“صحيفة الثوري” – (رأي وتحليلات):
أ.د. محمد علي قحطان
منذ استخراج النفط والغاز الطبيعي المسال في اليمن، في ثمانينيات القرن الماضي، كانت الحكومة اليمنية تعتمد اعتماداً كلياً على عوائد النفط والغاز. ولذلك ظلت، منذ ذلك الحين، دولة ريعية، مصدرها الأساسي لمواجهة التزامات الحكومة وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية هو عوائد صادرات النفط والغاز، وما يقدم من المنح والمساعدات الخارجية، وكذا القروض الداخلية والخارجية.
الأمر الذي أدى إلى بقاء اليمن دولة ريعية متخلفة، بالرغم من امتلاكها الكثير من الثروات والموارد الاقتصادية الهامة، التي كان من الممكن، في حال استغلالها، تحقيق نهضة اقتصادية واجتماعية والانتقال إلى صفوف الدول المعروفة بتطورها الاقتصادي والاجتماعي، كما هو الحال في دول مجلس التعاون الخليجي المجاورة ودول جنوب شرق آسيا.
إلا أن الصراع السياسي والعسكري المستمر، وعدم الاستقرار، وبنفس الوقت انتشار ظاهرة الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، قد أعاق حركة النهضة في اليمن، وتوج ذلك بالحرب الحالية المستمرة منذ العام 2015م.
الأمر الذي أدى إلى انهيار مؤسسات الدولة، وتدمير البنية التحتية، وخروج الاستثمارات الأجنبية، وبالأخص العاملة في مجال النفط والغاز، من اليمن، وتوقف صادرات النفط والغاز، وبالتالي تعميق التخلف الاقتصادي والاجتماعي، ووصول البلاد إلى حالة الانهيار الاقتصادي والإنساني، الموصوفة كأسوأ حالة في عصرنا الحالي، حسب وصف الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية.
الأمر الذي استدعى تدخل دول الإقليم المتنافسة على النفوذ في اليمن بتعميق نفوذها، من خلال تقديم المساعدات الإنسانية والمنح المسكنة.
ومع حدث الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وأبعادها المؤثرة على أمن الطاقة في العالم، ثم حدوث الهدنة والمفاوضات الجارية لتسوية النزاع، بعد تأثيره السلبي البالغ على سلاسل إمداد الأسواق العالمية بالنفط والغاز، برزت فرصة للحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، وهي تسيطر من خلال مكوناتها العسكرية والأمنية على كافة حقول النفط والغاز في عموم اليمن.
تمثلت هذه الفرصة بما نشاهده من تحرك لشركة هنت النفطية الأمريكية، حيث ظهر أبرز هذه التحركات بلقاء ممثلي الشركة برئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، والإعلان عن الاتفاق على عودة هذه الشركة إلى عملها السابق في اليمن (إنتاج وتصدير النفط والغاز اليمني)، منذ بداية الإنتاج في ثمانينيات القرن الماضي.
وتعد الشركة الأبرز في إنتاج وتصدير النفط والغاز اليمني، الأمر الذي أثار جدلاً حول أهمية هذه الخطوة، وما يمكن إحداثه من آثار اقتصادية واجتماعية في حالة نجاح الشركة في العودة إلى عملها السابق في اليمن.
وبرأينا أنه في حالة تحقق نجاح الشركة بالعودة وإنتاج وتصدير النفط والغاز اليمني، سيكون لذلك آثار إيجابية عديدة، يمكن إيضاح أهمها بالآتي:
أولاً: تغطية عجز الموازنة العامة للدولة، وبالتالي الوفاء بدفع رواتب الموظفين وتمكينها من دفع رواتب موظفي الدولة في عموم المحافظات اليمنية، استناداً إلى كشوفات السنة السابقة للحرب (عام 2014م).
وبنفس الوقت تحسين وضع ميزان المدفوعات اليمني، إذ إن الدولة اليمنية قبل الحرب كانت تعتمد بصورة كلية على عائدات النفط والغاز لتغطية نفقاتها العامة وتوفير العملات الأجنبية اللازمة للاستيراد.
فقد كانت عائدات النفط والغاز تغطي نسبة أكثر من 70% من الموازنة العامة للدولة، ونسبة حوالي 90% من إجمالي الصادرات اليمنية، حسب التقارير الرسمية الصادرة عن وزارة المالية والبنك المركزي اليمني قبل الحرب.
ثانياً: تمكين الحكومة اليمنية من إعادة بناء مؤسسات الخدمات العامة كالتعليم، والصحة، والكهرباء، والمياه، وكذا البنية التحتية للاقتصاد الوطني، ومواجهة الانهيار الاقتصادي والإنساني من مواردها الذاتية.
إلا أن ذلك مرهون بمواجهة جادة وحاسمة للفساد بكل صوره، وبالأخص المنتشر في مؤسسات الدولة، وتحديداً في الأوعية الإيرادية.
إذ إنه بدون هذه المواجهة، من الممكن أن يلتهم غول الفساد أي تدفقات من عوائد النفط والغاز، وبالتالي يستمر الانهيار الاقتصادي والإنساني قائماً بالرغم من استعادة إنتاج وتصدير النفط والغاز.
ويمكن اعتبار التجربة العراقية في هذا المجال أكبر برهان على ذلك.
وبرأينا أنه في حالة عودة شركة هنت للعمل، فسوف يؤدي ذلك إلى عودة بقية الشركات العاملة في مجال النفط والغاز في اليمن قبل الحرب، ويمكن دخول شركات أخرى جديدة.
الأمر الذي من شأنه تمكين الحكومة اليمنية من تحقيق العديد من الأهداف، إن توفرت الإرادة السياسية، ومن أهمها:
1) إصلاح مصافي تكرير النفط في عدن، وزيادة الطاقة الإنتاجية لمصافي التكرير في مأرب وحضرموت، وبالتالي تغطية احتياجات السوق اليمنية بالمشتقات النفطية والغاز، من خلال تفعيل آليات عمل شركتي النفط والغاز التي كان معمولاً بها قبل الحرب، وبنفس الوقت تصدير النفط والغاز الفائض عن حاجة السوق اليمنية إلى الخارج، كما كان يحصل قبل الحرب القائمة.
2) إعادة بناء مؤسسات الدولة وبنيتها التحتية، وتحديثها وتطويرها، وبالأخص إنشاء محطات توليد الطاقة الكهربائية من مصادر بديلة للمشتقات النفطية، منها الغاز الطبيعي المسال المتوفر باحتياطيات كبيرة للغاية في البلاد، والطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، وكذلك طاقة التيارات المائية المتصادمة في مضيق باب المندب عند التقاء البحرين الأحمر والعربي.
3) إعادة التوازن الاقتصادي من خلال العمل على تعافي العملة الوطنية، ومواجهة التضخم والكساد، وبالتالي إنعاش الاقتصاد الوطني ومواجهة الانهيار الاقتصادي والإنساني.

