آخر الأخبار

spot_img

الوفرة وأفيون المستقبل الذي يروج له من يتصدر الواجهة الرأسمالية الجديدة

“صحيفة الثوري” – (تقنية وعلوم):

متابعة وتعليق: أحمد السلامي

في مقابلة مطولة أجرتها رئيسة تحرير مجلة “إيكونومست”، زاني مينتون بيدوز، مع إيلون ماسك داخل مصنع “تسلا” في تكساس، يتوقع المتابع في البداية، أو يفترض، أن يصغي بالضرورة إلى أسئلة وإجابات حول صناعة السيارات وأرباحها، باعتبار أن المقابلة مع صاحب أحد أشهر مصانع السيارات المنافسة عالمياً. لكن، بدلاً من ذلك، نجد الحوار مع ماسك يتجه منذ البداية، أو يغلب عليه، الحديث حول مستقبل الجنس البشري، ومصير العمل، ومستقبل النقود.

وظهر الرجل جالساً أمام محاورته بثقة المتعجرف وهدوء المتيقن من الأفكار التي يطرحها، في حين يتوقع المتابع من رجل الأعمال أن يظهر بحماس تاجر معني بالمنتجات التي يصنعها، بعيداً عن الترويج لأفكار وتخمينات ذات منحى أيديولوجي مستفز. فإذا بنا أمام مروج يدلق تصورات الرأسمالية الغربية في مرحلة متقدمة من الفوضى والجشع والاستعلاء على الإنسانية، حيث طرح ماسك توقعه الحاسم، في بداية الحوار، بأن الذكاء الاصطناعي سوف يتجاوز مجموع الذكاء البشري خلال خمس سنوات تقريباً، وأن البشر لن يظلوا في موقع السيطرة. وذهب أبعد من ذلك حين قارن الفارق المنتظر بين الآلة والإنسان بالفارق القائم بين الإنسان والشمبانزي، أي أننا سنصبح، بحسب رأيه، قروداً أمام الآلة.

ورغم تحذيرات أطلقها في وقت سابق من مخاطر تقنية الذكاء الاصطناعي، إلا أنه يبدو الآن أكثر ميلاً إلى ما يحسب أنه الجانب المشرق، مؤكداً أن الزخم التقني سريع ولا يمكن إيقافه، وأن النتيجة المرجحة هي الوصول إلى “وفرة مذهلة” تشمل جميع البشر.

ويمتد الحديث من هذا المدخل إلى طرح تصور اقتصادي يرى فيه ماسك، الذي يتحدث في عصر ترامب المقاول وسمسار العقارات، أن العمل سيصبح اختيارياً بفضل الروبوتات والذكاء الاصطناعي اللذين سيؤمنان السلع والخدمات بلا حدود، وأن العمل سيصبح هواية، مثل الزراعة في حديقة المنزل، حيث يمكنك أن تشتري الخضار من المتجر أو تزرعها بيدك للمتعة وليس للضرورة.

وطبقاً لهذا التصور، سيفقد مفهوم المال أهميته بالطريقة التي نعرفها الآن بحلول عام 2036، حسب قوله، لأن ما يعوض النقود من فائض في الإنتاج سيجعل النقود بلا قيمة. ثم يذهب أبعد من ذلك، ويقول إن مراكز البيانات ستُنقل إلى الفضاء هرباً من قيود الطاقة الأرضية، بمعنى بدء الاستيطان المريخي.

ويمكن القول إن تنبؤات ماسك ليست منفصلة عن بعضها، وأنها صادرة عن بنية أيديولوجية تحاول الظهور على هيئة استشراف محايد من جانب مستثمر ورأسمالي مساهم في الطفرة الجديدة التي يتصدرها الذكاء الاصطناعي. ولكن مهمتنا، من موقع التلقي، ليست تصديق تنبؤاته أو تكذيبها، ولا تقييم واقعيتها التقنية. المهمة المنتظرة من المستمع، والمطلوبة بشدة، هي إنقاذ الوعي من التشويش، والعودة بالأفكار من استيطان المريخ إلى الأرض واقتصادها، وقوى الهيمنة التي تصدر للعالم من يمهد الطريق للمزيد من الاستغلال.

وكما يعلم الجميع، فإن إيلون ماسك ليس مفكراً ولا مبتكراً، وأنه، من خلال شركات مثل “تسلا” و”إكس” و”ستارلينك” و”إكس إيه آي”، مجرد فرد يعمل كأداة مرتبطة بالمجمع الصناعي العسكري، عبر عقود “سبيس إكس” مع البنتاغون والاستخبارات، وبرأس المال الريعي المدعوم بسخاء من الدولة عبر الإعفاءات، ومنح السيارات الكهربائية، والعقود الفضائية. وهذا الموقع يحدد له سلفاً ما يقوله وما لا يقوله.

بمعنى أن ماسك لا يستطيع الحديث، ولا أن يتخيل المستقبل، إلا في صورة تبقيه في موقع من يراكم ويجمع الثروة. وحين يعد شخص مثل هذا بأن النقود ستفقد أهميتها، نصبح أمام كذبة، لأن مهمة ماسك ومن يقفون خلفه هي احتكار النقود واكتناز رأس المال، وليس التنازل عن أدوات الإثراء.

وبالتالي، فإن الوعد بالوفرة الشاملة، حين يصدر عن مالك لوسائل الإنتاج، لا عن دعوة لتغيير علاقات الملكية، يقلب معنى الوفرة إلى النقيض، حيث إن الوفرة الحقيقية تفترض أن تصبح البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والروبوتات ومصادر الطاقة ملكاً اجتماعياً مشتركاً. أما وفرة ماسك، فتفترض بقاء هذه البنية في يد حفنة من الشركات الاحتكارية، مع تعهد شفهي، بلا ضمانات، بأن ناتجها سوف يفيض على البشر.

وهذا، بالطبع، تناقض لا يحتاج إلى فلسفة لكشفه، إذ لا يمكن لطرف يحتكر أدوات الإنتاج أن يعد بأن ثمرة الإنتاج ستوزع مجاناً، لأن الاحتكار ذاته يعني إدارة الندرة، ولأن كل يوتوبيا رأسمالية تحتاج إلى ندرة مخطط لها، لكي تحافظ الرأسمالية على أرباحها، سواء أكانت ندرة في الغذاء، أم ندرة في الطاقة، أم ندرة في الأرض، أم ندرة في البيانات.

يقوم خطاب الوفرة، في حوارات إيلون ماسك وثرثراته، وما أكثرها، على إخفاء ممنهج للشروط المادية اللازمة لتحقيق الوفرة. وإذا ما عدنا إلى أصول وجذور إنتاج المواد الخام الأولية التي يعتمد عليها تطوير بطاريات السيارات الكهربائية في مصانع “تسلا” التي يملكها، سنجد أن من يستخرج الليثيوم للبطاريات من مناجم الكونغو، ومن يجمع المعادن النادرة في ظروف عمل قاتلة، ومن يعمل بأجور بالغة التدني في تصنيف البيانات لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، ومن يعيش دون ماء ولا كهرباء كافيين بجوار مراكز البيانات التي تلتهم الموارد، جميعهم من فقراء هذا العصر، وفي زمن التنظير الرأسمالي الجديد للوفرة الموعودة، والقائمة على ندرة واستغلال متواصلين لم ينقطعا للبلدان الفقيرة.

أما النقود، فلن تختفي، ومن الواضح أنها يمكن أن تُستبدل بأشكال جديدة من السيطرة، مثل السيطرة على البيانات، والوصول إلى الشبكات، والسيطرة على الخوارزميات التي تدير الحياة اليومية والعمليات الاقتصادية من بيع وشراء، بعد أن تختزل المواطنة إلى اشتراك في منصة يملكها ماسك وأمثاله من أثرياء العالم الرأسمالي الجديد، والأكثر جشعاً.

ومن مخاطر هذا النمط من التنظير الرأسمالي أنه يختزل مستقبل البشرية في حتميات تقنية، ويستبعد الأبعاد الاجتماعية والإنسانية والحضارية، وجوهر وجود الإنسان على الأرض. ويتجاهل أن أي مسار للتنمية والترقي الاقتصادي إنما تكون غايته إسعاد البشرية، وليس استبعادها من معادلة الواقع المادي وتطلعات الإنسان من خلاله.

فعندما يقارن ماسك، بارتياح، ويرى أن الفارق بين البشر والتقنية سيكون مثل الفارق بين البشر والشمبانزي، فإنه يحاول إبهارنا بجرأته على احتقار الإنسان وتجاوزه، وفي الوقت نفسه يؤسس مدخلاً للرفض المسبق لأي جدال أو نقاش مشروع حول حقوق ملكية أدوات الإنتاج الجديدة، وكل ما يحقق السطوة والسيطرة، لأن الإنسان الذي سيكون، من منظور ماسك وشركاته، في مرتبة الشمبانزي، لا يحق له أن يتفاوض حول مصيره، وشراكته في السلطة، وحقه في تقاسم الفائض.

ونحن نعلم أن كل مستقبل في المنظور الرأسمالي مشروط بالحفاظ على طبقة يتم استغلالها لتحقيق الفائض، ومن الواضح أن الحامل الطبقي لمستقبل ماسك وزملائه من ملاك الشركات الجديدة يتمثل في رأس المال الرقمي الاحتكاري، المتحالف مع الدولة والمجمع الصناعي العسكري في أمريكا، ضد ما يتبقى في العالم من بشر وموارد وبيئة صالحة للعيش. وهذا هو المستقبل الذي يقدمه الثري الأمريكي للعالم.

وسيكون أمام الفلاسفة وعلماء الاجتماع والنقد السياسي مهمة لتشريح هذا الخطاب الذي يستصغر البشرية، وينحاز للآلة، ويرهن مصير الإنسان باستسلام مقصود لمراكز بيانات يعول عليها أن تقلب معادلة الحضور الإنساني ودوره في صناعة تاريخ البشر وتحولاتهم، في مقابل من يحاول أن يقنعنا بأن مستقبله الخاص، كما يتخيله، ينبغي أن يعيد هندسة مستقبل الجنس البشري بأكمله.

لمشاهدة المقابلة، اضغط على الرابط التالي:
https://www.youtube.com/watch?v=XuoqKYxDHVc

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img