صحيفة الثوري- كتابات
عبدالواحد المرادي
سرت في رحلة مشوقة وإن كانت طويلة ولا تخلو من متاعب وإرهاق مع تاريخ هذه البلاد الذي يستحق التعب والجهد. وقد قال لنا تعالى: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ. وقال لنا: انظروا في خلق الله، وقال لنا: تفكَّروا في خلق الله.
و وجدت طوال الرحلة بين (820 ميلادية) وحتى مجيء الاستعمار البريطاني في (يناير 1839م)، وجدت التاريخ بين جنوب وشمال هذه البلاد يحتاج إلى دراسة واهتمام كبير. وبالذات بين محافظة البيضاء وبين يافع وأبين وشبوة، وبين محافظة عدن وتعز وزبيد وإب. فهناك تاريخ كبير مجهول، أو بعضه معلوم علمًا غائمًا، الناس عنه في ذهول وقلة تعقّل وخفة عقول. فمثلاً، كأني وجدت تاريخًا واحدًا جمع الأختين عدن وتعز وبينهما لحج وغرب أبين تحت سيادة واحدة وسلطة سياسية واحدة غالبًا وفي أوقات كثيرة، ومعهما زبيد تهامة أكبر مدن تهامة في ذلك الزمان المتطاول، وكجزء من تاريخ اليمن المعاصر آنذاك، ولكنه ذو خصوصية تبرر تناوله هكذا.
وجدت عدن وتعز وبينهما لحجا وغرب أبين بطبيعة الحال قد جمعهما تاريخ كبير مشترك بين ( 820 م / 204 هـ ) و معهما لوقت طويل و إن على تقطع زبيد منذ أول دولة شبه مستقلة في اليمن بعد الاسلام الدولة الزيادية (820 م / 204 هـ ) واستمر كذلك كأنه تاريخا مشتركا في ضل سلطات سياسية واحدة بعد الأخرى تتابعت خلال دول او شبه دول مستقلة مع انقطاعات صغيرة كانت ما تلبث أن تذهب الى 1629 حينما تعثر ذلك التاريخ المشترك بعثرة الامامة التي وصلت تعز في ذلك العام فأقامت..
الوقائع الأساسية الكبيرة للفترة التاريخية:
في حوالي ( 820 م / 203 هـ ) أنشأ محمد بن زياد امارته تحت ولاية العباسيين في زبيد واستمرت حوالي ۲۰۰ عام رغم انقطاعها بحوالي كذا وعشرين عام من بعض مناطقها بسيطرة بني الاصبحي اهل يافع على عدن والذين ازاحهم علي بن الفضل اليافعي ولكن بعد مقتله استعادت دولة بني زياد ما افتقدته.. تولى بعدها فوالتهم النجاحيون وبنو مهدي حوالي 40 عام تقريبا بعدها تولى الاسماعيليون الصليحيون حوالي عام 444 هجرية و ولوا بعد بعض الوقت بني زريع الهمدانيين على عدن وتوجهوا إلى صنعاء والهضبة العليا ورغم سيطرتهم تركوها واتخذوا جبلة اب عاصمة لهم وبنوا زريع هؤلاء حكموا عدن وما حولها لحج وغرب أبين وكذلك تعز وفي ختام حكمهم شملوا اب وجبلة و ماحولهما واستمرت تحت حكم الإسماعيليين كلاهما حوالي 130 عام..
بعدها جاء الايوبيون من تهامة و زبيد وتمددوا بعد ذلك بسرعة الى تعز فعدن حوالي عام 569 هجرية وبعد فترة نقلوا مركز حكمهم من عدن الى تعز وبعد حوالي ستين عاما غادر اخر ولاتهم اليمن وولى بعده عمر بن رسول.. وبعد وقت قصير حكم عمر بن رسول لنفسه جاعلا عاصمته تعز كما قررها الايوبيون واستمر حكم بني رسول قرابة 225 عاما وتوسع حكمهم ليشمل زبيد وكل تهامة حتى الحجاز وشرقا لكل الجنوب وحتى عمان وفي أوج قوتهم سيطروا على كل صنعاء وكل الهضبة الشمالية حتى صعدة وما حولها بعدهم تولى الطاهريون انطلاقا من عدن 1454 م … ثم سيطروا على ما حولها و على تعز و زبيد و نقلوا مركز حكمهم إلى جبن و المقرانة و رداع وخاض الطاهريون حروبا ضارية ضد أئمة بيت شرف الدين وضد مماليك مصر الذين ارسلوا حملات عسكرية عديدة الى اليمن وكانوا منزعجين من احياء الطاهريين لفاعلية ميناء عدن في التجارة الشرقية لذلك الزمان وتعاون الأئمة والمماليك في قتال الطاهريين فأوجعوهم خاصة و أن المماليك أحضروا معهم السلاح الناري إلى اليمن للمرة الأولى ولكن هؤلاء الى آخر نفس حافظوا على عدن وتعز تحت سيطرتهم وفي حوالي 1538م جاء العثمانيون الى اليمن باسم حماية الثغور من البرتغاليين وسحبوا المماليك وغدروا بالطاهريين في عدن ثم تمددوا الى كل اليمن واستمرت سيطرة العثمانيين قرابة مائة عام و عدن و تعز تحت سيطرتهم وفي آخر حكمهم سيطر الأمير عبد القادر اليافعي على عدن انطلاقا من خنفر أبين ولحقه بعد قليل سيطرة الامامة القاسمية عام 1629 على تعز وتمكنت من الاقامة هناك حتى عاد العثمانيون الى اليمن.. وبالتالي غدا ذلك تاريخ انفصال الشراكة التاريخية بين عدن وتعز وقبلهما زبيد في الحياة تحت سلطة سياسية واحدة بين 820 م إلى 1629 م اي خلال حوالي 800 عام.. و لكن علاقات الناس المجتمع السكان بين تعز و عدن يبدو أنها تواصلت و إن ضعفت هل هذه قراءة سياسية صحيحة لتتابع المسار السياسي العام لتلك الفترة التاريخية من الناحية السياسية ؟ دققوا وراجعوا وقولوا آراءكم إن أردتم.. علما ان التواريخ الزمنية تقريبية…
بعد ذلك الإمامة ذهبت الى عدن وأزاحت ابن الأمير عبد القادر اليافعي من عدن حوالي 1054هـ / 1644 م بعد ان كان صديقها وداعمها وواصلت حروبها ضد يافع والبيضاء والعوالق وعملت ما عملت في نجد السلف والبيضاء واحتلت يافع 1065هـ / 1655م وذهبت إلى حضرموت وسيطرت 1069 هـ/ 1659م..
ولكنها بعد وقت قصير أشربها أهل يافع والجنوب من كأسهم المرة ودمائهم الحارة ما أرغمها على الفرار من يافع 1682م / 1093 هـ ثم من عدن و لحج 1117هـ / 1705م ثم من حضرموت 1119هـ / 1707م .. ثم رجع الأئمة مرة اخرى إلى لحج وعدن عليهم ما يستحوا وتكرر طردهم بعد أربع سنين طرد نهائي وحاسم 1145هـ / 1732م…
وكانت تعز أيضا تخوض نضالها ضد هذه الغولة كما في الزغارير و خدير وحيفان (المرجع : المتاهة الحلقات المفقودة للإمامة للمؤلف: بلال الطيب. ص (295 – 297)) طبعة أولى وتكونت هناك شراكة كفاح كبيرة وازنة ووصل مكافحو يافع والجنوب وشركائهم من أهل المناطق التي مر بها موكب مطاردتهم لسيطرة الإمامة إلى الجند في تعز وإلى اب بقيادة الأمير سيف بن قحطان عفيف اليافعي فكان كفاحا مشتركا استمر حوالي قرن كامل وأثر في ذلك القرب الجغرافي والتشارك الثقافي ووحدة المعاناة والآلام .. ولكن الفاصل كان الأئمة قد أقاموه وشراكة ثمانمائة عام قبلها قطعت نسبيا 820هـ / 1629 م لكن ثمانمائة عام ميراث كبير وخلاله كما قال بعض المؤرخون بنيت صهاريج عدن وبواباتها وسورها التاريخي الحصين ومباني كريتر عدن الحجرية . الخ صحيح تخلل ذلك التاريخ بعض تنوع فمثلا دخل الأصابح أهل يافع إلى عدن وأزاحوا بني معن العوائق الذين أداروا عدن نيابة عن بني زياد لوقت طويل ثم أزاحهم صاحبهم علي بن الخنفري اليافعي 290هـ / 903م ومن عدن انطلق وواصل المسيرة إلى المعافر تعز ودانت له اليمن كلها بعد عدن وتعز و زبيد واب حتى قضى نحبه بالسم في عاصمته المذيخرة عام 303 هـ / 916 م بعدان حكم البلاد اليمنية كلها تقريبا حوالي خمسة عشرة عاما
وجاء لبعض الوقت على الطولقي البدوي الأبيني وسيطر على عدن واسترجع منه السيطرة العثمانيون بسرعة بعد حوالي عام أو هكذا في مستهل احتلالهم لليمن وكذلك الأئمة امسكوا بتعز مرتين قصيرتين اجمالي مد تيهما لا تكملان ثلاثة عشرة عاما.. وفي آخر عهد العثمانيين في القرن السابع عشر استغل ضعفهم الامير عبد القادر اليافعي وتوسع من خنفر إلى عدن 1626 م كما أسلفنا ثم وقع ضحية من أحسن إليهم مثل علي البيض في زماننا وغدره بن عم الامام المتوكل بن القاسم الذي سبق ان لجأ اليه نازحا لاجئاً واحتل عدن كما اسلفنا الاشارة.. كان هذا تعدد ألوان لفترات قصيرة كأنها لا تنال من شراكة 800 عام… ولفت انتباهي أن لا تناقضات ذات طابع مناطقي وظهرت بين الناس والناس في قاعدة المجتمع وذكرها المؤرخون الذين اطلعت على كتاباتهم مثل الأساتذة محمد عباس ناجي وعبد الله با مخرمة في تاريخ ثغر عدن وكذلك ر.ج. جافن المؤرخ لاستعمار بريطانيا لعدن و الجنوب ولا كذلك من تصفحي كتابي الاخوين الدكتورين محمد منصور بلعيدي وعباس علوي فرحان ومثلهما كتيب للاخ الدكتور عاشور عبود… وإن كانت هناك صراعات ضد الحكام الطاغين وهذا يحدث ضد الحكام الطاغين حيثما وجد ظلم.
ووجد تبادل تأثير اجتماعي ثقافي بين المكونات السكانية في الدولة الواحدة فكم أشعت زبيد بفقهها وسنيتها و ياما أفاضت صوفية حضرموت على أهل هذه البقاع وما أهم انتشار صوفية بن علوان إلى عدن ويافع وغيرها حسب ثقافة وعقليات الزمان والمكان وهكذا وهكذا… أما الطبيعة الاجتماعية التاريخية لتلك الدول و الدويلات فمسألة ليست موضوعنا هنا و هكذا..
للأسف ليست لدينا أو لم أجد أية صورة تاريخية واقعية عن حالة العيش المشترك لأبناء تلك الكيانات السياسية التي شملت أبناء هذا الامتداد الجغرافي السياسي الاجتماعي في مدينة واحدة .. أو مكان سكن مشترك واحد لأبناء هذه المدن و التجمعات أو المجتمعات البشرية أول قل ما أقلها لضعف اهتمام المؤرخين بهذا الجانب الهام في تلك المرحلة من تطور الكتابة التاريخية أهم مما ورد في كتاب المرحوم الطيب عبدالله بامخرمة عن تاريخ ثغر عدن ( ص 54 ) و هي فقرة كاتبها في القرن السابع الهجري المؤرخ الشهير بن المجاور الذي عاش في عدن بين القرنين السادس و السابع الهجريين.
و كتبها في كتابه المستبصر و تقول ما نصه ( و غالب سكان المدينة عرب مجمعة من الاسكندرية و مصر و الريف و العجم و الفرس و حضارم و مقادشة و جبالية و أهل ذبحان و زيالع و رباب و حبوش و قد التأم إليها من كل بقعة و كل أرض و تمولوا فصاروا أصحاب خير و نعم و غالب أهلها حبوش و برابر).
و ملفت للانتباه نشر المؤرخ الكبير بامخرمة لهذا النص في القرن العاشر الهجري بعد مضي حوالي ثلاثمائة عام دون تعديل أو تعليق؟!
و هذا اجتهادي التاريخي المعرفي ليس دعوة للوحدة اليمنية اليوم ولا للذهاب إلى باب اليمن فالوحدة التي حققها الأخ علي سالم البيض وحدة 22 مايو 90 هدمتها حرب 94 العدوانية الظالمة التعيسة وسياسات الظم والالحاق والالغاء المواصلة لنهج الحرب بأساليب سياسية واقتصادية وادارية واجتماعية الخ ضد الجنوب سببت جراحا عميقة في النفوس وفي حياة الناس الواقعية الصعبة القاسية والمستمرة إلى اليوم بهذا الشكل أو ذاك.. وهي أي الوحدة اليمنية تعني شراكة حياة يجب أن تدرس في كل حالة بمقاييس الزمان والمكان وخبرات الناس الواقعية بين اليمنيين المعاصرين وارادتهم الحرة من أية ضغوط. ولكني ادعوا إلى تأمل شراكات الناس الواقعية في الحياة الواقعية بغناها وتنوع وجوهها كما وجدت في التاريخ بظروفه الواقعية وقد قيل صواباً أن التاريخ هو مختبر علم الاجتماع…..
هذه قراءة للتاريخ بقدر ماهي موضوعية بقدر ما تظهر محاولة وعي الذات في التاريخ.. ثمانية قرون حياة مشتركة في ضل دولة او شبه دولة سياسية واحدة مهم التأكد من ذلك ثم تأمل دلالات ذلك ؟.. وقرن اخر قرابة مائة عام 1644م / 1732م نضال مشترك ضد غولة سياسية وافدة من شمال الشمال هي الامامة المستجدة على حياة هذه الانحاء من البلاد تصدره أهل يافع المكافحين الأبطال…
ثم القرن التاسع عشر يمكن أن نعده قرن استيعاب صدمة الحداثة مع الاستعمار البريطاني..
بعد ذلك القرن العشرين كان زمن النضال المشترك لوعي الذات الوطنية وللنضال المشترك ضد الاستعمار البريطاني وضد الامامة ومن اجل الحرية والتطور المستقل لمصلحة الشعب.. وهذا حديث آخر ….
و بالله التوفيق و هو المستعان.
19/4/2025.
(تلخيص لموضوع واسع قليلاً)

