صحيفة الثوري – (رأي)
إسماعيل الصنوي
في غمرة الحروب المديدة، تكتشف سلطات الغلبة القهرية أن السلاح—على فداحة نكاله—أداة قاصرة عن تأبيد الطغيان ما لم يسانده ترويض بطيء لوعي الضحايا. إن أنكى ما تصنعه المليشيات الانقلابية ليس هدم الحواضر أو التنكيل بالأجساد، بل هو ذلك الرهان الخبيث على عامل الوقت لتحويل الجريمة من صدمة مستهجنة إلى واقع مألوف. عندما يستحيل الاستثناء قاعدة، وتبدأ المجتمعات المنهكة بالاعتياد على عذاباتها اليومية، تصبح العادة هي البديل الصامت لفوهات البنادق؛ حيث يكسب الطغيان معركته الأكبر لا باقتحام القلاع، بل بدفع الناس إلى لحظة الإذعان والرضوخ لواقع بائس فُرض بالقسر ثم استقر بالألفة والإنهاك.
ولم يكن هذا التدجين الممنهج غريباً على المنعطفات التاريخية التي انتكست فيها الأمم؛ ففي ألمانيا ثلاثينيات القرن الماضي، لم يكتفِ النظام النازي بالاستيلاء على السلطة، بل مضى إلى إخضاع المؤسسات والتعليم والمجال الثقافي لأيديولوجيته، في عملية واسعة لإعادة تنظيم المجتمع وفق إرادة الحزب الحاكم. وسِيق المجتمع نحو طاعة الواجب بالتعود، وغدا التمييز والملاحقة سلوكاً يومياً مألوفاً. ولا تتطابق تفاصيل الأمس مع واقعنا المعاصر، لكنها تضيء ذات الزاوية المعتمة في المأساة اليمنية اليوم؛ حيث تمارس مليشيا الحوثي انقلابها عبر تجريف منظم للضمير الوطني والنسيج الفكري. وهو ما وثقه بدقة التقرير النهائي لفريق الخبراء المعني باليمن، المقدم إلى مجلس الأمن الدولي (أكتوبر 2025)، مشيراً إلى أن ما تسميه الجماعة الجبهة الداخلية ليس إلا جهوداً متدرجة لتقييد المجال المدني، وإعادة تشكيل المؤسسات والتعليم لتكريس التلقين الأيديولوجي طويل الأمد، مستغلة تجنيد الأطفال والإكراه والفقر لتمرير هذا الاستلاب الفكري.
إن الحظر الذي تفرضه المليشيا على الحقوق والرواتب، وجباياتها الجائرة، واستهدافها البشع للطفولة بالقتل والتحشيد نحو محارق الموت، لا يمكن اعتباره مجرد تعسف عابر لسطوة مسلحة، بل هو استراتيجية إمامتية متجددة تسعى لنقل المجتمع من فضاء المواطنة المقاوِمة إلى وهدة الرعية المستكينة. المليشيا تراهن على سيكولوجية الإنهاك؛ تريد لليمني الذي يركض خلف حبة الدواء وجرعة الماء وقوت أطفاله، أن يصل إلى درجة من التعب يفقد معها القدرة على تخيل بديل عن هذا الكهنوت، فيتعايش مع القمع باعتباره قدراً محتوماً لا فكاك منه. ولعل أخطر ما في هذا المخطط أنه يتسلل عبر تنازلات صغيرة تفرضها الحاجة ويتراكم أثرها بمرور الزمن؛ حين يصبح التعبير عن الرأي مخاطرة، والاعتراض على الجباية مغامرة، وحين تُزاحم الشعارات السلالية وظيفة المدرسة في تعليم الطفل كيف يفكر، لتصبح أداة لتلقينه لمن ينبغي أن يدين بالطاعة والولاء الحصري.
غير أن هذا التمييز الأخلاقي بين مكرَه يلوذ بالصمت لينجو ومنخرط يعمل على تسويق الوهم، لا يجوز أن يتحول إلى صك براءة لتطبيع الأمر الواقع أو مهادنة أدواته. إن التكيف مع القهر بذريعة العجز هو أولى خطوات السقوط في فخ الكهنوت؛ وتتجلى هذه المعضلة اليوم في محاولات المليشيا المستميتة لتطبيع الأوضاع في مناطق التماس كالحجرية عبر فتح المدارس وتمرير مناهجها المسمومة، وهو ما واجهته الحكومة الشرعية بقرار حازم بتتعليق الدراسة لقطع دابر التدجين. فالصمت الفردي لغاية البقاء شيء، والقبول بإنشاء واقع مشوه يخدم الانقلاب تحت لافتة الحياة اليومية شيء آخر؛ وبينهما برزخ تفصله القرارات السياسية التي ترفض منح القوة الغاشمة أي غطاء أخلاقي ومجتمعي، وتمنع الاستثناء من أن يصبح قاعدة شرعية.
وهنا يبرز دور الحكومة الشرعية في تمتين هذا الصمود؛ فالناس لا يحتاجون فقط إلى تعرية المشروع الإمامي والكهنوت الجديد، بل إلى جهد مؤسسي متكامل يؤكد أن الجمهورية هي المظلة الحامية للعدالة، والأمن، والراتب المنتظم، والقضاء المنصف، والحقوق المتساوية، مما يعزز ثقة المواطنين في دولتهم ويقطع الطريق على محاولات ترويض وعيهم. إن المعركة الحقيقية هي مواجهة وجودية بين مفهومين للحكم: سلطة قسرية تريد أن يعتاد الإنسان حدود ما تسمح له به تحت وطأة الخوف، ودولة شرعية تقوم على حقوق أصيلة لا يستطيع حاكم أن ينتزعها.
بيد أن وعي الشعوب، وإن اعتراه الوهن تحت وطأة التنكيل، يملك برزخاً عصياً على الاختراق؛ فالألم لا يصنع الوعي تلقائياً، بل يضع المجتمع أمام سؤال أخلاقي وتاريخي: هل تتحول المعاناة إلى ذاكرة تحمي الحقوق، أم إلى إنهاك يجعل القهر أكثر احتمالاً؟ وهنا يبرز الفارق الفلسفي العميق بين مجتمع يتعايش للنجاة ومجتمع يؤمن بالمشروع؛ فالمليشيا التي تدعي الحق الإلهي والاصطفاء السلالي تقف اليوم عاجزة أمام حقيقة ديموغرافية واجتماعية صصلبة: أن ستة عقود من الوعي السبتمبري الجمهوري قد حفرت في وجدان اليمني ركائز بديهية لا يمكن تجريفها بملزمة أو تعميم أو خطبة منبرية مسروقة. والقتل الذي يطال الأطفال في تعز، ومأرب، والحديدة، يرتد في عمق السيكولوجية المجتمعية كوقود متجدد للرفض، يحيل كل قطرة دم إلى جدار صد في وجه الكهنوت.
إن الدرس السياسي الأثمن الذي يجب أن تعيه قوى المقاومة الوطنية هو أن مواجهة مشاريع التدجين لا تكون بانتظار الحلول السياسية العابرة، بل بحراسة الوعي الجمهوري في الداخل والخارج، وإبقاء جذوة الرفض مشتعلة ضد بديهيات الكهنوت؛ فالجمهورية التي ناضل من أجلها اليمنيون لم تقم لكي يستبدلوا إمامًا بسيد، وإنما لكي ينتهي زمن السيادة الموروثة، ويصبح الحكم مسؤولية يمنحها الشعب ويملك حق سحبها. وحين يستقر الغبار وتنكشف عورات هذه المرحلة، لن تسأل الأجيال القادمة عن حجم المعاناة بقدر ما ستسأل عن المبدأ؛ هل استسلم الوعي لسلطان العادة؟ أم ظل الحفاظ على فكرة الدولة والمواطنة هو المدماك الذي تحطمت عليه دعاوى التفويض الإلهي؟
طوبى لليمن حين تغدو المواطنة فيه هي الأرومة والنسب، وحين تنبت الأرض أجيالاً ترفض أن تنحني رِقابها لغير الحق، لتغلق إلى الأبد كتاب السيد والرعية.


