آخر الأخبار

spot_img

قراءة في كتاب “الإرساليات التبشيرية في عدن (1839–1967م)”

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

إعداد: أحمد الحاج

يشكل هذا الكتاب نافذة على مرحلة دقيقة من تاريخ اليمن الحديث، تجمع بين الدين والسياسة الثقافة في إطار واحد ومن خلاله نسافر الى عدن المدينة التي كانت يوماً مسرحاً لتقاطع الحضارات والأفكار، إنه عمل يوثق صراع الهوية والانتماء في زمن الاستعمار ويعيد طرح أسئلة الوعي والثقافة في مواجهة الغزو الفكري. ولعلي بهذه القراءة أكون قد وفقت في شرح ما يحويه الكتاب.

بحث علمي بجرأة فكرية
صدر الكتاب عن دار الوفاق الحديثة للنشر والتوزيع – مصر في طبعته الأولى عام 2020م، وهو نتاج بحث أكاديمي رصين حاولت فيه الباحثة تفكيك علاقة الدين بالسياسة في تجربة عدن الاستعمارية، أعتمدت المؤلفة المنهج التاريخي التحليلي، فجمعت بين الوثائق البريطانية والعثمانية والمصادر العربية، وأجرت مقابلات مع شهود معاصرين للفترة التي تناولتها، في عمل توثيقي قلّ نظيره في المكتبة اليمنية.

أولًا: مدخل عام – خلفية وأهمية الموضوع
تبدأ الكاتبة مقدمتها بالإشارة إلى أن التنصير كان من أخطر ما واجه المجتمعات الإسلامية بعد الاستعمار، باعتباره غزوًا فكريًا يهدف إلى إبعاد المسلمين عن دينهم وثقافتهم، وتوضح أن عدن بسبب موقعها الجغرافي والإستراتيجي المطل على باب المندب والبحر الأحمر كانت من أكثر المدن اليمنية تعرضًا للتأثير التبشيري منذ الاحتلال البريطاني سنة 1839م وحتى الجلاء عام 1967م.

ترى المؤلفة أن دراسة هذا الموضوع ضرورة علمية ووطنية، لأن الأدبيات السابقة تناولت الجوانب السياسية والاقتصادية للاستعمار، لكنها أغفلت الجانب الديني والثقافي المتمثل في عمل الإرساليات التبشيرية. كما تذكر الصعوبات التي واجهتها في جمع المعلومات بسبب حساسية الموضوع، وامتناع بعض الجهات الكنسية عن التعاون، خاصة كنيسة القديس أنتوني في عدن.

ثانيًا: منهج الكتاب وبنيته
إعتمدت الباحثة المنهج التاريخي التحليلي القائم على الوثائق والمصادر المعاصرة للأحداث، إضافة إلى مقابلات شخصية مع من عاصروا فترة النشاط التبشيري.

ويتألف الكتاب من تمهيد وأربعة فصول رئيسية:
1. التمهيد: عرض للأوضاع الدينية في اليمن قبل الإسلام ودخول المسيحية إلى جنوب الجزيرة.
2. الفصل الأول: عدن قبل الاحتلال البريطاني.
3. الفصل الثاني: الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في عدن وأثرها في انتشار التبشير.
4. الفصل الثالث: دراسة الإرساليات التبشيرية من حيث النشأة والارتباط السياسي والديني.
5. الفصل الرابع: أهداف ووسائل التبشير ونتائجه على المجتمع العدني واليمني عمومًا.

ثالثًا: الأديان في اليمن قبل الإسلام – جذور المسيحية
توضح الباحثة أن اليمن القديم عرف الأديان التوحيدية الثلاثة (اليهودية، المسيحية، الإسلام)، وكانت المسيحية قد دخلت إلى جنوب الجزيرة عبر الوعاظ والتجار الأحباش والبيزنطيين.

بُنيت في اليمن عدة كنائس منذ القرن الرابع الميلادي، منها كنيسة أبرهة في صنعاء المعروفة بـ”القليس”، التي حاول بها أبرهة أن يصرف العرب عن الكعبة، ورغم انتشارها المؤقت، إلا أن المسيحية ارتبطت في أذهان اليمنيين بالنفوذ الأجنبي، لذلك لم تترسخ جذورها الشعبية وبقيت ديانة الأقلية حتى ظهور الإسلام الذي طوى تلك الحقبة.

رابعًا: عدن قبل الاحتلال البريطاني – مطامع القوى الأوروبية
تخصص الكاتبة فصلًا كاملًا لتاريخ عدن قبل 1839م، مبرزة التنافس الأوروبي حولها، وتبدأ بسرد النشاط البرتغالي منذ أواخر القرن الخامس عشر، حين حاولت البرتغال بقيادة فاسكو دي غاما والبوكيـرك السيطرة على عدن والبحر الأحمر لقطع طريق التجارة الإسلامية بين الشرق والغرب، تستعرض بالتفصيل محاولاتهم المتكررة لغزو عدن بين 1512 و1530م، وفشلهم في تحقيق أهدافهم بسبب المقاومة اليمنية والظروف الجغرافية القاسية للبحر الأحمر، ثم تنتقل إلى النشاط البريطاني الذي بدأ في القرن السابع عشر مع إرسال شركة الهند الشرقية رحلات استطلاعية إلى عدن والمخا. واجه البريطانيون ممانعة عثمانية في البداية، لكنهم استمروا في محاولاتهم التجارية والسياسية حتى تمكنوا من احتلال عدن فعليًا سنة 1839م بعد تدهور الدولة العثمانية.

كما تشير الكاتبة إلى النشاط الهولندي المنافس، الذي حاول إنشاء وكالة تجارية في عدن والمخا في القرن السابع عشر لكنه فشل بسبب رفض الولاة العثمانيين السماح بوجود مسيحي دائم قرب الأماكن المقدسة في الحجاز واليمن.

خامسًا: عدن بعد الاحتلال البريطاني- بيئة التبشير
تعتبر الباحثة أن الاحتلال البريطاني شكّل نقطة التحول الكبرى في النشاط التبشيري باليمن، فقد وفرت السلطات البريطانية حماية كاملة للإرساليات التي كانت تمثل الوجه الديني للاستعمار، بهدف خلق قاعدة اجتماعية وثقافية موالية للوجود البريطاني، تم إنشاء مؤسسات تعليمية وصحية ذات طابع تبشيري، أبرزها:
• المدرسة التبشيرية الإنجليزية التي خرّجت أجيالًا من أبناء عدن.
• مستشفى الإرسالية المسيحية الذي كان يقدم العلاج مجانًا بهدف كسب الثقة والتأثير الديني.
• كنيسة القديس أنتوني وغيرها من الكنائس التي شكّلت مراكز إشعاع فكري وثقافي للمجتمع العدني المسيحي أو المتأثر بالغرب.

وتبين المؤلفة أن البريطانيين استخدموا هذه المؤسسات لتوسيع نفوذهم الثقافي، حيث كان المبشرون يقدّمون الخدمات الاجتماعية والتعليمية بغطاء إنساني، بينما كانت الغاية الحقيقية هي زرع قيم التغريب والعلمنة بين السكان المحليين.

حين يتحرك المبشر خلف الجندي
تبيّن الكاتبة أن بريطانيا لم تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل على الإرساليات التبشيرية التي انتشرت في عدن تحت حماية الإدارة الاستعمارية، كانت تلك الإرساليات تقدّم نفسها كجهات إنسانية تهدف إلى التعليم والعلاج، لكنها في الواقع كانت واجهة فكرية للاستعمار، تمهد لفرض قيم غربية على المجتمع المسلم المحافظ.

أنشأت المدارس والمستشفيات والكنائس، مثل المدرسة التبشيرية الإنجليزية ومستشفى الإرسالية المسيحية، التي لعبت دورًا مزدوجًا: خدمة اجتماعية من جهة، واختراق ثقافي من جهة أخرى

سادسًا: دوافع وأهداف الإرساليات التبشيرية
تربط الكاتبة بين النشاط التبشيري والمخطط الاستعماري العام، مؤكدة أن التبشير لم يكن عملًا دينيًا بحتًا، بل جزءًا من مشروع استراتيجي يهدف إلى:
1. تحييد المقاومة الإسلامية عبر نشر ثقافة الخضوع والتسامح غير المتكافئ.
2. تهيئة المجتمع العدني لقبول الاستعمار عبر التعليم والتوظيف والطب.
3. إضعاف الهوية الدينية وتشجيع قيم غربية كتحرر المرأة والتبعية الثقافية.
جمع المعلومات السياسية والاجتماعية التي تفيد الإدارة البريطانية في إحكام سيطرتها على عدن واليمن الجنوبي

سابعًا: وسائل التبشير وأساليبه
اعتمدت الإرساليات وسائل متنوعة بحسب طبيعة المجتمع العدني:
• التعليم: إنشاء مدارس للبنين والبنات ركزت على اللغة الإنجليزية والمواد الغربية.
• الطب: فتح مستشفيات وعيادات متنقلة تخدم الفقراء وتربط العلاج بالتوجيه الديني.
• المساعدات الإنسانية: توزيع الغذاء والملابس في أوقات المجاعة أو الحروب.
• المنشورات والكتب: طباعة الكتيبات الدينية وتوزيعها في الأسواق والموانئ.
• الاحتكاك المباشر: من خلال العلاقات اليومية في الأحياء والأسواق والموانئ، خصوصًا مع العمال اليمنيين والهنود.

وتشير الباحثة إلى أن هذه الوسائل كانت أكثر فعالية من الوعظ المباشر، لأنها استهدفت الفئات الضعيفة اقتصاديًا أو اجتماعيًا.

أهداف لا دينية بل سياسية
تكشف الدراسة أن الغاية الحقيقية للتبشير لم تكن نشر الديانة المسيحية بقدر ما كانت نشر ثقافة الخضوع والولاء للمستعمر ومن أبرز أهدافها:
• تهيئة البيئة الاجتماعية لتقبل النفوذ البريطاني.
• إضعاف مكانة الإسلام في وعي الأجيال الجديدة.
• خلق طبقة متغربة تتحدث الإنجليزية وتتبنى الفكر الغربي.
• تحويل التعليم إلى أداة للتأثير الثقافي والسياسي.

الطب والتعليم.. أدوات “الاقتناع الهادئ”
تُبرز المؤلفة أن المبشرين استخدموا الطب والتعليم كمدخلين رئيسيين للتأثير، حيث كانت المستشفيات تُقدِّم العلاج المجاني مصحوبًا بنشرات دينية، والمدارس تزرع قيمًا جديدة تفضّل الغرب على الموروث المحلي، كما استخدموا المنشورات والكتب المصوّرة بلغات متعددة، في محاولة لبثّ فكرهم بين الطبقات البسيطة، وخاصة في الأحياء القريبة من الميناء والأسواق الشعبية.

ثامنًا: نتائج التبشير وردود الفعل المحلية
رغم النشاط الكثيف للإرساليات، تؤكد المؤلفة أن التنصير في عدن لم يحقق نجاحًا واسعًا، إذ ظل عدد المتنصرين محدودًا جدًا، والسبب في ذلك تمسّك اليمنيين بدينهم، ووعي العلماء والمثقفين بخطورة المخطط، لكن التبشير ترك آثارًا ثقافية عميقة، أهمها:
• نشوء طبقة عدنية متغربة ثقافيًا تتحدث الإنجليزية وتتبنى بعض القيم الغربية.
• تأثير على التعليم والإدارة، حيث أصبحت اللغة الإنجليزية أساسًا في المؤسسات.
• تنامي الحس الديني المقاوم الذي ربط بين الإسلام والوطنية في مواجهة الاستعمار.

عدن تقاوم الغزو الناعم
على الرغم من كل تلك الوسائل، تسجّل الباحثة أن عدن لم تخضع للتنصير، إذ ظلّ عدد المتحوّلين إلى المسيحية محدودًا جدًا، فقد أبدى المجتمع العدني تمسكًا قويًا بدينه وثقافته، وبرزت حركات مقاومة فكرية ودينية قادها علماء ومثقفون كشفوا أهداف التبشير، وربطوا بين مقاومته ومقاومة الاستعمار البريطاني، لكن أثر التبشير ظلّ ماثلًا في تحولات ثقافية ظهرت في اللغة والتعليم وأنماط الحياة، وهو ما اعتبرته الكاتبة أخطر من التنصير المباشر.

أثر طويل المدى رغم الفشل المباشر
تؤكد الدكتورة هناء عبدالكريم أن فشل التبشير في تحقيق هدفه الديني لا يعني فشله بالكامل، فقد نجح في غرس البذور الأولى للتغريب الثقافي، وتغيير نمط التعليم والإدارة في عدن، وتهيئة جيل جديد من الموظفين والمثقفين المتأثرين بالقيم البريطانية، وبذلك أسهم التبشير في تشكيل البنية الفكرية لمرحلة ما بعد الاستعمار، حتى وإن رحل المبشرون مع نهاية الوجود البريطاني عام 1967م.

تاسعًا: تقييم عام للدراسة
يُحسب للكتاب أنه من الدراسات القليلة التي تناولت البعد الديني والثقافي للاستعمار البريطاني في اليمن بلغة علمية موثقة، اعتمدت الباحثة على مصادر متنوعة: وثائق بريطانية، كتب تاريخية، مقابلات ميدانية، وكتيبات تبشيرية محفوظة في مركز حنبلة للتوثيق بعدن، أسلوب الكاتبة يجمع بين الدقة الأكاديمية والروح الوطنية؛ فهي لا تكتفي بسرد الأحداث بل تربطها بتحليل اجتماعي وسياسي، مما يجعل العمل مرجعًا مهمًا للباحثين في تاريخ اليمن الحديث، وفي دراسات ما بعد الاستعمار.

عاشرًا: دلالات التجربة
التبشير والاستعمار.. وجهان لعملة واحدة
تخلص الدراسة إلى أن عدن كانت نموذجًا مصغرًا لصراع الحضارات بين الشرق الإسلامي والغرب الاستعماري، وأن التبشير كان أداة ناعمة لتكريس النفوذ البريطاني.

غير أن المجتمع العدني، رغم انفتاحه، لم يستسلم بالكامل، بل قاوم بوسائل ثقافية ودينية حتى تحقق الاستقلال في 30 نوفمبر 1967م، لتغلق صفحة طويلة من التبشير والاستعمار معًا، يخلص الكتاب إلى أن الإرساليات التبشيرية كانت اليد الناعمة للاستعمار البريطاني، استخدمت الدين أداةً لتثبيت السيطرة السياسية، والثقافة وسيلةً لتفكيك الهوية المحلية.

ورغم محاولاتها الواسعة، ظلّ الإسلام في عدن واليمن عمومًا عصيًا على الاختراق، مؤكّدًا أن جذور الإيمان أعمق من كل حملات التغريب والتبشير.

عن المؤلفة
الدكتورة هناء عبدالكريم فضل عبدالله باحثة وأكاديمية يمنية متخصصة في التاريخ الحديث والمعاصر، تميّزت دراساتها بالجمع بين الدقة العلمية والرؤية الوطنية، يُعدّ هذا الكتاب من أوائل الدراسات الأكاديمية اليمنية التي تناولت النشاط التبشيري في عدن، موثّقًا بالأدلة والمقابلات الميدانية.

بطاقة الكتاب
• العنوان: الإرساليات التبشيرية في عدن (1839–1967م)
• المؤلفة: د. هناء عبدالكريم فضل عبدالله
• الناشر: دار الوفاق الحديثة – مصر
• الطبعة الأولى: 2020م
• عدد الصفحات: 129 صفحة