“صحيفة الثوري” – (كتابات):
خالد عبدالواحد محمد نعمان
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.
صدق الله العظيم.
فُجعنا صباح هذا اليوم، الأحد الحادي والثلاثين من مايو 2026م، بوفاة المناضل الكبير الأستاذ أنيس حسن يحيى عوض في القاهرة بجمهورية مصر العربية، عن عمر ناهز 92 عاماً. فقد وُلد الفقيد في منطقة الرزميت بكريتر بمدينة عدن في 20 سبتمبر 1934م، لأسرة تعمل في مجال الصيد، وكان يفتخر دوماً بانتمائه إلى أسرة من الصيادين.
وتلقى دراسته الأولية للقرآن الكريم في معلامة الفقيه قبول بكريتر، ثم التحق عام 1942م بالتعليم النظامي، حيث درس المرحلة الابتدائية في ما كان يُعرف بمدرسة الإقامة (Residency School)، وهي مدرسة السيلة الابتدائية لاحقاً، والمتحف الحربي بكريتر حالياً. وفي عام 1946م انتقل إلى مرحلة تعليمية جديدة دُمجت فيها المرحلتان المتوسطة والثانوية في المدرسة نفسها.
وأثناء دراسته الابتدائية كان قائداً لفريق كرة القدم، ثم قائداً للفريق الكروي لطلاب المجموعة (C) في المرحلة الثانوية، ولاعباً في الفريق الأول لنادي الاتحاد المحمدي (MCC) خلال الفترة 1955–1956م. وفي أواخر أبريل 1956م انتقلت أسرته، مع أسر أخرى كانت تسكن كريتر، إلى حي الروضة في القلوعة بالمعلا، وهو الحي السكني الذي أنشأته الإدارة البريطانية تحت مسمى «منازل الطبقة العاملة» (Working Class Quarter).
وفي حي الروضة أسس أنيس حسن يحيى، مع آخرين، نادي الروضة الرياضي والثقافي، وتولى فيه منصب الرئيس.
وبعد تخرجه في المرحلة الثانوية عمل مدرساً في المدرسة المتوسطة للبنين بالتواهي. وبينما كان لا يزال طالباً في الثانوية، شارك بفعالية خلال الفترة 1955–1959م في العديد من الأنشطة الوطنية والنقابية. وكان يلتقي مع كوكبة من الشخصيات الوطنية في مكاتب مطبعة البعث بكريتر، التي كان يملكها محمد سالم علي عبده، وأثمرت تلك اللقاءات قيام الجبهة الوطنية المتحدة بقيادة الراحل الكبير محمد عبده نعمان.
وكان المد الناصري خلال تلك السنوات، ولسنوات لاحقة، قوياً جداً. وبرغم إعجاب أنيس حسن يحيى بشخصية جمال عبدالناصر، فإن توجهه الفكري كان اشتراكياً علمياً، حيث كان لكتابات المفكر والسياسي اليمني عبدالله باذيب، وولعه بالقراءة والاطلاع على نتاج الفكر الإنساني، أثر كبير في توجهه نحو الفكر الاشتراكي.
وفي النصف الأول من عام 1956م نشط، مع عدد من زملائه، في الدعوة إلى تأسيس نقابة عامة للمعلمين، وأسفرت انتخابات النقابة عن انتخاب مسعود جعفر علي عوض رئيساً للنقابة، وعلي أحمد السلامي أميناً عاماً، وأنيس يحيى أميناً عاماً مساعداً.
وفي منتصف عام 1958م انضم إلى حزب البعث، رغم قناعاته الاشتراكية.
وفي عام 1959م سافر إلى القاهرة للدراسة، حيث التحق بكلية التجارة في جامعة القاهرة وتخرج فيها عام 1963م. وخلال فترة دراسته كان ناشطاً في خلايا البعث العربي الاشتراكي بالقاهرة، ثم واصل نشاطه في عدن بعد عودته إليها عام 1963م.
وبعد استقلال الجنوب في نوفمبر 1967م، وتأميم المرتفعات الاقتصادية الأجنبية في 27 نوفمبر 1969م، تشكلت المؤسسة الاقتصادية التي ضمت الشركات المؤممة كافة، برئاسة المرحوم محمود عبدالله عشيش. وفي تلك المرحلة عُيّن الأستاذ أنيس حسن يحيى وزيراً للاقتصاد والصناعة، ثم وزيراً للمواصلات خلال الفترة الممتدة من عام 1969م حتى يناير 1975م.
وخلال الفترة ذاتها تحول حزب البعث العربي الاشتراكي في الجنوب إلى حزب الطليعة الشعبية، وتولى الأستاذ أنيس حسن يحيى منصب الأمين العام للحزب. ثم دخل حزب الطليعة الشعبية في حوار مع اتحاد الشعب الديمقراطي بقيادة أمينه العام الأستاذ عبدالله عبدالرزاق باذيب، ومع الفصيل الرئيسي الحاكم آنذاك، الجبهة القومية، ليتم تشكيل الفصيل اليساري الموحد «التنظيم السياسي الموحد – الجبهة القومية»، الذي اندمجت مكوناته لاحقاً في الحزب الاشتراكي اليمني عند تأسيسه في أكتوبر 1978م.
وفي ضوء ذلك الدمج عُيّن الأستاذ أنيس حسن يحيى وزيراً للثروة السمكية من أغسطس 1979م حتى أكتوبر 1980م.
ومن النوادر التي راجت شعبياً آنذاك، في ظل التوسع في الاعتماد على المشاريع السوفيتية الاقتصادية، ما ارتبط بمشروع المحطة الكهروحرارية الذي استغرق إنجازه سنوات طويلة، ومشاريع الاصطياد السمكي التي كانت تنفذها البواخر السوفيتية في مياه الجنوب، حيث شاع بين الناس إطلاق تسمية «أصابع أنيس» على بعض أنواع الأسماك الصغيرة. كما تعرضت بعض مشاريع استصلاح الأراضي الزراعية لانتقادات شعبية بسبب تأثيرها على قنوات الري التقليدية.
وعقب المؤتمر الاستثنائي للحزب الاشتراكي عام 1980م جرت تغييرات واسعة في قيادة الحزب والدولة، وتم تعيين كل من علي سالم البيض وأنيس حسن يحيى وعلي عبدالرزاق باذيب نواباً لرئيس الوزراء، مع احتفاظ أنيس حسن يحيى وعلي باذيب بحقائبهما الوزارية.
وانتقل علي سالم البيض إلى مبنى رئاسة الوزراء بالتواهي، بينما واصل كل من باذيب وأنيس حسن يحيى ممارسة مهامهما الوزارية إلى جانب مسؤولياتهما الجديدة.
وفي تلك المرحلة وجدت نفسي أتولى ثلاث مهام في آن واحد؛ مديراً لدائرة الرقابة والتفتيش، ومديراً لدائرة تخطيط وتنظيم أعمال مجلس الوزراء في سكرتارية المجلس، وعضواً في المكتب الخاص لرئيس الوزراء علي ناصر محمد، بينما كان المرحوم عبدالعزيز عبدالولي وزيراً للدولة لشؤون مجلس الوزراء.
وقد واجه علي سالم البيض صعوبة في التعامل مع سكرتارية مجلس الوزراء ووزارة الدولة لشؤون مجلس الوزراء، فاقترح على علي ناصر محمد أن أتولى رئاسة الهيئة العامة للمياه، باعتباري مهندساً وسبق أن كُلّفت برئاستها بالوكالة لمدة ثلاثة أشهر عام 1979م، إلى جانب عملي في مجلس الوزراء.
وصادف أن مدينة عدن كانت آنذاك تعاني أزمتي مياه وكهرباء، فاستدعاني رئيس مجلس الوزراء لأخذ رأيي في الموضوع، وأبلغني بصراحة أنه يريد «إبعادي» عن سكرتارية مجلس الوزراء. وأبديت موافقتي، فصدر قرار تعييني في الهيئة العامة للمياه، مع وعد بالدعم الكامل، لثقته في قدرتي على مواجهة الصعاب.
وبعد أحداث عام 1986م نزح الأستاذ أنيس حسن يحيى إلى الشمال مع الرئيس علي ناصر محمد.
وعقب تحقيق الوحدة اليمنية عُيّن مستشاراً لرئيس الوزراء خلال الفترة من مايو 1990م حتى أبريل 1993م. وفي انتخابات عام 1993م فاز بعضوية مجلس النواب عن الحزب الاشتراكي اليمني، وانتُخب رئيساً للكتلة البرلمانية للحزب.
وبعد حرب 1994م غادر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة مع عدد من القيادات السياسية التي خسرت الحرب، ثم انتقل لاحقاً للإقامة في جمهورية مصر العربية، حيث ظل فيها حتى وفاته.
لقد كان مناضلاً فذاً خدم الوطن بإخلاص وتفانٍ، ولم يتلوث بأي شائبة. وعرفته من خلال مشاركتي في اجتماعات مجلس الوزراء، فكان يمثل صوت الحكمة والاعتدال والرأي الاقتصادي الناضج.
ولم يورث سوى السيرة الطيبة، ولم يملك من متاع الدنيا إلا سمعته الحسنة التي لا يختلف عليها اثنان. كما لم تُعرف له ممتلكات أو عقارات، وظل ذلك المناضل الشريف الذي لم يملك من حطام الدنيا سوى محبة الناس واحترامهم.
فنم قرير العين، أيها المناضل النبيل.
ونسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنك الفردوس الأعلى من الجنة.
وخالص العزاء والمواساة إلى زوجته الفاضلة الأستاذة أم الخير أحمد حيدرة، وولدَيْه: الدكتور باسل أنيس حسن يحيى، والأستاذة غادة أنيس يحيى، وإلى جميع أفراد أسرته ومحبيه ورفاق دربه.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

