صحيفة الثوري- كتابات
مقال رأي لأراش عزيزي في مجلة أتلانتك الاميركية
ماذا قدمت الجمهورية الإسلامية للإيرانيين؟ لقد عانى المواطنون من التدهور الاقتصادي والقمع السياسي والاجتماعي والعزلة الدولية على مدى عقود من حكمها، واليوم، تخوض البلاد حرباً مفتوحة لا تبدو لها نهاية في الأفق، وأصبح الإيرانيون أسوأ حالاً بكثير مما كانوا عليه قبل عشرين عاماً، بكل المقاييس تقريباً.
حتى أبواق الدعاية التابعة للنظام لا تستطيع إنكار هذه الحقائق، ولذلك، يصرّ كثيرون منها على تبرير إخفاقات الجمهورية الإسلامية بمقاومتها التي لا تلين للإمبريالية الأميركية، ويقول المدافعون عن النظام إن معظم المعاناة الاقتصادية التي تعيشها إيران يمكن تفسيرها بأنها الثمن الذي تدفعه لقاء هذا الموقف البطولي، الذي ردّ عليه الغرب بفرض عقوبات ألحقت أضراراً جسيمة بمستوى معيشة الإيرانيين.
لكن قصة علاقة الجمهورية الإسلامية بالقوة الأميركية، ومدى إسهام هذه العلاقة في خدمة السيادة الإيرانية أو الإضرار بها، أكثر تعقيداً من ذلك. كان محمد رضا بهلوي، شاه إيران قبل الثورة، حاكماً مستبداً معادياً للشيوعية، يولي علاقاته بالولايات المتحدة أهمية كبيرة، وقد أدانه خلفاؤه ووصفوه بأنه دمية في يد الأميركيين، وزعموا أنهم حرروا إيران من تبعيتها المذلة لـ”الشيطان الأكبر”.
ورفعت الجمهورية الإسلامية في سنواتها الأولى، شعار “لا شرقية ولا غربية” للتعبير عن استقلالها عن الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة معاً، وهو شعار لا يزال يزيّن واجهة مقر وزارة الخارجية في طهران. كما حملت معاداة الإمبريالية، التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها، وعداً بأن تدافع إيران عن “مستضعفي العالم”، إلى جانب الدعوة إلى مقاومة الذوبان الثقافي في الغرب، وهي الظاهرة التي وصفها أحد المفكرين الثوريين بمصطلح “التغرّب” أو “الاستلاب الثقافي الغربي” (غربزدگي)، لكن الجمهورية الإسلامية فشلت في تحقيق أهدافها المناهضة للإمبريالية وفق جميع هذه المعايير، ولا سيما عند مقارنتها بالنظام الملكي.
كان بهلوي حليفاً للولايات المتحدة، وقد احتفظ بعرشه جزئياً بفضل انقلاب عام 1953 الذي ساعدت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في تنفيذه، وأدى إلى تعزيز سلطته على حساب رئيس وزراء يتمتع بشعبية واسعة، لكن الشاه نجح في الحفاظ على استقلال إيران من خلال مهارته في استغلال التنافس بين الولايات المتحدة وخصومها، الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية، كلما اقتضت المصالح الإيرانية ذلك.
فقد ساعد السوفييت في إنشاء مصانع الحديد والصلب في إيران، واستقبلوا الشاه في زيارة رسمية إلى موسكو الشيوعية، في خطوة نادرة لزعيم ملكي، وكان بوسع بهلوي أن يتبنى شعاراً معاكساً تماماً لشعار الجمهورية الإسلامية: “الشرق والغرب معاً”. وقف الشاه إلى جانب الولايات المتحدة في بعض معارك الحرب الباردة، لكنه لوّح أيضاً بإبرام اتفاقيات أمنية مع موسكو عندما أراد انتزاع شروط أفضل من واشنطن، كما عرض التوسط في النزاعات الدائرة في الشرق الأوسط وفي فيتنام. وكانت السياسة الخارجية لبهلوي في معظم جوانبها، أقرب إلى سياسات دول حركة عدم الانحياز منها إلى سياسات أي من معسكري الحرب الباردة، ووصف باحثون في السياسة الخارجية الإيرانية النهج الذي تتبعه طهران بأنه “عدم انحياز فعلي”. وبحلول نهاية حكم الشاه، كانت إيران تتمتع بنفوذ دولي كبير، وتحظى باحترام القوتين العظميين، ليس فقط بوصفها دولة ذات سيادة، بل أيضاً قوة إقليمية. ويمكن القول إن بهلوي كان مناهضاً ناجحاً للإمبريالية، ليس بمعنى أنه تحدّى القوى الكبرى واستفزها، بل لأنه نجح في حماية المصالح السيادية لإيران، بدلاً من الاضطرار إلى الخضوع لإرادة القوى التي تعاون معها. اتهم الثوريون الذين أطاحوا بالشاه نظامه بالخضوع لواشنطن، واستشهدوا بانقلاب عام 1953 الذي عزز سلطته وأوقف عملية تأميم الموارد النفطية الإيرانية، لكن الحقيقة أن النظام الملكي كان قد استعاد سيادة إيران على قطاعها النفطي عام 1973، كما استشهدوا باتفاقية أبرمتها إيران مع الولايات المتحدة عام 1964، وصادق عليها البرلمان الإيراني، ومنحت العسكريين الأميركيين حصانة من الملاحقة القضائية أمام المحاكم المحلية، لكن مثل هذه الاتفاقيات كانت شائعة في أنحاء العالم، ولم تكن تعني بأي حال “استسلام” إيران أو “خضوعها”، كما زعم منتقدوها.
وعلى أي حال، لم يكن الشاه طرفاً سلبياً في علاقته بواشنطن، بل سعى باستمرار إلى تحسين موقعه التفاوضي معها. كانت السياسة الخارجية للنظام الملكي امتداداً لتقليد تاريخي طويل من الجهود الرامية إلى تعزيز استقلال إيران، فقبل عام 1979 بوقت طويل، أمضت إيران قروناً في التصدي لأطماع الإمبراطوريتين البريطانية والروسية، وكان الدفاع عن سيادة البلاد مهمة اضطلعت بها أجيال من رجال الدولة الإيرانيين، تماماً كما فعل نظراؤهم في بلدان الجنوب العالمي.
لكن الحكومات الإيرانية لم تحقق جميعها القدر نفسه من النجاح في هذه المهمة، أما الحكومة التي وصلت إلى السلطة عام 1979، أي الجمهورية الإسلامية، فقد أثبتت فشلاً ذريعاً في هذا المجال، إذ لم تضع الجمهورية الإسلامية الأهداف التقليدية لمناهضة الإمبريالية في مقدمة أولوياتها، ومن بين تلك الأهداف تحسين الوضع الاقتصادي للدول الخارجة من حقبة الاستعمار، على النحو الذي نصّ عليه مشروع “النظام الاقتصادي الدولي الجديد”، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974، وصوّتت إيران لصالحه، لكن الحكومة الإيرانية نادراً ما أعطت مثل هذه الأهداف أولوية منذ عام 1979. ويُروى أن المرشد الأعلى السابق، آية الله علي خامنئي، تفاخر بأنه لا يهتم برفاه شعبه، بل بمدى تدينه، وقد نفى مكتبه صحة هذا الكلام، وهكذا، فضّل خامنئي مواجهة الغرب على الاهتمام باحتياجات شعبه، حتى الأساسية منها. ومن الأمثلة على ذلك قراره عام 2021 رفض استيراد لقاحات مضادة لفيروس كورونا من الولايات المتحدة، وهو قرار يُرجح أنه تسبب في وفاة آلاف الإيرانيين.
لقد خاضت الجمهورية الإسلامية حملة أيديولوجية ضد الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، ليس فقط بسبب ما تعدّه نزعتها الإمبريالية، وإنما أيضاً لأنها، وفق المعايير الإسلامية التي تتبناها طهران، مجتمعات متساهلة أخلاقياً ومنحلة. ويقدّم حكام إيران هذه الاعتراضات باعتبارها مقاومة للإمبريالية الثقافية، لكنها تحولت عملياً إلى ذريعة للقمع الداخلي، فالنسخة المتشددة والقاسية من الإسلام التي يفرضها النظام لا تمثل احتفاءً بثقافة إيران الأصيلة بقدر ما تمثل قمعاً لإبداعها الثقافي التقليدي.
وباسم مناهضة الإمبريالية، خاضت إيران مواجهة غير واقعية مع النظام الدولي، من دون أن تنجح في جعله أكثر عدلاً لها أو لغيرها، بل إن تصرفاتها وضعت البلاد فعلياً تحت رحمة القوى الأجنبية، فقد التزمت الجمهورية الإسلامية بتطوير برنامج نووي، انطلاقاً من اعتقادها بأنه سيعزز سيادتها ويثبت استقلالها عن إملاءات القوى الإمبريالية، لكن تعنتها في الملف النووي أدى إلى فرض عقوبات من الولايات المتحدة وأوروبا ومجلس الأمن الدولي، بدعم من روسيا والصين، كما أدى تورط إيران في الإرهاب والجريمة الدولية، بما في ذلك تهريب المخدرات وتزوير العملات، إلى إدراجها ضمن ثلاث دول فقط، إلى جانب ميانمار وكوريا الشمالية، على القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي (FATF)، وهي الهيئة المعنية بمكافحة غسل الأموال ومقرها باريس، وقد أعاقت هذه الإجراءات قدرة إيران على تحصيل عائدات صادراتها من الطاقة، حتى من الدول الصديقة، مثل العراق المجاور، وأضعفت العقوبات موقع إيران التجاري إلى درجة أنها باتت تبيع نفطها للصين بأسعار مخفضة. سيجادل أنصار النظام بأن إيران ضحية لعقوبات فرضتها قوى خارجية، لكن هذه العقوبات جاءت نتيجة خيارات اتخذتها طهران، فضّلت فيها الرفض والتحدي على تحسين موقع إيران الفعلي داخل النظام الدولي، في مواجهة القوى الكبرى التي قد تسعى إلى الهيمنة عليها، والعالم مليء بأمثلة على استراتيجيات أفضل من تلك التي اتبعتها إيران، وتعتمد كثير من هذه الاستراتيجيات على الحفاظ على علاقات مع قوى عظمى متنافسة، بوصف ذلك وسيلة للتحوط من الخضوع لهيمنة أي منها. فقد سلكت دول غير منحازة، مثل الهند، التي تفخر بتاريخ طويل من مقاومة الهيمنة الاستعمارية، هذا المسار، أما تركيا، فلا تزال حليفاً رئيسياً في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لكنها نجحت في أداء دور مستقل في أوكرانيا، مع الحفاظ على علاقاتها بروسيا والولايات المتحدة، كما اصطفّت السعودية والإمارات إلى جانب الغرب في قضايا عديدة، مع تنمية علاقات تجارية مهمة مع الصين، وحتى الرئيس اليميني للأرجنتين خفّف من حدة خطابه المعادي للصين لأسباب اقتصادية. في المقابل، لا تزال السياسة الخارجية الإيرانية محكومة بالأيديولوجيا، وتعاني البلاد مما وصفه أستاذ العلوم السياسية محيي الدين مصباحي بـ”الانعزال الاستراتيجي”.
ففي البداية، رفض النظام الثوري الشرق والغرب معاً، لكنه حاول في السنوات الأخيرة التقرب من بكين، ليكتشف أن الصين ترى في حلفاء الغرب، مثل السعودية والإمارات وحتى إسرائيل، فرصاً استثمارية أفضل من إيران. وحتى هذا العام، كان أقرب شركاء إيران حكومة فنزويلا الاشتراكية، لكن ذلك التحالف نشأ بدافع الضرورة، نتيجة العزلة التي كان يعاني منها النظامان، ثم أطاحت الولايات المتحدة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. لقد فشلت إيران في ضمان سيادة فعلية لنفسها، وفي الوفاء بوعدها تقليص الهيمنة الإمبريالية على مستوى العالم، وبدلاً من مساعدة “المستضعفين”، أصبحت الجمهورية الإسلامية نفسها مصدر تهديد لسيادة دول أخرى. فقد تخلّى خامنئي عن سياسة الحياد التقليدية التي اتبعتها إيران في النزاعات الخارجية، وأيد بقوة الغزو الروسي لأوكرانيا، وزوّد موسكو بطائرات مسيّرة إيرانية.
كما أدت إيران دوراً إمبريالياً في منطقتها، من خلال تمويل وتسليح جماعات مسلحة في العراق ولبنان واليمن وغزة وسوريا، والتدخل في عدد من الحروب الأهلية العربية. ولا تزال الجمهورية الإسلامية تزعم أنها تقف في مواجهة الإمبريالية انطلاقاً من مبادئ راسخة، وتستند اليوم في ذلك إلى صمودها أمام هجوم أميركي وإسرائيلي من دون أن تستسلم، لكن هذا الادعاء يبدو أجوف في نظر الإيرانيين، الذين لم يجنوا أي مكاسب من هذه المقاومة الكبيرة، ويجدون أنفسهم اليوم مضطرين إلى تحمل حرب مدمرة لا تلوح لها نهاية في الأفق، ومن الصعب اعتبار ذلك انتصاراً للسيادة الإيرانية.


