آخر الأخبار

spot_img

الحركة السياسية الإقليمية وتأثيرها على مفاوضات اليمن: تحليل للوضع الراهن (ديسمبر 2025)

“صحيفة الثوري” – (تحليل):

أحمد الحاج

يشهد الملف اليمني في ديسمبر 2025 ديناميكية إقليمية جديدة، أدت إلى تحوّلات ميدانية وسياسية مؤثرة على أي إطار تفاوضي.

على الصعيد الداخلي، تصاعدت عمليات المجلس الانتقالي الجنوبي وسيطرته على محافظات جنوبية جديدة. بينما اصطدمت جهود خفض التصعيد التي تمت برعاية دولية –لا سيما جهود السعودية وسلطات وسيطات مثل عُمان والأمم المتحدة– بتداخل مصالح إقليمية لدول خليجية وإقليميّة كبرى (إيران، الصين تلعب دوراً دبلوماسياً أقل مباشرة لكن متزايد الأهمية). هذه التقاطعات الإقليمية أعادت تشكيل شروط الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وخلقت حالة من عدم اليقين حول مصير أي عملية سياسية شاملة تحت إشراف الأمم المتحدة.

الخلفية السريعة (لمحة تاريخية موجزة)

منذ اندلاع التصعيد واسع النطاق عام 2014 وسقوط صنعاء بيد جماعة الحوثي، دخلت اليمن في صراع متعدد الأبعاد: صراع مركزي بين الحكومة المعترف بها دولياً والحوثيين، وتفجّر صراعات إقليمية داخل الجنوب بين أطراف محسوبة على الدولة ومشاريع انفصالية بدعم خارجي.

منذ 2024-2025، شهدنا محاولات دولية لإحداث تهدئة بين الأطراف، شملت وساطات إقليمية منها دور لعُمان والجهود الأميركية، بالإضافة إلى مبادرات إقليمية مشتركة تدعو لحل سياسي تحت مظلة الأمم المتحدة. ومع ذلك، بقيت الخلافات الجوهرية حول شكل الدولة ومستقبل السلطة في اليمن عائقاً أساسياً أمام اتفاق دائم.

التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة (ديسمبر 2025)

1. توسع نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي: في أيام منتصف ديسمبر، تصاعدت تحركات المجلس الذي أعلن سيطرته على محافظات وقيام عمليات عسكرية في محافظات مثل أبين وحضرموت والمهرة، مع تقارير عن اشتباكات وضحايا عسكريين ومدنيين. هذا التوسع أعاد فرضية وجود مشروع انفصالي جنوبي كقوة واقعية على الأرض يفرض شروطه على أي ترتيب سياسي مستقبلي.

2. تدخلات خليجية مباشرة: وصلت وفود سعودية-إماراتية إلى عدن لعقد محادثات تهدف إلى احتواء التوتر ووقف التقدم الأحادي، في محاولة لإعادة ضبط المشهد جنوباً ووقف اندلاع مواجهة أوسع قد تُضعف المكتسبات الإقليمية لكل طرف. الوجود السعودي-الإماراتي المشترك يُظهر محاولة تنسيق تقني وسياسي لاحتواء آثار سيطرة المجلس الانتقالي على الموانئ والموارد.

3. مبادرات دولية دعائية ودبلوماسية: على المستويين الدولي والإقليمي، برزت دعوات مشتركة من دول مؤثرة –بما في ذلك بيانات ثلاثية تضم السعودية وإيران والصين– تدعو لحل سياسي شامل تحت رعاية الأمم المتحدة، وهو مؤشر على سعي قوى إقليمية كبرى لاستغلال القنوات الدبلوماسية لتقليل مخاطر انزلاق اليمن إلى مزيد من الانقسام أو التأثير على أمن المنطقة.

4. التهدئة مع الحوثيين وتبعاتها: رغم الإعلان عن تهدئة أو وقف اتصالات عسكرية بين أطراف خارجية ومجموعات داخلية (في أجزاء من 2025 شهدت مفاوضات وتهدئة مع الحوثيين بدفع دولي وأميركي)، فإن التحولات في الجنوب والاشتباكات المتصاعدة تضعف الفائدة العامة لتهدئة شمالية-جنوبية متوازنة وتخلق فروقاً إقليمية في الأولويات.

اللاعبون الإقليميون ودوافعهم المؤثرة على التفاوض

• المملكة العربية السعودية: تهتم الرياض بعودة الاستقرار الأمني على حدودها الجنوبية ومنع أي مشروع يهدد خطوط الملاحة أو يؤثر في الأمن القومي. لذلك، تسعى لجهد وساطة وضبط فوضى الجنوب عبر دعم التسوية السياسية التي تحافظ على وحدة اليمن، أو على الأقل على حكومات صديقة. تدخلها مؤخراً أيضاً يهدف لاحتواء أي توسعات إماراتية أحادية قد تزعزع التوازن.

• الإمارات العربية المتحدة: تميل أبوظبي إلى دعم فواعل جنوبية قوية بحجة محاربة الإرهاب وحماية المصالح الاقتصادية والموانئ. دعمها للمجلس الانتقالي يفسّر قدرته على التحرك ميدانياً، لكنه في الوقت نفسه يعرقل أي تسوية وطنية إذا تصور المجلس أن طريقه نحو حكم ذاتي أو استقلالي ممكن.

• إيران: تستثمر إيران تاريخياً في علاقات مع جهات في الشمال (الحوثيين) كآلية لتوسيع نفوذها الإقليمي، وتميل إلى دعم أي ترتيبات تقلص النفوذ السعودي أو الأميركي في المنطقة. دعم طهران للحوثيين أو تيسير قنوات تفاهم معهم يبقى عامل ضغط قوي على أي مفاوضات تقترح إعادة تكوين مركزية السلطة.

• عُمان والأمم المتحدة (وسطاء): عُمان ظلت وسيطاً تقنياً مهماً بين الأطراف، والأمم المتحدة تمثل الإطار الشرعي الدولي لحل النزاع. أي نجاح تفاوضي طويل الأجل يحتاج إلى توافق إقليمي (خصوصاً بين الرياض وأبوظبي وطهران) مع ضامن دولي ملمّ بوضع اليمن المركب.

• قوى دولية أخرى (الصين، روسيا، الولايات المتحدة): لكل منها مصالح مختلفة: واشنطن تركز على أمن الملاحة ومكافحة التهديدات الإرهابية، بكين تميل إلى دور دبلوماسي تجنّباً لصراع قرب طرقها التجارية، وروسيا تبحث عن موطئ قدم دبلوماسي واقتصادي. هذا التعدد الدولي يجعل أي عملية تفاوضية بحاجة إلى تقاطعات خارجية لإضفاء الشرعية والفعالية.

تحليل تأثير التحركات الإقليمية على فرص السلام

1- تفتيت الأهداف التفاوضية: وجود أطراف إقليمية تدعم أجندات متضاربة (وحدة مقابل انفصال) يؤدي إلى مفاوضات تُركّز على قضايا ثانوية بدلاً من معالجة جذور الانقسام (الدستور، توزيع الموارد، صيغ الحكم). هذا يطيل مسار المفاوضات ويجعل أي اتفاق هشّاً.

2- تغيير ميزان القوى على الأرض: سيطرة المجلس الانتقالي على محافظات وموانئ استراتيجية يعيد توزيع أوراق التفاوض؛ فالمفاوضات لم تعد مسألة بين الحكومة والحوثيين فحسب، بل أصبحت تشمل من يمثل الجنوب وقادر على فرض واقع جديد. هذا يقلّل من قدرة الأمم المتحدة على خلق حل توافقي دون إشراك فاعل جنوبي قوي.

3- خطر تجزئة العملية السياسية: إذا ما واصلت الفواعل الإقليمية اتخاذ إجراءات ميدانية لحماية مصالحها (دعم عسكري، حلول مؤقتة إدارية)، فهناك خطر واضح أن تتحوّل عملية السلام إلى سلسلة اتفاقيات ثنائية ومناطقية بدلاً من عملية وطنية شاملة، مما يزيد فرص نشوء دويلات أو إقليمية حكمية.

4- إمكانية استثمار قنوات دبلوماسية جديدة: من جهة أخرى، إشراف قوى كبرى (مثلاً مبادرة ثلاثية السعودية-إيران-الصين) قد يفتح مسارات تفاوضية جديدة ويقوّي ضغطاً إقليمياً على الأطراف لقبول صيغة حل فعّالة، خصوصاً إذا ترافقت هذه المبادرات مع ضمانات اقتصادية وإغاثية ملموسة.

سيناريوهات مستقبلية متوقعة (قصيرة إلى متوسطة المدى)

السيناريو المتفائل: قيادة إقليمية منسقة (تحالف سعودي-إماراتي-إيراني بدعم أممي) تُجري تسوية مؤقتة تقضي بانسحاب جزئي للقوات، فصل مؤقت للصلاحيات في الجنوب مع لجنة إعداد دستور، وبدء برامج إعادة إقلاع اقتصادي وإغاثي. هذا يتطلب تنازلات كبيرة من الأطراف والدول الداعمة.

السيناريو الوسيط (الأرجح حالياً): استمرار مفاوضات متقطعة وهدن محلية مع تزايد التوتر الميداني في الجنوب، مما يولّد حلولاً إدارية مؤقتة ولكن من دون حل دستوري دائم. سيناريو يزيد عدم الاستقرار لكنه يُبقي نافذة تفاوضية مفتوحة.

السيناريو الأسوأ: توسع سيطرة فواعل انفصالية مدعومة خارجياً يؤدي إلى انقسام فعلي للدولة، وتحوّل الصراع إلى مواجهات إقليمية بالوكالة مع تداعيات إنسانية وأمنية واسعة (تهديد الملاحة، موجات نزوح، تفشي الجماعات المتطرفة).

توصيات عملية لصانعي القرار والفاعلين الإقليميين والدوليين

1) إعادة إطلاق مسار تفاوضي جامع تحت مظلة أممية يضمن مشاركة تمثيلية للجنوب (بما في ذلك المجلس الانتقالي إن اقتضى الأمر) مع جدول زمني واضح لمعالجة قضايا الحكم والموارد.

2) آليات فورية لوقف الأعمال العدائية في الجنوب تشمل رصد دولي لانسحابات القوات وفتح ممرات إغاثية، وذلك لخفض العنف وحماية المدنيين.

3) تسوية إقليمية منسقة: تشجيع قنوات سعودية-إماراتية-عمانية-إيرانية على اتفاق مؤقت يربط بين وقف إطلاق النار وضمانات اقتصادية، مع دور صيني/أممي لمتابعة التنفيذ.

4) برامج إصلاح اقتصادي وإغاثي مربوطة بشرط التنفيذ السياسي (حوافز للاستثمار وإعادة الإعمار مقابل خطوات ملموسة نحو حل سياسي) لتقوية الاعتماد المتبادل وجعل السلام مجدياً اقتصادياً.

5) إدارة توقعات المجتمع الدولي: تجنب حلول مؤقتة تقسم البلاد مادياً أو سياسياً دون مخطّط لمرحلة انتقالية دستورية تقود إلى استقرار دائم.

خلاصة:

الحالة اليمنية في ديسمبر 2025 تمثل مفصلاً حساساً: تحرّكات الجنوب وتدخلات إقليمية متضاربة أعادت تشكيل المشهد السياسي، وجعلت أي حلّ طويل الأمد يتطلب تسوية إقليمية-دولية متزامنة مع آليات مراقبة أممية والتزامات اقتصادية واضحة. بينما تضيف التوترات مخاطر كبيرة، فإن وجود قنوات دبلوماسية نشطة، وبروز مبادرات إقليمية مشتركة يوفر أيضاً فرصة نادرة لإعادة ضبط المسار التفاوضي بشرط سرعة التنسيق ووضوح الرؤية.