آخر الأخبار

spot_img

من داخل الوعي الديني، لا من خارجه.. قراءة نقدية لمضامين محاضرة الشيخ صادق البيضاني

صحيفة الثوري – (كتابات)

طاهر شمسان

لا يحسبن أحد أنني كتبت هذا المقال دفاعًا عن السيدة توكل كرمان، أو لخصومةٍ مع الشيخ صادق البيضاني. ومن السياق سيلاحظ القارئ اللبيب أنني لم أكتب دفاعًا عن أشخاص ضد أشخاص، بل عن قيمة أحسبها إسلامية أصيلة، وهي أن العدل مقدم على الخصومة، والتثبت مقدم على الاتهام، والتكفير باب بالغ الخطورة لا يجوز أن يتحول إلى لغة في الخطاب العام. أما عندما يُلقى هذا التكفير من على منبر داخل مؤسسة تحمل السلاح، فعلى الدنيا السلام.

ثم إنني لم أكتب مقالي هذا من خارج الوعي الديني، وإنما من داخله، منطلقًا في ذلك من معرفتي المتواضعة بأن كل مقاومة لخطاب التكفير ليست موقفًا ضد الدين، بل قد تكون دفاعًا عن الدين نفسه. ومما أعلمه من أحداث التاريخ ووقائعه أن الإسلام لم يحفظ مكانته عبر القرون بفائض التكفير، وإنما بحفظ الدماء، وإقامة العدل، والتثبت في الأحكام، وعدم الخلط بين ما هو من الدعوة وما هو من القضاء.

وبناءً على ما أسلفتُ، فإن ما دعاني إلى التوقف عند محاضرة الشيخ صادق البيضاني، ليس مجرد نقده لشخصية عامة مثل السيدة توكل؛ إذ من حقه، ومن حق أي فقيه أو داعية أن يناقش أفكارها، وأن يرد عليها بما يراه من أدلة وبراهين. لكن ما أثار انتباهي في محاضرة الشيخ البيضاني، ليس فقط طبيعة الخطاب الذي حملته، وإنما – وهو الأهم – المكان الذي ألقيت فيه. فعندما يتحول معسكر للجيش إلى منصة للإعلان من خلالها أن مواطنًا يمنيًا ارتدَّ، ويجب استتابته، ثم إقامة حد الردة عليه إن لم يتب، فإن السؤال في هذه الحالة لم يعد متعلقًا بالسيدة كرمان، وإنما بطبيعة الدولة التي نريد بناءها، وبالوظيفة التي ينبغي أن تؤديها المؤسسة العسكرية في هذه الدولة.

إن وظيفة الجندي هي حماية الوطن، وصيانة أمن المجتمع، والدفاع عن جميع المواطنين دون تمييز، وليس تصنيفهم إلى مؤمنين ومرتدين. فالجيوش الوطنية لا تُبنى على الولاءات المذهبية، ولا على التعبئة العقدية ضد الخصوم السياسيين، وإنما على عقيدة وطنية تجعل القانون وحده هو المرجعية، وتحصر استخدام القوة في حماية الدولة والمجتمع، لا في الانخراط في الخصومات الفكرية. ولهذا فإن السؤال المشروع هو: لماذا يُقدَّم مثل هذا الخطاب داخل معسكر للجيش؟ وما الرسالة التي يُراد غرسها في وعي الجندي الذي يحمل السلاح باسم الدولة؟

إن أخطر شيء يمكن أن تتعرض له أي مؤسسة عسكرية هو أن تتحول من مؤسسة وطنية جامعة إلى مؤسسة ذات وظيفة أيديولوجية، ذلك أن السلاح إذا اقترن بثقافة الإقصاء، أصبح مصدر خوف للمجتمع، لا مصدر أمن له.

أما إذا تحرينا الدقة في محاضرة الشيخ صادق البيضاني، فسنجدها قد نقلت عن السيدة كرمان سلسلة طويلة من الأقوال، ثم بنت عليها أحكامًا غاية في الخطورة، دون أن تتيح للمتلقي التحقق من صحة النقل وسياقاته. ويعلم الشيخ البيضاني أن هذا لا ينسجم مع المنهج الذي بناه مؤسسو علم الحديث الذين لم يقبلوا رواية إلا بعد التثبت من صحتها، وعدالة ناقليها، وسلامة متنها؛ فكيف أجاز لنفسه أن يبني أحكامًا في الإيمان والكفر، على أقوال لا يعرف المتلقون، داخل المعسكر وخارجه، مصدرها وسياقاتها؟

وفي حدود معارفنا المتواضعة، فإن الانتقال من نقد الأفكار إلى تكفير أصحابها ليس من منهج أهل الفقه الراسخين. فالفرق كبير بين أن يقال: “هذا القول خطأ”، أو “مخالف للنصوص”، أو “باطل”؛ وبين أن يقال: إن قائله قد خرج من الإسلام.

ومعلوم عن فقهاء السلف الصالح أنهم استغرقوا كثيرًا في التفريق بين الحكم على القول، والحكم على القائل، وتشددوا في شروط التكفير، وحذروا من التوسع فيه، إدراكًا منهم لعظيم ما يترتب عليه من آثار في الدماء والحقوق ووحدة المجتمع. ثم إن الرد على الأفكار يكون بالحجة، لا بإهدار المكانة الإنسانية لصاحبها، ويكون بالبيان، لا بالتحريض، ويكون بالدليل، لا بالتعبئة.

ومن المفارقات أن المحاضرة اتهمت السيدة كرمان بإثارة الفتنة وخطاب الكراهية، بينما انتهت هي نفسها إلى خطاب أكثر استقطابًا، يقوم على التكفير، والدعوة إلى الاستتابة، والمطالبة بإقامة حد الردة. وهنا يبرز سؤال أخلاقي قبل أن يكون سؤالًا فقهيًا: أي الخطابين أقرب إلى صناعة الكراهية؟

ثم إن الدولة الحديثة، حتى في البيئات المحافظة، تقوم على مبدأ واضح، وهو أن القضاء وحده هو صاحب الاختصاص في الفصل في الخصومات، وأن المؤسسات العسكرية ليست ساحات لإصدار الأحكام الدينية على المواطنين. فإذا كان الخلاف مع السيدة كرمان سياسيًا، فالرد يكون سياسيًا. وإذا كان فكريًا، فالرد يكون فكريًا. وإذا كان شرعيًا، فالرد يكون بالحجة والدليل. أما تحويل الخصومة السياسية إلى قضية إيمان وكفر، فهو من أخطر أبواب الفتنة، لأنه ينقل المجتمع من مساحة الاختلاف المشروع إلى مساحة الإقصاء الديني. ولعل تجربتنا في اليمن تكفي وحدها شاهدًا على خطورة هذا المسار. فقد دفعت البلاد أثمانًا باهظة حين اختلطت السياسة بالدين، وحين أصبحت الخصومات الحزبية تُدار بلغة العقيدة، وأصبح كل فريق يرى نفسه ممثلًا للإسلام، ويمنح نفسه حق الحكم على إيمان الآخرين ووطنيتهم.

إن معسكرات الجيش ليست مدارس للخلافات العقدية، ولا ساحات لتصفية الحسابات السياسية، وإنما مؤسسات وطنية ينبغي أن تبقى على مسافة واحدة من جميع أبناء الوطن. والسلاح الذي يحمله جنود وصف ضباط هذه المعسكرات لا يخص جماعة ولا مذهبًا، وإنما هو أمانة في عنق الدولة تجاه المجتمع كله. وعليه، فإن المسؤولية لا تقع على الشيخ المحاضر وحده، وإنما تمتد إلى كل من يسمح بتحويل المؤسسة العسكرية إلى ساحة لصراعات فكرية أو مذهبية. وكل هذا لأن حماية حياد المؤسسة العسكرية ليست قضية إدارية فحسب، بل قضية تتعلق بمستقبل الدولة نفسها.

إن اليمن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من تصنيف الناس، بل إلى إعادة بناء الثقة بينهم. ولا يحتاج إلى توسيع دائرة التكفير، بل إلى توسيع دائرة الحوار. ولا يحتاج إلى تعبئة الجنود ضد خصوم فكريين، بل إلى إعدادهم للدفاع عن الوطن، وسيادة القانون، وأمن جميع المواطنين.

والدفاع عن الإسلام لا يكون بتوسيع دائرة الردة، وإنما بتوسيع دائرة العدل. ولا يكون بإقحام الجيش في الخصومات الفكرية، وإنما بصيانة الجيش من الاستقطاب. ولا يكون بإحياء لغة الإقصاء، وإنما بإحياء أخلاق القرآن التي جعلت العدل واجبًا حتى مع الخصوم، وجعلت التثبت شرطًا قبل إصدار الأحكام.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح على كل من يحرص على مستقبل اليمن: هل نريد جيشًا يحرس حدود الوطن، أم جيشًا ينشغل بتصنيف المواطنين؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كنا نمضي نحو بناء الدولة، أم نحو إعادة إنتاج الأزمات التي دفع اليمن أثمانها الباهظة طوال العقود الماضية.

أخيرًا: إن أخطر ما يواجه اليمن اليوم ليس اختلاف أبنائه في السياسة، بل تحويل هذا الاختلاف إلى معركة في الدين. فحين يدخل التكفير إلى الثكنة، لا يعود الخطر على فرد بعينه، بل على فكرة الدولة نفسها.


10 يوليو 2026

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img