سياسية، لا كحليف ظرفي فقط؛ وفي هذا التحول محاولة واضحة لتقليص النفوذ الإماراتي الذي تشكل خلال الحرب، وإعادة الإمساك بخيوط الملف الجنوبي ضمن رؤية إقليمية أمنية وسياسية أوسع.

فنجاح الخطاب في تحويل التعبئة إلى انتظار سياسي سيظل رهنا بتحقيق مكاسب ملموسة. فالصبر الشعبي محدود، والذاكرة مثقلة بتجارب الوعود المؤجلة، ما يجعل أي إخفاق في تحسين الواقع المعيشي عاملا مفجرا لمسارات غير محسوبة.

إن نجاح هذا المسار مرهون بما هو أبعد من الخطاب؛ فالأسئلة المتعلقة بالجدول الزمني للحوار الجنوبي، وآلياته، ومعايير التمثيل، ستحدد جدية المشروع، وأي إطالة غير مبررة قد تعيد إنتاج حالة الشك وتفتح الباب أمام المسارات الموازية التي تسحب الثقة من الرعاية نفسها.

كما أن الشق الاقتصادي عنصر حاسم، فالوعود بالدعم تحتاج إلى ترجمة واضحة: حجم التمويل، وقنواته، وشروطه، ومدى ارتباطه بالتقدم السياسي. فالدعم المشروط قد يتحول إلى أداة ضغط، في حين يفقد الدعم الغامض أثره سريعا، خصوصا مع غياب نتائج ملموسة، الأمر الذي يعيد إنتاج مناخ التعبئة الشعبية.

أما الهيكل التنظيمي، فغيابه أو ضعفه يفتح الباب أمام الفشل. من يدير التفاوض، ومن يراقب التنفيذ، ومن يضمن الالتزام، كلها أسئلة تتجاوز الشكل إلى جوهر السلطة المقبلة، وحدود استقلال قرارها، ومدى ارتباطها بالرعاية الإقليمية.

الارتباك شمالا.. خوف من السابقة لا من الجنوب

بقدر ما يجري من حراك جنوبي، يقابله ارتباك شمالي متصاعد وواضح، لا يرتبط جوهريا بفكرة انفصال الجنوب بحد ذاتها، بقدر ما يرتبط بتفكيك القواعد التي تشكل عليها النظام السياسي بعد حرب صيف 1994.

تلك الحرب التي لم تنتج وحدة متوافقا عليها، وكرست توازنا فرض بالقوة، وأعادت توزيع الشرعية والنفوذ وفق منطق الغلبة لا الشراكة. من هذا المنظور، فإن أي مسار جنوبي مستقل، حتى لو جاء هادئا، تدريجيا، وتحت رعاية إقليمية، يُقرأ شمالا بوصفه تهديدا بنيويا، لا سياسيا عابرا.

فالتهديد يكمن هنا في السابقة التي يُخشى أن تتحول إلى قاعدة، وليس في الجغرافيا؛ وأول مصادر القلق يتمثل في إعادة فتح سؤال الشرعية: من يملك حق التفاوض على المستقبل، ومن يحدد شكل الدولة. فإذا أُقر للجنوب بحق التفاوض على سقفه السياسي، فإن ذلك يهز احتكارا طويلا للقرار تشكل بعد 1994، ويفتح الباب أمام مسألة شرعيات تأسست بالقوة لا بالتوافق.

ومن المخاوف أن المسار الجنوبي يهز مراكز ثقل شمالية تشكلت بوصفها نتائج نهائية للحرب، لا ترتيبات انتقالية؛ وأي إعادة تفاوض جنوبية تعني ضمنا أن ما اعتبر محسوما لم يعد كذلك، وأن موازين القوة يمكن مراجعتها سياسيا لا عسكريا.

أما القلق الأعمق، فيتصل بفتح باب المقارنة: إذا كان الجنوب قادرا على التفاوض على وضعه ومستقبله، فلماذا لا تفعل قوى أخرى الشيء نفسه؟ هذا السؤال لا يقلق النخب السياسية فقط، بل يقلق البنية الكاملة للنظام الذي قام على منع فتح هذه الأسئلة أساسا طيلة العقود الثلاثة الماضية.

من هنا، فإن الارتباك الشمالي ليس رد فعل مباشر على خطاب المحرمي، ولا على لقاء الرياض بحد ذاته ولا بيانه الختامي، بقدر ما هو خوف من المسار التراكمي الذي قد ينتهي بإعادة توزيع السلطة والنفوذ داخل اليمن، وليس فقط إعادة رسم حدوده.

فالبيان الختامي أو الخطاب الذي رافق اللقاء، مع تضمينه انتقادات صريحة للمشروع الحوثي، يزيد من حساسية المشهد، ويضع الجنوب في موقع فاعل داخل معادلة الصراع، لا مجرد طرف هامشي ينتظر التسويات.

الدوافع السعودية العميقة

يتصدر الدافع الأمني الحسابات السعودية؛ حيث يشكل الجنوب اليمني الخاصرة المفتوحة للمملكة، سواء من حيث التهديد الحوثي غير المباشر، أو نشاط الجماعات المتطرفة، أو احتمالات الفوضى التي تخلق فراغات يصعب ضبطها.

إن إعادة تنظيم المشهد الجنوبي سياسيا تعني، في المنظور السعودي، تقليص احتمالات الانفلات الأمني قبل أن يتحول إلى تهديد عابر للحدود.

وإلى جانب الأمن، تحضر المصلحة الاقتصادية بوضوح؛ فالجنوب بالنسبة للسعودية يمثل عقدة جغرافية حيوية مطلة على أهم الممرات البحرية العالمية، واستقرار هذه المنطقة شرط أساسي لحماية الاستثمارات، وتأمين خطوط التجارة والطاقة، وضمان عدم تحول السواحل إلى نقاط ابتزاز جيوسياسي.

وفي الخلفية أيضا يبرز صراع النفوذ الإقليمي، حيث تسعى الرياض إلى تقليص التأثير الإيراني عبر إضعاف البيئة التي يتحرك فيها الحوثيون، وفي المقابل إعادة ضبط العلاقة مع الحضور الإماراتي المتنامي في الجنوب من دون صدام مباشر. فهذا المسار يهدف إلى استعادة زمام المبادرة، لا إلى فتح جبهة تنافس علنية.

كما يبرز ملف الهجرة غير الشرعية، الذي لا يمكن إغفاله، وبات يشكل عبئا أمنيا وإنسانيا؛ فضبط السواحل الجنوبية، وإعادة بناء سلطة محلية قادرة على الإدارة، يمثلان مصلحة سعودية مباشرة.

في هذا الإطار، لا تبدو السعودية متحمسة لانفصال فوري وغير مضبوط في الجنوب، لما يحمله من مخاطر أمنية وإقليمية؛ فالمرجح أنها تسعى إلى صيغة سياسية مدارة، قد تبدأ بحوار جنوبي، وتمتد إلى ترتيبات أوسع، تتيح لها استخدام القضية الجنوبية كورقة تفاوض مركزية في أي تسوية شاملة، مع ضمان بقاء خطوط الأمن والاقتصاد تحت السيطرة.

غير أن خطورة المرحلة تكمن في أن تعدد المسارات، شمالا وجنوبا، إذا لم يتم احتواؤها ضمن إطار وطني أوسع، قد يقود إلى نتائج غير مخطط لها؛ فالتفكيك في هذه الحالة لن يكون قرارا سياسيا معلنا، وإنما نتيجة تراكمية لفشل الجميع في بناء صيغة جامعة.

البيئة الجيوسياسية المحيطة

خفف التقارب السعودي الإيراني من منسوب التوتر الإقليمي، ولم يُلغِ الصراع على النفوذ؛ فهذا المناخ يمنح الرياض هامشا أوسع للمناورة في اليمن، مع تقليص احتمالات التصعيد المباشر، دون أن يعني ذلك تسليم الملفات الحساسة أو التخلي عن أدوات الضغط.

وتنظر الولايات المتحدة الأمريكية إلى الجنوب من زاوية الاستقرار البحري ومكافحة الإرهاب، ومن المرجح دعمها للمسار السعودي طالما بقي ضمن هذه الأطر، مع تحفظ واضح تجاه أي خطوات أحادية قد تعيد خلط الأوراق أو تفتح مسارا يصعب ضبطه قانونيا وسياسيا.

أما مواقف دول الخليج الأخرى فتتسم بالحذر. في حين تفضل عمان الهدوء وعدم الانخراط المباشر، رغم فاعليتها في المشهد، فيما تراقب قطر المشهد بحثا عن أدوار سياسية محتملة، وتميل الكويت إلى الدعم الإنساني والوساطات الهادئة دون الاصطفاف في صلب الصراع.

الخلاصة الاستراتيجية

ما بعد لقاء الرياض ليس مسارا مغلقا ولا نتيجة محسومة؛ نحن أمام مرحلة اختبار لإدارة التحولات، لا حسمها. نجاح هذا المسار مرهون بوضوح الخطوات وواقعية التوقعات، والقدرة على قراءة المؤشرات المبكرة في الميدان، لا الاكتفاء بالتصريحات.

التوصية الأساسية تظل في مراقبة الأفعال لا الأقوال، لأن التغيرات الفعلية في التوازنات الأمنية والسياسية والاقتصادية على الأرض وحدها ستكشف ما إذا كان الجنوب يتجه نحو إعادة تنظيم محسوبة، أم نحو تفكك تراكمي لا يملك أحد القدرة على إيقافه.

خلاصة المشهد أن ما جرى في الرياض يمثل لحظة سحب بساط وإعادة تموضع، ورسالة واضحة بأن إدارة الملف الجنوبي دخلت طورا جديدا. هذا الطور لا يحسم المصير، غير أنه يغير قواعد اللعب، ويؤجل الأسئلة الكبرى، ويترك الباب مفتوحا على سيناريوهات متعددة، من الاحتواء المنظم إلى التفكك البطيء، بحسب قدرة الفاعلين على قراءة اللحظة وعدم الانزلاق خلف أوهام السيطرة الكاملة.

يظل السؤال الجوهري: هل ما يحدث مقدمة لتفكيك اليمن؟ الواقع يشير إلى أننا أمام مرحلة تعليق للصيغة القديمة للدولة، أكثر من كوننا أمام تفكيك نهائي. لا يعلن المسار الحالي نهاية اليمن ككيان، غير أنه يعلن نهاية نموذج واحد لإدارته، ونهاية احتكار التمثيل، ونهاية إدارة الصراع عبر وكلاء محليين منفردين.