“صحيفة الثوري” – (رأي):
نبيل غالب
سرُّ سقطرى لا يكمن في أشجار “دم الأخوين” فقط، بل يكمن في عمقٍ لا يراه أحد: في حكمة صيادٍ يقرأ النجم، وفي بحرٍ يضم 730 نوعًا من الحياة، وفي ميثاقٍ غير مكتوب يقول: “خذ كفايتك واترك الباقي”.
سقطرى ليست جزيرة، بل هي مدرسة مفتوحة على المحيط؛ منهاجها الصبر، وأستاذها الموج، وطلابها صيادون تعلموا أن البحر لا يُؤخذ بالقوة، بل بالحكمة.
الصياد السقطري لا يطارد “توقعات الطقس”، بل يطارد “المعرفة”. يقرأ النجم فيحدد الاتجاه، ويتحسَّس الريح على جلده، ويميّز من لون الموجة إن كانت تخبئ غدراً، بل ويسمع صوت “الثمد” وهو يضرب تحت القارب. للطبيعة لغة، ومن يحترمها تُكرمه، أما نحن في المدن، فقد استبدلنا قراءة الإشارات بقراءة الشاشات.
يرمي شبكته عند الفجر ويهمس: “على الله”. يعود بقفّةٍ ملأى، أو بشيءٍ يسدُّ الرمق، وفي الحالتين لا يسبُّ البحر ولا يطمع. قانونه الذي ورثه: “البحر يومٌ لك ويومٌ عليك”.
اسأل أكبرهم، بعد أربعين سنة في عرض البحر، سيقول لك بتواضع: “لا زلت أتعلم”. يقف أمام الموجة العاتية، لا ليقهرها، بل ليقول: “سبحان الله”.
هنا، لا أحد “يجرّف” البحر. الصياد يأخذ كفايته ويترك الباقي ليتكاثر. هذا ميثاقٌ غير مكتوب، وهو جوهر “الاستدامة” التي يتحدث عنها العالم اليوم في قمم المناخ. والفرق أن أجدادنا طبقوها بالفطرة، قبل أن تصبح مصطلحاً في تقارير الأمم المتحدة.
بساطة الصياد هي درسه الأكبر. بيته قاربه، وثلاجته البحر، وساعته النجمة. لقد ربّاه البحر على يقينٍ واحد: الموجة العالية يعقبها هدوء، والعاصفة لا تدوم.
لكن سقطرى ليست أسطورة “أشجار دم الأخوين” فقط، بل هي جنة تحت الماء، وواحدة من أغنى مناطق المحيط الهندي. وسرُّها في موقعها؛ فهي نقطة التقاء ثلاثة تيارات كبرى: البحر الأحمر، وخليج عدن، والمحيط الهندي. ولهذا أصبحت “محطة تقاطع” للأسماك المهاجرة. يرمي الصياد شبكته، فيجد سمكةً من الصومال تسبح إلى جوار سمكةٍ من الهند.
الأرقام تؤكد ذلك: 730 نوعاً من الأسماك الساحلية، و253 نوعاً من المرجان، و300 نوع من القشريات. وما يزال مرجانها بكراً، لم تطله ظاهرة التبييض ولا التلوث. لذلك يقولها الصياد بثقة: “سمكتنا تأكل مرجاناً.. لا تأكل بلاستيك”.
لهذا كله، فإن التنوع السمكي في سقطرى ليس “ثروة” تُحسب بالأطنان، بل هو “أمانة” تُسلَّم من جيل إلى جيل. الصياد يتسلمها من أبيه نظيفة، ومهمته أن يسلّمها لولده أنظف.
في سقطرى، البحر لا يعلّمك الصيد فقط، بل يعلمك كيف تكون إنساناً: صبوراً، متواضعاً، وممتناً. وهو درس نحتاج إليه جميعاً، بمن فينا نحن الذين نسينا صوت الموجة.

