“صحيفة الثوري” – (تقرير ثقافي)
لم يكن عبدالله البردوني شاعرًا يمنيًا كبيرًا فحسب، بل كان واحدًا من أولئك الذين استطاعوا أن يجعلوا من الشعر وسيلة لرؤية المجتمع ومساءلة التاريخ والاحتجاج على اختلالات الواقع. وعلى الرغم من رحيله في 30 أغسطس 1999، فإن صوته لم يتوقف عن الحضور، وظلت قصائده وكتاباته قادرة على الوصول إلى أجيال لم تعاصره.
ولد البردوني عام 1929 في قرية البردون بمحافظة ذمار، وفقد بصره في طفولته، غير أن العمى لم يحل دون تكوينه الثقافي، بل مضى في طلب العلم حتى أصبح واحدًا من أبرز المثقفين اليمنيين في القرن العشرين. درس الأدب العربي والعلوم الدينية، وانفتح على التراث الشعري والفكري، قبل أن يشق لنفسه طريقًا خاصًا داخل القصيدة العربية.
كان البردوني يعرف التراث جيدًا، لكنه لم يكن أسيرًا له. أخذ من القصيدة العربية أدواتها وإيقاعها، ثم وضعها في مواجهة زمن مختلف؛ زمن الثورة والجمهورية والتحولات الاجتماعية والسياسية. ومن هذا التفاعل نشأت قصيدة تحمل ملامحها اليمنية الواضحة، لكنها في الوقت نفسه تنفتح على أسئلة الإنسان العربي في الحرية والعدالة والسلطة والكرامة.
القصيدة في مواجهة الواقع
في شعر البردوني، لا تبدو اليمن مجرد مكان، بل تتحول إلى سؤال دائم. القرية والمدينة، الفقر والسلطة، الماضي والحاضر، الثورة وما آلت إليه، كلها عناصر حضرت في قصيدته بوصفها موضوعات للقلق والمساءلة.
ولم يكن الشاعر يتعامل مع السياسة باعتبارها شأنًا منفصلًا عن الحياة اليومية؛ فالسياسة عنده كانت حاضرة في تفاصيل الإنسان، في لقمة العيش، وفي علاقة المواطن بالسلطة، وفي أحلام الناس التي كثيرًا ما تصطدم بالواقع.
وهذا ما منح شعره قدرة استثنائية على البقاء. فالقصيدة التي كتبت في سياق تاريخي محدد استطاعت أن تتجاوز ذلك السياق، لأن الأسئلة التي حملتها لم تكن مرتبطة بحدث واحد، وإنما بواقع إنساني متكرر.
من الشاعر إلى المثقف
لم يتوقف مشروع البردوني عند الشعر. فقد كتب في النقد والتاريخ والثقافة الشعبية والسياسة، وترك مؤلفات أصبحت جزءًا مهمًا من المكتبة اليمنية، من بينها «اليمن الجمهوري»، و«رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه»، و«فنون الأدب الشعبي في اليمن»، و«الثقافة والثورة» و«قضايا يمنية».
وفي هذه الكتب يظهر البردوني باحثًا ومجادلًا ومراقبًا لتحولات بلاده، لا شاعرًا يكتفي بالتعبير عن مشاعره.
كان يرى أن الثقافة ليست ترفًا، وأن المثقف لا يستطيع أن يعيش خارج أسئلة مجتمعه. ولذلك ظل حاضرًا في الصحافة والإذاعة والندوات، إلى جانب إنتاجه الشعري.
البردوني.. صوت عبر الإذاعة والصحافة
كان للإذاعة دور بارز في إيصال صوت البردوني إلى جمهور واسع. فقد أعد وقدم برنامج «مجلة الفكر والأدب» لسنوات طويلة، كما كتب مقالات في الصحافة اليمنية تناول فيها قضايا الفكر والأدب والثقافة.
وهكذا لم يبقَ البردوني داخل الكتاب؛ فقد دخل إلى البيوت عبر صوته، وإلى الحياة العامة عبر مقاله، وإلى الذاكرة عبر قصيدته.
وكان هذا التعدد في أدواته أحد أسباب اتساع تأثيره، إذ لم يكن حضوره مقصورًا على جمهور الشعراء والنقاد، بل امتد إلى قطاعات واسعة من القراء والمستمعين.
اليمن في مرآة البردوني
من الصعب قراءة البردوني بعيدًا عن اليمن. فقد حملت أعماله ذاكرة المكان وتحولاته، واحتفظت بالكثير من تفاصيل المجتمع اليمني وتناقضاته.
لكنه لم يكتب اليمن بوصفه بلدًا مثاليًا، ولم يتعامل مع التاريخ باعتباره حكاية مكتملة. كان يضع الواقع أمام مرآته، ويترك للقارئ مهمة مواجهة ما يظهر فيها.
ومن هنا تأتي جرأة تجربته؛ فهو لم يكن شاعر احتفال فقط، بل شاعر سؤال واعتراض ومفارقة. وحتى حين يستخدم السخرية، فإنها غالبًا ما تكون طريقًا إلى كشف تناقض أعمق.
شاعر لا يشيخ
مر أكثر من ربع قرن على رحيل البردوني، وما زالت قصائده تُقرأ، وما زالت كتبه موضع دراسة ونقاش، وما زال اسمه حاضرًا في الفعاليات الثقافية اليمنية والعربية.
واللافت أن حضوره لا يعتمد على النوستالجيا أو على الاحتفاء بشاعر راحل، وإنما على قدرة النص نفسه على إنتاج معنى جديد كلما تغير القارئ والظرف.
فجيل يقرأ البردوني اليوم قد يجد في قصيدته شيئًا من أسئلته الخاصة، حتى وإن اختلف الزمن والظرف. وهذه إحدى علامات الأدب الذي يتجاوز صاحبه: أن يتحول من شهادة على زمن مضى إلى نص قادر على محاورة زمن جديد.
البردوني.. عين أخرى لليمن
ربما كانت المفارقة الأجمل في سيرة عبدالله البردوني أنه فقد بصره مبكرًا، لكنه امتلك قدرة نادرة على رؤية ما وراء الأشياء.
رأى اليمن في تاريخها وحاضرها، في أفراحها وانكساراتها، وفي أحلام أبنائها وتناقضات واقعها. ورأى في الشعر أكثر من جمال اللغة؛ رآه أداة للمعرفة والمقاومة والسؤال.
لهذا لم يصبح البردوني مجرد اسم في تاريخ الشعر اليمني. لقد تحول إلى جزء من الذاكرة الثقافية اليمنية، وإلى صوت يصعب إسكات حضوره كلما عادت الأسئلة القديمة في ثوب جديد.
رحل البردوني في 30 أغسطس1999، لكن الشاعر الذي جعل من القصيدة نافذة على اليمن لم يرحل تمامًا؛ فما دام اليمن موضع سؤال، ستظل قصائده تجد طريقها إلى قارئ جديد.

