آخر الأخبار

spot_img

26 سبتمبر.. ثورة المعنى وبناء الدولة

صحيفة الثوري – (رأي)

عبدالعالم عبدالجليل

ليست ثورة السادس والعشرين من سبتمبر حدثًا من الماضي يُستدعى في المناسبات، ولا ذكرى تُختزل في الشعارات والاحتفالات؛ إنها محطة تاريخية غيّرت مسار اليمن، وفتحت أمام شعبه أفقًا جديدًا نحو الحرية والمواطنة والعدالة وبناء الدولة.

في السادس والعشرين من سبتمبر 1962، انتفض اليمنيون في وجه نظام الإمامة، مطالبين بالخلاص من واقع سياسي واجتماعي كرّس الاستبداد والتمييز وأغلق أبواب المشاركة أمام الشعب. وجاءت الثورة تعبيرًا عن تطلع عميق إلى دولة يكون فيها المواطن صاحب حق، لا تابعًا؛ وشريكًا في صناعة القرار، لا متلقيًا له.

ومن هنا تكمن القيمة الحقيقية لسبتمبر؛ فالثورات الكبرى لا تُقاس فقط بما أسقطته، وإنما بما تفتحه من طريق نحو المستقبل.

وثورة سبتمبر فتحت الباب أمام فكرة الدولة الحديثة، والمواطنة المتساوية، والتعليم، والمؤسسات، والحق في المشاركة العامة، وربطت مستقبل اليمن بإرادة أبنائه لا بإرادة الفرد أو الجماعة.
غير أن أهداف الثورة لا تُختزل في إسقاط نظام سياسي، وإنما تمتد إلى تأسيس دولة حديثة تقوم على المؤسسات والقانون، وتصون حقوق المواطنين وحرياتهم، وتكفل المساواة بينهم، وتمنحهم حق المشاركة في إدارة شؤون بلدهم واختيار من يحكمهم.

وهنا تبرز الديمقراطية باعتبارها جوهرًا أساسيًا في بناء الدولة المنشودة؛ فصندوق الاقتراع هو الطريق الطبيعي لتداول السلطة، والإرادة الشعبية هي مصدر شرعيتها، والتعددية السياسية هي المجال الذي تتنافس فيه الأفكار والبرامج بدلًا من أن تتصارع القوى بالسلاح أو الإقصاء. فلا دولة حديثة من دون مؤسسات، ولا ديمقراطية حقيقية من دون تعددية، ولا مواطنة متساوية في ظل احتكار السلطة.

وما يزال اليمن أمام تحديات كبيرة عطّلت استكمال مشروع بناء الدولة، وأضعفت المؤسسات، وأثقلت المجتمع بالصراعات والانقسامات، وجعلت استحضار أهداف سبتمبر ضرورة سياسية ووطنية لا مجرد استعادة لذكرى تاريخية.

إن الوفاء لسبتمبر لا يكون بتحويل ذكراه إلى مناسبة موسمية، ولا بتكرار الشعارات التي تفقد أثرها من كثرة الترديد، وإنما بتحويل مبادئه إلى واقع ملموس: دولة مؤسسات، وقانون يسري على الجميع، ومواطنة متساوية، وديمقراطية تتيح للشعب ممارسة حقه في الاختيار، وتعددية سياسية تضمن اختلاف الآراء والبرامج، وتداولًا سلميًا للسلطة عبر الإرادة الشعبية وصندوق الاقتراع.

لقد أثبتت التجربة اليمنية أن إضعاف مؤسسات الدولة يفتح المجال أمام تعدد مراكز النفوذ، ويحوّل المجال العام إلى صراع على السلطة، ويضعف قدرة المواطن على التأثير في مستقبل بلده. ولذلك فإن استكمال المعنى السياسي لسبتمبر يبدأ من إعادة بناء الدولة على أسس مؤسسية حديثة، يكون فيها القانون فوق الجميع، وتكون السلطة مسؤولية عامة لا امتيازًا خاصًا.

الدولة التي حملت سبتمبر فكرتها ليست دولة الأشخاص، ولا دولة الجماعات، ولا دولة القوة؛ إنها دولة المواطن، دولة المؤسسات، دولة القانون والديمقراطية والتعددية السياسية. وفيها يكون الحاكم خادمًا للشعب لا سيدًا عليه، وتكون السلطة أمانة تستمد مشروعيتها من الإرادة الشعبية.

سبتمبر ليس ماضي اليمن وحده؛ إنه سؤال حاضره ومستقبل أجياله. وكلما ابتعدت الممارسة السياسية عن مبادئ المواطنة والدولة والديمقراطية والتعددية، ازدادت الحاجة إلى استحضار جوهر سبتمبر لا شعاره.

إن اليمن الذي حلم به رواد سبتمبر لا يُبنى بالحنين إلى الماضي، ولا بإنتاج سلطات الأمر الواقع، ولا بإعادة إنتاج الأزمات، وإنما بإرادة وطنية تعيد للشعب مكانته باعتباره مصدر السلطة، وتضع الدولة فوق الأشخاص والجماعات، وتفتح المجال أمام التعددية السياسية، وتؤسس لممارسة ديمقراطية تجعل صندوق الاقتراع الفيصل في الوصول إلى السلطة وتداولها.

في الذكرى الرابعة والستين لثورة السادس والعشرين من سبتمبر، تبقى الرسالة الأهم أن الثورة لا تحيا في الذاكرة وحدها؛ تحيا في الدولة التي تحمي مواطنيها، وفي الديمقراطية التي تمنحهم حق الاختيار، وفي التعددية التي تحترم اختلافهم، وفي المؤسسات التي تجعل القانون فوق الجميع.

سبتمبر ذكرى، لكنه قبل ذلك معنى؛ ومعناه الحقيقي أن يبقى اليمنيون أصحاب الحق في وطنهم، وأن يكون بناء الدولة الحديثة، والديمقراطية، والتعددية السياسية، والمواطنة المتساوية امتدادًا حيًا لذلك الحلم الذي انطلق في السادس والعشرين من سبتمبر.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img