“صحيفة الثوري” – (رأي):
أمين الجبر
على مرِّ التاريخ، وفي مختلف الأزمنة والعصور، سبقت كلَّ حربٍ مقدماتٌ، ومهَّد لكلِّ صراعٍ إرهاصاتٌ تراكمت عبر الزمن، وتشكلت ضمن دوائر متداخلة تبدأ من المحلي، ثم تمتد إلى الإقليمي، وصولاً إلى الدولي. وتتشكل هذه الدوائر من مخزون أيديولوجي قائم على الاستقطاب، أو من بؤر مشحونة بالكراهية والعداء، دينيةً كانت أم سياسيةً، لا تلبث أن تنفجر متى تهيأت لها الظروف، فتتحول إلى حرب شاملة أو إلى صراع مفتوح لا يكاد ينتهي.
من هنا، فإن أي حرب لا تندلع من تلقاء نفسها، ولا تنشأ من فراغ، بل تسبقها أسباب مباشرة وغير مباشرة، ويُفتعل لها حدث، أو يُصنع مبرر يكون الشرارة التي تشعل فتيلها. ثم تتكشف، مع اتساع رقعتها، القوى المحركة لها والخلفيات الحقيقية التي تغذي استمرارها. وسرعان ما تمتد من الجغرافيا الوطنية إلى الإقليمية، ثم الدولية، لتتدحرج كرة الثلج حتى تخرج الحرب المحدودة عن السيطرة.
والحرب اليمنية تمثل مثالاً واضحاً على ذلك. فقد بدأت بمطالب وخلافات سياسية داخلية، تدور في إطار الصراع على السلطة والثروة، وإن أحيطت بشعارات وطنية ودينية كبيرة. لكنها ما لبثت أن توسعت، واستحضرت مخزوناً أيديولوجياً وتاريخياً عميقاً، لتبرز رواسب عقدية تعود جذورها إلى مراحل تاريخية متباعدة، منذ فجر الإسلام، مروراً بالعصور الوسطى، وحتى العصر الحديث.
ومع اتساع دائرة الصراع، دخلت قوى إقليمية ودولية على خط الأزمة، وأصبح كل طرف يتهم الآخر بأنه أداة لتنفيذ أجندة خارجية، وأن قراره لم يعد مستقلاً بقدر ما يخضع لحسابات داعميه وحلفائه. وهكذا غدت الحرب، في خطاب أطرافها، أقرب إلى مواجهة بين عقيدتين أو مذهبين، وبين حق وباطل، وخير وشر، متجاوزةً حدود الجغرافيا الوطنية، بينما تكشف الوقائع أن المصالح والتحالفات العابرة للحدود أصبحت هي العامل الأكثر تأثيراً في استمرارها.
وهنا تكمن المعضلة اليمنية الحقيقية؛ إذ يغيب صوت العقل، وتتراجع المصلحة الوطنية، وتتسع مساحة التدخل الخارجي، حتى يصبح المتحاربون المحليون، بقصد أو بغير قصد، أدواتٍ في صراعات أكبر منهم، مهما أعلن كل طرف وطنيته، وأكد سلامة نواياه، واعتقد بصواب أهدافه.
إن اليمن، بعد سنوات طويلة من الحرب، لم يعد يحتمل مزيداً من النزيف. فلا منتصر حقيقي في حربٍ أكلت البشر والحجر، واستنزفت الاقتصاد، ومزقت النسيج الاجتماعي، وأثقلت كاهل الأجيال القادمة بأعباء ثقيلة.
فهل آن للحكمة اليمانية أن تتجلى، وأن تلتقط اللحظة قبل فوات الأوان؟ وهل يدرك اليمنيون أن مصلحة الوطن أكبر من حسابات الأطراف، وأن رابطة الدم والتاريخ والجغرافيا أعمق من كل أسباب الفرقة؟ وهل يقتنع الجميع بأن استمرار الحرب لا يصنع نصراً، وإنما يطيل أمد الخسارة للجميع؟
لقد آن الأوان لأن يُستبدل منطق السلاح بمنطق الحوار، وثقافة الغلبة بثقافة التعايش، وأن تتجه الإرادة الوطنية إلى البناء بدل الهدم، وإلى السلام بدل الحرب؛ فسلام اليمن ليس انتصاراً لطرف على آخر، بل انتصارٌ لليمنيين جميعاً.
إنها أسئلة مصيرية، لا تنتظر شعارات، وإنما تحتاج إلى إجابات مسؤولة، وإلى عقول راجحة، وإرادة وطنية صادقة تضع مستقبل اليمن فوق كل اعتبار.

