آخر الأخبار

spot_img

الآثار الاقتصادية والإنسانية لاشتداد القتال في محافظة تعز

«صحيفة الثوري» – (رأي):

أ.د. محمد علي قحطان

بالرغم من الانهيار الاقتصادي والإنساني والأزمات الاقتصادية والمعيشية التي تعانيها تعز، باعتبارها أكثر المحافظات اليمنية التي يدور فيها القتال ويتعرض سكانها للحصار منذ بداية الحرب في عام 2015، إلا أن السكان يقاومون قساوة الحرب والحصار المفروض على المحافظة، منتظرين الفرج بوضع نهاية للحرب وتحقيق السلام والعودة إلى حياتهم الطبيعية، بدون حرب وبدون حصار وأزمات معيشية وإنسانية. وبدلاً من تحقيق ذلك الحلم، فقد شهدت المحافظة مؤخراً اشتداداً للمواجهات العسكرية أدّى إلى المزيد من مآسي الحرب القائمة، الأمر الذي ولّد المزيد من التدهور الاقتصادي والإنساني وتعاظم آثار الحرب والحصار، ويمكن تحديد أهمها بالآتي:

أولاً: أدت المواجهات المسلحة التي انطلقت من الشريط الساحلي للمحافظة إلى شلل تام للأنشطة الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تعيشها مديريات الشريط الساحلي، وبالأخص مدينة المخا. إذ توقفت حركة الاستيراد والتصدير في الميناء، وانصرف الاهتمام بما كان منتظراً من تشغيل للمطار، وتراجعت أنشطة الصيادين، وكذا الحركة التجارية والنشاط المصرفي، وكذا السياحي المحدود، الذي كان قد بدأ بالنهوض في مدينة المخا ويمتد أثره الإيجابي إلى مركز المحافظة، مدينة تعز، وبقية مديرياتها، كما توقفت أعمال الوحدات الإدارية والاقتصادية العاملة في مديريات الساحل الغربي لليمن، منها مدينة المخا، مركز المديرية. وكل ذلك مرهون بعودته بنهاية المواجهات العسكرية القائمة، وهو الأمر الذي أصبح حلماً يتمناه سكان الشريط الساحلي وسكان المحافظة بشكل عام.

ثانياً: مع تجدد هجمات القوات التابعة للحوثيين وتوسع جغرافية المواجهات المسلحة لتشمل كافة مديريات أرياف محافظة تعز الغربية والجنوبية والشرقية، وكافة المناطق المحيطة بمدينة تعز، فقد زادت معاناة المواطنين في التنقل من مكان إلى آخر، كما ارتفعت تكاليف النقل للبضائع وللأفراد، وبالتالي ارتفعت أسعار السلع والخدمات بنسب كبيرة تتراوح بين 50 و200%، وبالأخص للسلع والخدمات الضرورية. كما تراجعت أنشطة أسواق السلع والخدمات، وكذا النشاط المصرفي، وظهرت بعض مظاهر الاختلالات الجديدة عن السابقة في أعمال الصرافة، مع غياب أجهزة الدولة المختصة في المحافظة وغياب دور الحكومة.

ثالثاً: مع الحصار المفروض على سكان تعز، نظراً للتقسيم الجغرافي الذي فُرض عليها بفعل انقسام المحافظة بين سلطة مفروضة من صنعاء، تتمركز في منطقة الحوبان الخاضعة لسيطرة مكوّن أنصار الله بقيادة الحوثيين، وتفرض هيمنتها والأنظمة والسياسات والإجراءات التي تتبعها على كافة المناطق الواقعة تحت سيطرتها، وأخرى السلطة الشرعية المتخذة من عدن عاصمة مؤقتة لها، وهي السلطة المعترف بها دولياً، وهي تعاني الكثير من الاختلالات والقصور في تأدية مهامها، تؤثر كثيراً على حياة السكان.

وكل ذلك يكلف سكان المحافظة والوافدين إليها الكثير من المعاناة الإنسانية. إذ إن سلاسل الإمداد والتبادل التجاري والتنقلات بين مناطق سيطرة الشرعية والأخرى الواقعة تحت سيطرة الحوثيين تخضع لقيود في الحركة، وفي انقسام العملة الوطنية بفعل اختلاف سعر صرف الريال اليمني بطبعتيه القديمة المتداولة في مناطق سيطرة الحوثيين، والأخرى الجديدة المتداولة في مناطق سيطرة الشرعية.

إذ إن انهيار سعر صرف الريال اليمني بطبعته القديمة توقف عند مستوى سعر صرف 140 ريالاً مقابل الريال السعودي، وما يعادلها بالعملات الأجنبية الأخرى، منذ العام 2017، بينما استمر تدهور سعر صرف الريال اليمني بطبعته الجديدة ليستقر عند مستوى 410 ريالات منذ العام 2025، وتعجز الحكومة الشرعية وبنكها المركزي عن مواجهة هذا الانقسام، بالرغم من توفر الظروف المناسبة لتعافي سعر صرف الريال اليمني بطبعته الجديدة في مناطق سيطرة الشرعية.

كما أن هذا الوضع قد عقد سلاسل الإمداد لكافة السلع والخدمات بين مناطق سيطرة الشرعية والمناطق الأخرى التي تقع تحت سيطرة الحوثيين.

وكل ذلك يؤدي إلى تذبذب حاد في أسعار السلع والخدمات؛ إذ ترتفع تارة وتتراجع تارة أخرى، والاتجاه العام يؤشر إلى ارتفاع مستمر في مؤشرات التضخم والكساد، ومعاناة إنسانية تتفاقم بصورة مستمرة.

ومع اشتداد المواجهات المسلحة الأخيرة بفعل تعاظم هجوم قوات الحوثيين وتوسيع نطاقها الجغرافي، وردود الفعل من قبل القوات الحكومية المناهضة لها، نلاحظ ارتفاع حدة معاناة السكان وسوء حياتهم المعيشية اليومية.

رابعاً: أدت المواجهات المسلحة الأخيرة إلى تعاظم أضرار الحرب والحصار بصورة رفعت من معاناة السكان، وتتجسد هذه المعاناة بصور عديدة من المظاهر، من أبرزها الآتي:
• اختناقات في المشتقات النفطية والغاز، وارتفاع أسعارها.
• تراجع حاد للأنشطة الاقتصادية، وبالأخص الأنشطة التجارية والسياحية والنقل والتشييد والبناء، وكذا الأنشطة الزراعية والأنشطة المرتبطة بها. إذ فرضت المواجهات المسلحة إجبار سكان الأرياف التي تعرضت لهجوم القوات التابعة للحوثيين وتدور فيها المواجهات المسلحة على ترك بيوتهم وأنشطتهم، والنزوح إلى مناطق ومحافظات مختلفة، منها: تعز، ولحج، وعدن، ومأرب، ونزوح البعض إلى خارج البلاد، وبالأخص إلى جيبوتي.
• حرمان أطفال الأسر النازحة من التعليم، وتعرضهم للكثير من المشاكل والأمراض، والحرمان من حق الحياة الطبيعية في منازلهم وممارسة أنشطتهم المعتادة.

كل تلك الآثار الاقتصادية والاجتماعية وغيرها تتفاقم بفعل اشتداد المواجهات المسلحة، الأمر الذي يستدعي التدخل الإقليمي والدولي والمزيد من الارتهان للخارج. وبالتالي، فإن سكان المحافظة بمجملهم لم يعد لديهم همّ سوى أن ينتهي كابوس الحرب والحصار. فمتى سوف يصلون لهذه الأمنية الإنسانية الطبيعية التي تتمتع بها شعوب العالم، باستثناء شعوب عدد من الدول، منها شعب اليمن، التي ابتليت بالصراع الدامي على السلطة والثروة، ولم تجد السبيل إلى بناء دولة يسود فيها الأمن والاستقرار والتبادل السلمي للسلطة، وينعم مواطنوها بحياة إنسانية كريمة؟

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img