آخر الأخبار

spot_img

الشرعية و”معضلة القنفذ”.. صراع لا يحتمل القطيعة

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

خليل الزكري

في يوم شديد البرودة، تقترب مجموعة من القنافذ بحثاً عن الدفء، لكنها ما إن تقترب حتى تؤلمها أشواك بعضها، فتبتعد، ثم تعود لتقترب من جديد، وتتكرر العملية بين ثلاثية البرد والدفء والألم. هذه الصورة التي صاغها الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور قبل قرنين، تبدو اليوم توصيفاً دقيقاً للمشهد السياسي اليمني، خصوصاً القوى المكوِّنة للشرعية. فالكل يخشى الكل، والكل بحاجة إلى الكل من أجل البقاء، دون أن يستطيعوا خلق مسافة آمنة تجنبهم الخوف، وتقيهم من الألم، وتمنحهم الدفء.

في قلب هذا المشهد، وبعد شهر من التوتر بين أطراف الشرعية، الذي كاد أن يصل إلى الانفجار العنيف بسبب التحرك الأحادي للمجلس الانتقالي لفرض سيطرته على حضرموت والمهرة، بدعم إماراتي، وتصدي الحكومة الشرعية لهذا التحرك بقرارات سيادية، أنهت الوجود العسكري الإماراتي في اليمن، وكبحت جماح الانتقالي في التمدد شرقاً، بدعم سعودي سياسي وعسكري.

بعد يومين من الهدوء، برزت على واجهة الفضاء الإعلامي اليمني، بكل تنوعاته، مسألة تلك التحركات والقرارات، التي يصفها كل طرف بالانفرادية، وتتجاوز حدود الشرعية.

يرى الطرف الموالي للإمارات قرارات وتحركات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي انفراداً يقوض ما تبقى من تماسك داخل المعسكر المناهض للحوثيين، ويعيد إنتاج الصراعات الداخلية في لحظة يُفترض فيها توحيد الجهود. كما ينظر إلى تحركات العليمي باعتبارها تصب في مصلحة طرف بعينه، وتحديداً حزب الإصلاح، على حساب بقية الشركاء، وهو ما ينعكس، بحسب منتقديه، على تفتيت التوافق الهش داخل الشرعية، وإشغال القوى المناهضة للحوثي بصراعات جانبية، ومنح الجماعة مكاسب سياسية دون كلفة عسكرية.

في المقابل، يرى المدافعون عن هذه القرارات أن العليمي يتحرك من موقعه الدستوري، وأن ما يوصف بالانفراد ليس سوى محاولة لحماية ما تبقى من فكرة الدولة، في بلد تتنازعه سلطات متعددة: تمرد مسلح في الشمال، مشروع تفكيكي في الجنوب، قوة سيطرة تتمركز في الساحل الغربي، وقوة نفوذ من عمق الشرعية تفرض سيطرتها على الجيش ومركز القرار في مأرب وتعز. وأمام كل هذا، يصبح التمسك بالمركز القانوني للدولة خياراً اضطرارياً، لا ترفاً سياسياً.

في الحقيقة، لا تبدو القرارات سبباً في تعميق الأزمة بين أطراف الشرعية بقدر ما هي انعكاس لها. فالشرعية تعمل في بيئة فقدت فيها أدوات القوة، وباتت مضطرة للاعتماد على الرمزية القانونية والدبلوماسية في مواجهة واقع مليء بالفاعلين الميدانيين والأجندات الإقليمية المتقاطعة.

باعتقادي، ما يحاول العليمي فعله، من موقعه، هو إيجاد مسافة وسطى بين الاقتراب والابتعاد؛ تقارب يحفظ فكرة الدولة، وابتعاد يمنع انفجار الشركاء. بيد أن غياب الثقة يجعل أي خطوة عرضة للتأويل والاتهام، فالقرب يبدو تهديداً، والبعد يبدو انفراداً. فهذا السجال لا يعكس خلافاً حول أشخاص بعينهم، بقدر ما يكشف عن أزمة ثقة عميقة داخل المعسكر الواحد.

وسط هذا التعقيد تبرز “معضلة القنفذ” بكامل دلالتها. أطراف المعسكر المناهض للحوثي بحاجة إلى التقارب لتحقيق هدف مشترك، لكن لكل طرف أشواكه الخاصة، من خلافات أيديولوجية، ومصالح إقليمية، وخوف متبادل من التفرد والهيمنة. فالجميع يريد الدفء، لكنهم يخشون الوخز.

إن المعضلة اليمنية لا تكمن في كيف نختلف، ولكن في كيف يمكن أن نكون شركاء مصير، دون أن نتحول إلى خصوم. فالحل قد لا يكون في البحث عن تحالف بلا أشواك، بل في القبول بأن قدراً من الوخز هو ثمن لا مفر منه مقابل الحصول على الدفء والبقاء.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img