آخر الأخبار

spot_img

أربعون يوماً منذ وفاة الوالد الحبيب… رحمة الله تغشاه

“صحيفة الثوري” – (رأي):

باسل أنيس حسن يحيى *

في صباح يوم 31 مايو، تلقيت اتصالاً مبكراً يبلغني بضرورة التوجه العاجل والفوري إلى القاهرة من أجل الوالد.

في البداية، اعتقدت أن الوالد بحاجة ماسة إليّ، وأن عليّ سرعة تلبية النداء؛ فالوالد ينادي، ونحن نلبي بكل حب وطاعة.

وبعد دقائق، جاء اتصال آخر بدأ فيه المتحدث يهيئني لاحتمال أن يكون الوالد قد فارق الحياة.

عجزت عن استيعاب الخبر أو تصديقه، وكأن نفسي تأبى الإقرار به، فغلبتني صدمة الفقد، وصرخت من شدة الألم والصدمة، ثم أنهيت الاتصال، وباشرت على الفور ترتيبات السفر لأستقل أول طائرة متجهة إلى القاهرة.

وبتيسير وتوفيق من الله سبحانه وتعالى، تمكنت من الحصول على رحلة في ظهر اليوم ذاته، ووصلت القاهرة مساء ذلك اليوم.

وهنا بدأت أصعب اللحظات.

كان الموقف الأول عند دخولي شقة الوالد، والسلام على والدتي، وأنا مدرك تماماً أن عليّ أن أبدو قوياً، وأن أخفي ألمي لأخفف عنها هول الفاجعة وحزنها على رحيل شريك عمرها. وهي من كانت معه دائمة الثبات في السراء والضراء، وبقيت السند والعضد في كل منعطفات الحياة، بحلوها ومرها. ولطالما عُرفت الوالدة الغالية، حفظها الله، بأنها مناصرة مستميتة لكل ما آمن به والدنا الحبيب وناضل من أجله. وكيف لا، وهي من رأت فيه عن قرب تجسيداً حقيقياً لكل معاني الإنسانية، ومثالاً نادراً لنقاء السريرة ونزاهتها، المحكومة بأجمل القيم والمبادئ، طوال مراحل حياته النضالية والإنسانية.

أما الموقف الثاني، وهو الأصعب على الإطلاق، فكان دخولي إلى الغرفة التي كان فيها والدي مستلقياً على سريره، وقد غادرت روحه الطاهرة إلى بارئها.

لن أستطيع وصف تلك اللحظة، ولا أزال حتى اليوم عاجزاً عن استيعابها. بل أعتقد أنني لم أستوعب بعد أن والدي قد رحل إلى جوار ربه.

ورغم إيماننا الكامل بقضاء الله وقدره، وأن كل نفس ذائقة الموت، فإن فقد الأب يبقى موقفاً لا يدرك قسوته إلا من عاشه، خصوصاً إذا كان هذا الأب يحمل من الصفات الإنسانية والاجتماعية والوطنية ما كان يحمله والدي، رحمه الله.

لقد ترك والدي رصيداً كبيراً من النضال الوطني والسياسي، ومحبة واسعة في قلوب الناس، سواء في حياته أو بعد وفاته.

وقد أحسست بعمق ذلك من خلال كلمات المعزين الصادقة والمؤثرة، سواء بشكل مباشر أو عبر الاتصالات والرسائل الجمّة التي تلقيتها، ومن خلال برقيات التعازي، وكذلك من خلال ما كتبه عنه كل من عرفه عن قرب، أو جمعه به موقف، أو استذكر كلمة طيبة للوالد تركت أثرها الطيب في النفوس، فعبّر أصحابها عنها بشكل جميل ومستفيض عبر صفحاتهم أو من خلال تعليقاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي. قرأت الكثير والكثير من الشهادات الرائعة عن مناقب الوالد، ومواقفه، وتفاصيل إنسانية من شخصيته، رحمه الله. وكذلك سعدت وتأثرت جداً لسماع الكلمات الطيبة والبسيطة من الأهل والأصدقاء والجيران والمعارف، صغاراً وكباراً، وهم يجمعون على حبه وطيبته وتواضعه ولطفه مع الصغير والكبير منهم.

ليتك تعلم ما تركته من أثر طيب في النفوس، يا والدي الحبيب، سواء عند من عرفوك كإنسان، أو في أوساط من كنت لهم الملهم والمعلم في الميدان. فتسابق الطيبون من أبناء مدينتك الحبيبة عدن، ومن كل مدن ونواحي بلدك الغالي اليمن، فقالوا فيك شهاداتهم الصادقة لوجه الله، والكثير الكثير مما يثلج القلب، ويبقي لك مكاناً ناصعاً في التاريخ والوجدان.

سبحان الله… هذا ما أردته، وكنت دائماً تردده: “هذا هو أهم رصيد للإنسان.”

أقول: “رحمك الله يا أبي”… بعد أن كنت دائماً أمتع لساني بالدعاء: “حفظك الله يا أبي”، وما أصعب الانتقال بين الدعائين.

أعتزم، بإذن الله، إعداد كتيب يوثق مسيرة الوالد، يضم سيرته الذاتية، ومحطات من حياته النضالية والسياسية والتنفيذية، منذ مشاركته في النضال ضد الاستعمار البريطاني، ومساهماته في إغناء ثورتي سبتمبر وأكتوبر، مروراً بالمهام التي تحملها في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية جنوباً، ومن ثم في إطار دولة الوحدة، وحتى وفاته. وسيشارك في كتابة بعض المحطات شخصيات من رفاق دربه، وممن عملوا معه وعرفوه عن قرب، إلى جانب رجال الدولة، مع تضمين شهادات متنوعة.

لكني، في ظل هذا الحزن العميق الذي لا يعلمه إلا الله، وجدت صعوبة بالغة في الشروع في هذا العمل.

كما أن إعداد كتاب يليق بتاريخ الوالد الوطني والسياسي والإنساني يتطلب التواصل مع عدد كبير من الشخصيات، وجمع شهاداتهم، ثم إخراج الكتاب بالصورة التي يستحقها. ولذلك، فقد آثرت التريث ومنح هذا المشروع الوقت الكافي، حتى يرى النور في الوقت المناسب، وبالمستوى الذي يليق بسيرة والدي، رحمه الله.

رحيلك يا أبي أوجع قلوبنا، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾.

اللهم اجعل قبر أبي روضةً من رياض الجنة، وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.

اللهم احفظ أمي، وألبسها ثوب الصحة والعافية، وأنزل عليها الصبر والسلوان، وأعني على برها وخدمتها، واجعلني وأختي وأولادنا قرة عين لها، وارزقنا رضاها عنا.

وأجدد خالص الشكر والامتنان لكل من وقف معنا في حياة الوالد، وبعد وفاته، بالمواساة الصادقة، والكلمات الطيبة، والدعاء، وبرقيات العزاء، والمشاعر النبيلة التي خففت عنا هول مصابنا.

حفظ الله الجميع، وجزى الله كل من واسانا خير الجزاء، وحفظ الله والديكم، ورحم من توفى.

* من حائط صفحته في الفيسبوك

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img