«صحيفة الثوري» – (رأي):
أحمد طه المعبقي
أثار ميثاق الشرف القبلي، الذي أقرّه عدد من شيوخ القبائل اليمنية في مؤتمر جنيف، نقاشاً حول مدى تعارضه مع مشروع الدولة المدنية. وفي تقديري، فإن هذا النقد يحتاج إلى قراءة موضوعية تميّز بين المبادئ التي تضمنها الميثاق وطبيعة الدور السياسي الذي يُفترض أن تضطلع به القبيلة.
فالمبادئ الواردة في الميثاق، المتعلقة بحماية المدنيين، واحترام الأسرى والجثث، وحظر التعذيب، وحماية الأعيان المدنية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، لا تتعارض مع مشروع الدولة، بل تتفق مع قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، واتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، التي صادقت عليها اليمن.
كما أن إشراك القبيلة في جهود الوساطة وحماية المدنيين لا يمثّل تهديداً للدولة المدنية، ما دام دورها مكمّلاً لمؤسسات الدولة وليس بديلاً عنها، وما دامت الأعراف القبلية خاضعة للقانون، ولا تتحول إلى سلطة موازية للقضاء ومؤسسات إنفاذ القانون.
لكن المأخذ الأساسي على مؤتمر جنيف أن مخرجاته لم تقدّم جديداً يتجاوز إعادة صياغة التزامات إنسانية وقانونية معروفة، ولم تضع آليات واضحة لتنفيذ الميثاق أو مراقبة الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها.
والأهم من ذلك أن المؤتمر لم يقدّم رؤية سياسية أو مبادرة عملية تسهم في إنهاء الحرب ومعالجة أسبابها، ولم يوظّف المكانة الاجتماعية والسياسية لشيوخ القبائل في الضغط من أجل وقف إطلاق النار، وإنهاء التحشيد والتجنيد، وفتح الطرق، وتبادل الأسرى، واستعادة مؤسسات الدولة.
فاليمن لا يحتاج إلى المزيد من مواثيق الشرف بقدر حاجته إلى إرادة سياسية تنهي الحرب وتعيد الاعتبار للدولة وسيادة القانون. فالقبيلة يمكن أن تكون شريكاً في صناعة السلام، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الدولة ومؤسساتها.
وهنا تكمن المفارقة: أن ينعقد مؤتمر في جنيف تحت عنوان الشرف القبلي، بينما تظل القضية الأهم، وهي كيف يتحول هذا الشرف إلى قوة ضغط حقيقية لإنهاء الحرب، غائبة عن مخرجاته.
وفي الختام، نضع ميثاق الشرف القبلي ومخرجات مؤتمر جنيف أمام الدكتور أحمد الحميدي، عميد كلية الحقوق السابق، وأستاذ القانون الدولي الإنساني بجامعة تعز، والخبير القانوني في قواعد النزاعات المسلحة، ليدلي بدلوه القانوني والأكاديمي بشأن هذه المخرجات، ومدى اتساقها مع قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما القواعد العرفية، ومدى التزامها بالمعايير القانونية التي تحكم النزاعات المسلحة.
كما نتطلع إلى تقييمه لمدى كفاية هذه المخرجات، والآليات اللازمة لتحويل مبادئ الميثاق من مجرد التزامات معلنة إلى قواعد عملية قابلة للتنفيذ والمساءلة.


