“صحيفة الثوري” – (رأي):
أ.د/ عبدالله غالب المعمري
يمتلك الجيش اليمني ضباطاً وجنوداً وطنيين شجعاناً ومؤهلين كثيرين، إضافة إلى امتلاكه حاضنة شعبية بلا حدود، وإصراراً على الاستبسال في الجبهات، رغم كل الظروف القاسية.
ورغم الشروخ الكبيرة التي خلفتها النخب السياسية وأجندتها المُبتذلة بداخل جسد الجيش، ومع ذلك دفع الجيش، ومعه المقاومة الشعبية، تضحيات لا تُحصى، لكنهم افتقدوا طويلاً وحدة الإرادة، ووحدة القرار، والعقيدة القتالية التي تجعل تلك التضحيات تصنع طريقاً واضحاً نحو التحرر واستعادة الدولة.
سقطوا شهداء كثر قبل اتخاذ قرار الحسم؟ وعدد كبير من الجرحى دفعوا ثمن تردد القيادة وحسابات السياسيين الأنانية؟ وكم من فرصة عبرت بهدوء أمام أبواب الجيش والمقاومة الشعبية، لكن القيادة والنخب السياسية والحلفاء الذين يملكون مفاتيحها كانوا يخشون فتح تلك الأبواب نحو النصر؟
اليوم، الحوثي يهاجم بحقد وبشراسة في ست جبهات رئيسية بالصواريخ الباليستية والمسيرات منذ يوم الخميس، لنسف وتدمير ما يمكن تدميره من منشآت، وربما تمهيداً أو تغطيةً لزحف بري. الحوثي لا يربح أو يسيطر دائماً لأنه أقوى وأشجع، وإنما لأن خصمه يسمح له أحياناً بتحديد إيقاع المعركة على الأرض.
هذه ليست دعوة إلى الاستهانة أو تضخيم قوة الحوثيين، ولا إلى إنكار قدرتهم على التنظيم والمناورة والاستفادة من الزمن وشتات وتردد الشرعية وحليفها، بل هي دعوة في هذا المقال إلى فهم قاعدة أعمق: الخصم الذي يفرض عليك أن تفكر دائماً بما سيفعله، يمنح نفسه مساحة أكبر داخل قرارك.
وحين تصبح مهمتك الأساسية هي الرد فقط، وانتظار الهجوم، فأنت تتحرك داخل المسرح الذي بناه خصمك.
فهو من اختار لحظة ومكان الطلقة الأولى والثانية والثالثة، وأنت تنتظر!
هو من يفرض السؤال، وأنت تبحث عن الإجابة! هو من يغير إيقاع المعركة، وأنت لا تزال تعيد ترتيب صفوفك وخريطة مسرحك العملياتي!
وهكذا تتحول الحرب من صراع إرادتين وقوتين متناقضتين إلى علاقة بين فاعل ومستجيب، بين فعل ورد فعل، وهنا تكون المأساة.
صحيح أن في الحرب ليس كل تراجع يُسمى هزيمة، وليست كل جبهة ثابتة تعني أن شيئاً لم يتغير.
أحياناً تكون الجبهة ساكنة، بينما الحرب تتحرك في مكان آخر. تتحرك في عقل القيادة، وفي غرف النخب السياسية، وغرف العمليات العسكرية، وفي ميزان الإرادة الإقليمية والدولية، وفي الإعداد النهائي لاتخاذ القرار.
لكن يجب أن يكون كل ذلك ضمن اللحظة المناسبة والمكان المناسب، وبدون تأخير.
فالذي ينتظر خصمه كي يتحرك، ثم يتحرك بعده، لا يقود المعركة، بل يطارد دخانها ويلملم أشلاء ضحاياه.
ومن يترك لخصمه حق تحديد إيقاع المعركة، يصبح مع الوقت أسيراً لخريطة رسمها الآخر، حتى لو ظل واقفاً على أرضه.
هذه هي الحقيقة القاسية التي يجب أن تُقال بلا مجاملة: من لا يملك زمام المبادرة، لا يملك كامل زمام الحرب. فالحرب ليست خندقاً مكشوفاً أو ثكنة عسكرية تموت فيها جنودك بصاروخ أو مسيّرة وهي واقفة.
الحرب تكتيك سريع يعتمد الإرادة وفعل المبادرة والمفاجأة.
قد يكون الجندي في الخندق شجاعاً حتى آخر قطرة دم، وقد تكون البندقية مشحونة جاهزة، وقد يكون الرجال أكثر صدقاً وإيماناً بقضيتهم من أولئك الذين يصدرون الأوامر من أبراج خلف الحدود.
صحيح، الشجاعة وحدها لا تصنع النصر داخل المعركة؛ لأن النصر الناجز يحتاج إلى عقل يحوّل الشجاعة إلى قوة نفسية، والقوة إلى قرار، والقرار إلى فعل، والفعل إلى واقع ميداني جديد.
على قيادة الدولة اليمنية، ومن تهمه قضية اليمن من الأشقاء، سرعة الأخذ بزمام المبادرة، ليس تهوراً، وهنا يجب أن نفرق بين المبادرة والمغامرة التي تؤدي إلى الانتحار العسكري.
فالمبادرة ليست أن نلقي أبناءنا في النار بلا حساب، وليست أن نبحث عن معركة من أجل الصورة الدعائية والاستثمار الرخيص، وليست أن نفتح أبواباً لجبهات لا نعرف كيف نغلقها.
المبادرة هي أن تمتلك الدولة، كمنظومة متكاملة، مفاتيح المعركة: وحدة القرار، ووضوح الهدف، ووضوح الخطة، والقدرة على اختيار توقيت الفعل الحاسم، والقدرة على الانتقال من انتظار الخصم إلى كسره بصناعة معادلة جديدة.
أن تجعل خصمك يفكر فيك كما كنت تفكر فيه.
أن تنقل السؤال من: ماذا سيفعل العدو؟ أين ومتى سيضرب؟ إلى: ماذا سيفعل جيش وأمن الدولة؟ هنا يبدأ التغيير وتظهر ملامح النصر. الحوثي لا يحتاج دائماً إلى الانتصار الميداني، لكن يكفيه أن يمنع خصمه من المبادرة.
أخطر شيء في الحرب أن تعتاد الهزيمة دون أن تعترف بها، وأن تُتقن التردد القاتل!! هناك هزيمة تأتي بانهيار الجبهة وسقوطها بيد العدو، وهناك هزيمة أكثر نعومة: أن تعتاد الانتظار، وأن يصبح جمود الجبهات وتأجيل حركتها إلى الأمام نهجاً، لكن للأسف، أحياناً يكون الجمود شكلاً آخر من أشكال الخسارة عالية الكلفة.
تذكري يا قيادة البلاد أن الجندي الذي يقف في الخندق لا يملك رفاهية تأجيل المعركة، وهو ينام على صخرة، مُعرضاً لكل أنواع المخاطر، ويحمل بندقيته وقلبه معه، ويحمل معه أماً تنتظر، وطفلاً يسأل، وبيتاً يتمنى عودته.
فلا تجعلوا ترددكم وتخاذلكم أثقل من بندقيته، ولا تجعلوا خلافاتكم السياسية وانقسامكم أغلى من دمه، ولا تطلبوا من الجندي أن يكون أكثر شجاعة من قيادته السياسية والعسكرية.
فالجندي قد يُقتل من أجل اتخاذ القيادة لقرار الحرب، لكنه لا يستطيع أن يصنع قرار الحرب بدلاً عن منظومة كاملة اسمها القيادة والسيطرة والقرار السياسي والعسكري لليمن.
أنتم المسؤولون، فلا تجعلوا خنادق الجبهات مقابر لخيرة الرجال، ولا تجعلوا طول الزمن مقبرةً للقضية الوطنية الكبرى.

