آخر الأخبار

spot_img

دلالات موافقة البنك الدولي على إطار للشراكة مع اليمن

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

أ.د. محمد علي قحطان

نشأ البنك الدولي للإنشاء والتعمير في يوليو 1944 خلال فعاليات مؤتمر «بريتون وودز»، بمشاركة 45 دولة. وكان الهدف الرئيسي من إنشائه هو تمويل إعادة إعمار الدول التي دُمِّرت أثناء الحرب العالمية الثانية، وتحديداً أوروبا واليابان. إلا أن البنك لم يكتفِ بتحقيق ما أُنشئ لأجله، بل تعدى ذلك ليصبح أداة من أدوات فرض الهيمنة الرأسمالية على دول العالم، فطوّر أهدافه لتشمل، حسب أدبيات البنك، التنمية الاقتصادية والحد من الفقر في العالم، كأهداف رئيسية تساعده على نشر أسلوب التنمية الرأسمالية في دول العالم.

وبالأخص بعد أن تشكل العالم إلى قطبين متصارعين، يسعى كل منهما إلى توسيع نفوذه من خلال العمل على تصدير أساليب التنمية المتبعة لديه. إذ تشكل العالم بكتلتين ونظامين اقتصاديين: كتلة الدول الرأسمالية بنظام التطور الرأسمالي، وكتلة الدول الاشتراكية بنظام التطور الاشتراكي. وخلال فترة الحرب الباردة، منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، أخذت الدول الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية تطور من أدوات نفوذها على دول العالم، مستخدمة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

وبالتالي، فإن الوصفات النمطية التي يفرضها البنك الدولي، وإلى جانبه صندوق النقد الدولي، على الدول المراد احتواؤها عندما تتعرض لأزمات اقتصادية، تركز بدرجة أساسية على إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني للدول التي تمر بأزمات وتطلب مساعدته. والمقصود بإعادة الهيكلة هو تطويع الاقتصاد الوطني لنظام التطور الرأسمالي، بحيث يتخلى عن أي تأثير لنظام التطور الاشتراكي، كما حصل في اليمن بعد حرب عام 1994.

إذ كان الاقتصاد اليمني يُصنَّف بأنه اقتصاد مختلط بسبب اندماج اقتصادين بعد الوحدة اليمنية. وكانت دولة شمال اليمن تحت نفوذ نظام التطور الرأسمالي، بينما كانت دولة جنوب اليمن تحت نفوذ نظام التطور الاشتراكي. وبالتالي، فقد كانت الدولة تهيمن على ملكيات عامة في مختلف المجالات والأنشطة الاقتصادية، وهو ما يتعارض مع أسلوب التطور الرأسمالي الذي يسعى البنك الدولي إلى نشره في دول العالم.

وعندما تم إخراج الحزب الاشتراكي من السلطة وانفرد المؤتمر الشعبي العام بشراكة مع التجمع اليمني للإصلاح، وبسبب التدهور الاقتصادي الذي أعقب حرب عام 1994، سعى النظام إلى طلب مساعدة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فكان ما عُرف باستراتيجية الإصلاح الاقتصادي بدعم منظمتي صندوق النقد والبنك الدوليين، وكان من أبرز نتائج هذا الإصلاح بيع منشآت القطاع العام.

ونظراً لأن اليمن، منذ ذلك الحين، لم تستقر أوضاعها السياسية والاقتصادية، فقد عانت من التدهور الاقتصادي المستمر، الذي اشتدت حدته مع حرب عام 2015 المستمرة حتى وقتنا الحاضر، الأمر الذي أدى إلى تراجع دور منظمتي الصندوق والبنك الدوليين.

ومع استمرار الحرب، ومحاولة السلطة الشرعية مواجهة الانهيار الاقتصادي والإنساني، سعت الحكومة إلى طلب مساعدة البنك الدولي، وتم التوصل إلى ما سُمّي بإطار الشراكة بين البنك الدولي واليمن بتكلفة إجمالية بلغت 285 مليون دولار أمريكي لمدة خمس سنوات (2026 – 2030)، موزعة على النحو الآتي:
مشروع الصحة والتغذية والمياه والصرف الصحي بتكلفة إجمالية 94 مليون دولار.
مشروع تحسين إدارة المياه والري لدعم الاستدامة والكفاءة بتكلفة إجمالية 153.6 مليون دولار.
المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة بتكلفة إجمالية 21 مليون دولار.
مشروع تحديث المؤسسات والأنظمة العامة بتكلفة إجمالية 20 مليون دولار.

ويشير ذلك، برأينا، إلى الدلالات التالية:
أولاً: أن البنك الدولي قدم لليمن قرضاً بقيمة 285 مليون دولار، حسب الإعلان المنشور في وسائل الإعلام، بينما ما تم تحديد أطر استخدامه فقط 218.6 مليون دولار، بما يشير إلى فقدان مبلغ 66.4 مليون دولار من البداية وقبل أن يبدأ التنفيذ.

ثانياً: أن القرض أُطر بإطار عام، ولم يُحدد مكان وزمان التنفيذ، كما لم تُحدد نوعية المشروعات بصورة واضحة ومحددة، الأمر الذي يترك مجالاً واسعاً للتلاعب بالقرض.

ثالثاً: أن مدة الشراكة خمس سنوات، وهي مدة طويلة لا تناسب مواجهة الأزمات التي تتعرض لها الدولة اليمنية حالياً.

وبناءً عليه، يمكن استخلاص أن البنك الدولي لم يجد شريكاً فاعلاً يدير مبلغ القرض والشراكة مع البنك الدولي بصورة واضحة، الأمر الذي يحمل البلاد أعباء القرض دون أي مؤشرات واضحة لمجالات استخدامه.