“صحيفة الثوري” – (ثقافة):
عبدالحكيم الفقيه
طه الجند شاعر يمني متميز، له بصمته الخاصة في كتابة قصائده ذات البعد الإنساني. فهو، بكتاباته البسيطة، يقرع باب العالمية ويخاطب الإنسان حيثما كان على ظهر هذه البسيطة.
فيلوح ريف وصاب العالي، حيث الجبال والمدرجات، وبساطة الفلاحين، والضباب، والغيوم، والقات، والمشاقر، والطرق الوعرة، وتطلع الفتى الريفي. كما جمع بين خصال الريف والمدينة، واستقر في صافية صنعاء، ومضغ القات على الرصيف بمعية رفاقه البسطاء، حيث درس في معهد المعلمين، ثم نال البكالوريوس في الجامعة، وعانق الشعر، وانخرط في صفوف الحزب، وربما تعرض للحبس والمضايقات، وظل وفياً للحرف الذي يكتب من أجل الناس.
عرفت الشاعر طه الجند في صنعاء، وفي عدن حيث انعقد مؤتمر اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين. وطه لا يهادن ولا يساوم، بل هو مناضل شرس في سبيل المبدأ والكرامة والحق، ويبدي رأيه بكل علنية وشجاعة.
الشعر عند طه بسيط، بساطة الماء بين أصابع طفل عند نبع ريفي، يتأمل انعكاس الشمس، ويرى السماء طافية على صفحة النبع، وتتراقص مع حركة موجه.
عرفت طه يومياً، منذ أكثر من سبع سنوات، عبر صفحته على “فيسبوك”، حيث ينشر يومياً؛ فتارة يعصف، وتارة يهدأ، وتارة يحب، وتارة يحتج، وتارة يشكو، وتارة يسخر ويلذع. إنه يدون صيرورة حياة في ظل حرب عطلت تروس الحياة.
الشعر “حياة مقطرة”، و”حياة منقودة”، و”فيض مشاعر”، و”كلمات في موضعها المناسب”، وأسمى من ذلك “انعكاس لمعطيات الوجود الاجتماعي”، و”مرآة للطبيعة”، و”ما يكتب بدم القلب”. هكذا حاول الشعراء والنقاد القبض على جمرة الإبداع الشعري، لكنهم لم يتمكنوا من إيجاد الماهية الحقيقية للشعر، بل تناولوه كلٌّ من زاوية محدودة. ويبقى الخوف والقلق من أن تعبر قاطرة الشعر بعيداً عن السكة المفترضة له، قلقاً عاماً ينتاب المنهمكين في فن الشعر.
يتعامل النقد مع الشعر كنص لغوي متميز له خصائصه، ويسلط الضوء على النص الشعري، كاشفاً مواطن الجمال، ومواطن الركاكة، والمغزى، والمحسنات، ومظاهر الحياة في الصور والمفردات، ودلالة السياق. ومن تمترس المضامين النظرية لمدرسة الناقد تتحدد رؤيته وتفاعله النقدي مع النص. فمن تحديد غرضه، إلى تحديد الموضوع والمغزى، إلى تحديد العاطفة والانفعال، إلى طريقة السبك والصنعة، وكذلك المرور على بنية القصيدة ولغتها، والتصوير، والحركة، والتفاعل الصوتي. هذا التعامل التحليلي يتبعه التعامل النقدي وإبداء رأي الناقد ورؤيته صوب القصيدة أو ديوان الشاعر، في سياقه الذاتي وسياقه العام. ويعد النقد ميزاناً وترمومتراً لقياس درجة الشعرية، ومحاولة لإنارة المتلقي وإرشاده صوب اقتناص المتعة الشعرية في الديوان قيد النقد وموضع التحليل.
الشاعر طه الجند إنسان بسيط، ومثقف واعٍ، وتربوي قدير، وثوري ومناضل، يتخذ الكلمة سلاحه لمقارعة مساحة القبح والشرور، وصوت من أصوات الشعب، يذكرني برسول حمزاتوف.
اتخذ الشاعر طه الجند القصيدة نافذته للإطلالة على العالم، وهي رسالته المبثوثة للتعبير عن موقفه من كل ما يدور، ومحاولته وإسهامه في توسيع مساحة الجمال، والحريات، والعدل، والحب، في واقع مليء بالمتاعب والمنغصات. وينتمي إلى جيل الثمانينيات، وله العديد من المجموعات الشعرية.
صدرت للشاعر طه الجند، عام 2018، مجموعة شعرية بعنوان (البيت الهادئ يدعو للقلق) عن مركز ود في صنعاء.
من الاستهلال، في البدء تأتي علاقة الشاعر بالقصيدة، ويسلط الضوء على روتينه اليومي، ثم تغوص بها الذكريات، واصفاً نفسه منذ سنوات الصغر، ومعهد المعلمين، والصداقات التي كونها وما يزال يتذكرها، والمعلمين، ويعبر ببساطة عن أحلامه الإنسانية، واللحظات السيكولوجية التي يرى فيها الوجود كأشباح. ثم يتوقف للتعبير عن ولوجه العام الخمسين من عمره، وحيرته من الليل وذكرياته. ثم تلوح القصيدة عنده في تعامله مع جزئيات الحياة اليومية البسيطة، وتقلبات الأحوال، والرغبة في الاحتماء بالغريزة البيولوجية في ظل أوضاع مخيفة وغير مستقرة. ثم يرى الألم وحيداً، ويرى البيت والأوهام، ثم يتناول الحرب، ويبرز الجوار والصوملة كبوصلة للنزوح اليمني، ثم تنتابه الاحتجاجات من الفصائلية. وتلوح ثورة فبراير، والحرب، والصداقات، والشيوعية، والذكريات، والريف، وصنعاء، وتعز، وعدن كثيمات وجودية ضرورية في قصائد الديوان، الذي يمثل معلماً بارزاً في سياق القصيدة الحديثة في اليمن.
إن بساطة الشاعر طه الجند لا تعني استنقاصاً البتة، بل هي ذروة الشعر الرفيع والعمق الفني، حيث يمتلك القدرة على اقتناص غزالة الشعر من بين الأشياء اليومية البسيطة والمعاشة. فطه يعيش حياة الناس وبساطتهم، ولسان حالهم الشعري. ومن يتابع صفحته على “فيسبوك” يقرأ تفاصيل حياته اليومية؛ فهو لا يمتلك أسراراً، فما على قلبه يسطره في صفحته، من مستجدات قصائده، ومن روتين حياته اليومية، ومن غضبه ونقده اللاذع، ومن وقاره وخشوعه وهو يتلو بعض قصائده، ومن حنينه إلى قريته، ومن وجع قلبه أيضاً، ومن الصور التي تلتقط له بعفوية. فهو عينة ممثلة لهذا الشعب الذي طحنته رحى هذه الحرب التي طالت واستطالت.
الشاعر طه الجند صوت متميز، ولغته وصوره الشعرية وتراكيب قصائده متميزة، تجمع بين الصخب والهدوء، وبين القلق والسكينة، وبين الحركة والتوتر والانفعال، وبين التأمل والهدوء والسكوت. كما تجمع بين وضوح بيان الثورة، وبين غموض ودلالة وحكمة الرائي الروحي والحكيم، وتجمع بين السرد وبين سبكة الاتكاء على الصورة الشعرية القريبة من الواقع. إنه لا يحمل قصائده ما لا تطيق، بل يبني قصائده بخفة شاعر متمرس، ويعتني بها كفلاح يهتم بزروعه ومزرعته. وتجمع قصائده بين التواضع والعظمة، وهذا هو ديدن الفن الخالد والشعر الإنساني العابر للزمان والمكان. فالشعر “قرآن البشر”، وعكاز الإنسانية صوب الغد الجميل، حيث الحب، والعدل، والجمال، والسلام، والصفاء، والتضامن، والحرية، والرفاه.


