آخر الأخبار

spot_img

عندما يرحل المناضلون الشرفاء تباعاً يبقى الوطن أكثر وحشة

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

أ.د/ عبدالله غالب المعمري

برحيل الرفيق المبدئي أنيس حسن يحيى، عضو المكتب السياسي الأسبق للحزب الاشتراكي اليمني، فإن صفحةً من زمنٍ أكثر نقاءً وشفافيةً قد أُغلقت إلى الأبد. رحل بصمت المناضلين الكبار الذين يعبرون الحياة دون ضجيج، تاركين خلفهم فراغاً لا تملؤه الكلمات، ولا تسده المناصب، ولا يعوضه إلا حضور الهامات الاستثنائية التي ندر وجودها في زمن الالتباس والانكسارات.

كان الرفيق أنيس من أولئك الرجال الذين حملوا أوطانهم كجرحٍ دائمٍ في القلب، لا كجسرٍ إلى السلطة أو سلعةٍ في أسواق السياسة. عاش منحازاً لما آمن به، ودفع أثمان القناعة الفكرية بصبر المؤمنين بفكرتهم، وحزن الحكماء الذين يرون الخراب ولا يتخلون عن الأمل. وحين تبدلت الوجوه، وتغيرت الاتجاهات، وتكاثرت الرايات فوق أنقاض الأحلام، ظل واقفاً في مكانه، يشبه شجرةً عتيقةً قاومت كل العواصف دون أن تساوم على جذورها.

موجعٌ هذا الرحيل حدَّ الفجيعة؛ لأنه لا يأخذ جسداً فحسب، بل يأخذ معه ذاكرة جيلٍ كامل، وتجربةً سياسيةً وإنسانيةً نادرة، وأحلام رفاقٍ ما زالوا يحملون الشعلة التي حملها معهم لعقود. وكأن الموت اليوم لم يطفئ قلباً واحداً، بل أطفأ مصباحاً فكرياً قديماً ظل يضيء زاويةً معتمةً من هذا الليل اليمني الطويل.

ظل الفقيد، حتى آخر أيامه، يطارد صورة اليمن الديمقراطي الموحد؛ اليمن الذي حلم به وطناً للعدالة والحرية والمواطنة المتساوية. لم يتخلَّ عن ذلك الحلم رغم ما تراكم من خيباتٍ وانكسارات، وظل مؤمناً بأن الأوطان الكبرى لا تموت ما دام هناك من يحمل فكرتها في قلبه ويدافع عنها بشرف.

أيها الرفيق النبيل، تمضي اليوم إلى رحابة الله، تاركاً خلفك وطناً مثقلاً بالجراح، ورفاقاً يحدقون في مقعدك الفارغ بحزنٍ لا تستطيع اللغة أن تترجمه. أما الذين عرفوك عن قرب، فسيذكرونك كما كنت دائماً: نظيف الروح، نقي السريرة، صادقاً مع نفسك ومع الناس، مؤمناً بأن الأوطان تُبنى بالأخلاق قبل السياسة، وبالمبادئ قبل المصالح، وبالوفاء قبل الشعارات.

رحل أنيس حسن يحيى، وبقي أثره يمشي بين الناس كذكرى رجلٍ آمن بالفكرة دون أن يتاجر بها، وحمل الوطن في قلبه دون أن يطلب ثمناً لذلك الحمل الثقيل. في زمنٍ ضجَّ بالصخب والانتهازية، ظل هادئاً كحكمة الشيوخ، ثابتاً كصخرةٍ في وجه الريح، وفياً لما آمن به حتى اللحظة الأخيرة.

لم يكن مجرد سياسي عابر في سجل الأحداث، بل كان واحداً من أولئك النادرين الذين يتركون في الروح ندبةً جميلةً لا تمحوها الأيام، ويغادرون الدنيا بينما تظل سيرتهم حاضرةً في وجدان الناس أكثر من حضور كثيرين ما زالوا أحياء.

نم قرير العين، أيها الرفيق العزيز، فقد أتممت رحلتك الشاقة على هذه الأرض، وتركت خلفك سيرةً من النزاهة والصدق والإيمان بالإنسان والوطن. أما اليمن التي أحببتها حتى الوجع، والتي حملتها في قلبك حلماً وهاجساً وأملاً، فستظل تفتقد أبناءها الصادقين واحداً تلو الآخر، كأنها أمٌّ ثكلى تودع خيرة أبنائها في زمن القحط الكبير.

رحم الله الرفيق أنيس حسن يحيى رحمةً واسعة، وجعل مثواه جنات النعيم في رحاب الخالدين، وألحقه بركب الصادقين الذين عاشوا شرفاء ورحلوا شرفاء، تاركين خلفهم سيرةً نقيةً تدمع لها القلوب قبل العيون، وذكراً طيباً يبقى ما بقي الوفاء، وما بقي للوطن عشاقه المؤمنون به.

إنا لله وإنا إليه راجعون.